واشنطن العاصمة 04:32 PM

هل تخلى الأكراد عن مطالب الاستقلال؟

منعطفات هامة تشهدها القضية الكردية من السعي للاستقلال إلى التحول نحو تثبيت الحقوق داخل الدول القائمة.

· 5 دقيقة قراءة
مقاتلون من حزب العمال الكردستاني (PKK) يسيرون للمشاركة في مراسم لنزع السلاح، في خطوة مهمة نحو إنهاء الصراع المستمر منذ عقود بين تركيا والجماعة المحظورة، في جبال قنديل بالعراق، 26 أكتوبر 2025. رويترز/ثائر السوداني
مقاتلون من حزب العمال الكردستاني (PKK) يسيرون للمشاركة في مراسم لنزع السلاح، في خطوة مهمة نحو إنهاء الصراع المستمر منذ عقود بين تركيا والجماعة المحظورة، في جبال قنديل بالعراق، 26 أكتوبر 2025. رويترز/ثائر السوداني

تعرض طموح الأكراد بإقامة دولة مستقلة في تركيا وسوريا مؤخرا لانتكاسة، مع انتقال قوى كردية فاعلة في البلدين من المطالبة بالانفصال إلى الانخراط في حوار مع حكومتي أنقرة ودمشق، سعيا لتحقيق مطالب الأكراد ضمن حدودهما.

وعلى مدى عقود، شكّلت المطالبة بإقامة دولة مستقلة قاسما مشتركا بين الأكراد في أربع دول هي تركيا وسوريا والعراق وإيران. وفي الدول الأربع، اصطدمت هذه المطالب برفض الحكومات المركزية، ما دفع القوى الكردية، في مراحل مختلفة، إلى التفاوض سعيا للحصول على حقوقها داخل دولها.

وكان من أبرز المنعطفات التي شهدتها القضية الكردية خلال آخر عامين، انتقال زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في تركيا، عبد الله أوجلان، من الحراك المسلح إلى الدفع باتجاه تسوية القضية عبر “السلام والديمقراطية”، في إطار المسار السياسي الذي دفعت أنقرة باتجاهه لسنوات.

وخاض حزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه واشنطن منظمة إرهابية، نزاعا مسلحا داميا مع الدولة التركية منذ عام 1984، مطالبا في بداياته بإقامة دولة كردية مستقلة، قبل أن يدخل الطرفان في مراحل متقطعة من محاولات التفاوض والسلام.

وفي فبراير 2025، وبعد مفاوضات مع أنقرة، دعا أوجلان من سجنه، حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء السلاح وحل نفسه، وقال إن “الحلول القائمة على النزعات القومية المتطرفة، مثل إنشاء دولة قومية منفصلة، أو الفيدرالية، أو الحكم الذاتي، أو الحلول الثقافية، لا تلبي متطلبات الحقوق الاجتماعية التاريخية للمجتمع.”

وشدد أوجلان على الحاجة إلى “مجتمع ديمقراطي”، وقال إنه سيعمل مع أنقرة ضمن ما سمي “مسار السلام والمجتمع الديمقراطي في تركيا.”

ووصلت تداعيات تحرك أوجلان إلى سوريا، لما يمتلكه حزب العمال الكردستاني من امتدادات في قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي كان يقودها مظلوم عبدي، وكانت تحمل راية المطالبة بإقليم منفصل أو حكم فيدرالي للأكراد في شمال شرقي سوريا.

وسار عبدي على خطى أوجلان، وأعلن في أغسطس الماضي حل “قسد” والإدارة الذاتية الكردية في شمال وشرق سوريا، وكافة المؤسسات والدوائر التابعة لها، ودمجها في مؤسسات الدولة السورية، تنفيذا لاتفاق مارس 2025 الذي توصلت إليه دمشق والإدارة الكردية. وأصبح عبدي لاحقا مستشارا في الرئاسة السورية.

لكن رغم ما شهدته تركيا وسوريا من انعطافات في مسار القضية الكردية، يرى باحثون وسياسيون أكراد تحدثوا لـ “الحرة” أن مطلب الاستقلال، بوصفه جزءا من الثقافة السياسية الكردية، لا يزال حاضرا لدى غالبية الأكراد.

وقال النائب الكردي السابق في مجلس النواب العراقي، سردار عبدالله، إن المستجدات في سوريا وتركيا “لن تنهي حلم الاستقلال ولن تمنعه”، واعتبرها “مراحل لتحقيق بعض حقوق الكرد العادلة، وقد تكون مقدمات تساعد للوصول إلى الاستقلال يوما ما.”

واعتبر عبدالله في تصريحات لـ”الحرة” أن تأسيس الدولة الكردية “لن يكون خاضعا لمصالح أحزاب وزعامات تتعامل معها وفق أوضاعها المرحلية.”

وفي العراق، كانت للأكراد محاولة لتهيئة واقع يمهّد لإقامة دولة مستقلة عبر صناديق الاقتراع.

حيث أجرى إقليم كردستان العراق في 25 سبتمبر 2017، استفتاء على الاستقلال، شمل محافظات الإقليم ومناطق متنازعا عليها كانت خاضعة لسيطرة القوات الكردية. وصوّت أكثر من 92 في المئة من المشاركين لصالح الاستقلال عن العراق، وكان هدف الإقليم من هذا التحرك بدء مفاوضات جدية مع بغداد حول تقرير المصير.

وواجه الاستفتاء معارضة وضغوطا دولية وإقليمية واسعة، وخاصة من أنقرة وطهران وبغداد، كما طالبت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا بتأجيل العملية خشية تأثيرها على مواجهة داعش، الذي تصنفه واشنطن جماعة إرهابية.

ولم تتوقف ردود الفعل عند معارضة الحكومة العراقية وإيران وتركيا للاستفتاء، إذ فرضت بغداد ضغوطا سياسية واقتصادية على إقليم كردستان، مع ضغوط إقليمية أيضا من طهران وأنقرة، شملت إغلاق المجال الجوي أمام الإقليم وفرض قيود على المعابر الحدودية.

وفي 16 أكتوبر 2017، شنت القوات العراقية عملية عسكرية استعادت خلالها السيطرة على كركوك وعدد من المناطق المتنازع عليها، التي كانت قوات البيشمركة قد سيطرت عليها منذ عام 2014.

وقال الناشط السياسي الكردي، جميل أحمدي لـ”الحرة” إن “حلم الدولة الكردية معلق في كردستان العراق منذ الاستفتاء تحت ضغط إقليمي ودولي.” واعتبر أن “الإرادة الشعبية الكردية هي التي ستقرر مصير القضية في النهاية.”

وبعد مرور 9 أعوام على الاستفتاء، مازال أكراد العراق يحافظون على علاقاتهم مع الحكومة المركزية في بغداد وفق النظام الفيدرالي الذي أقره الدستور العراقي عام 2005، لكن هذا النظام لم يتمكن حتى الآن من حسم عدد من الملفات العالقة بين الجانبين، ولا سيما إدارة الثروات الطبيعية، ووضع المناطق المتنازع عليها، والملفات المالية والإدارية.

ويختلف المستشار السابق للإدارة الكردية الذاتية في سوريا، مصطفى شيخ مسلم، مع أحمدي في التعويل على الإرادة الشعبية فقط في القضية الكردية، ويقول: “الإرادة الشعبية لا تكفي وحدها لإنشاء دولة جديدة، ما لم تتوافر إلى جانبها بيئة إقليمية مواتية، وغطاء أو قبول دولي، وموازين قوى تسمح بتحويلها إلى واقع سياسي.”

واعتبر أن تجربة استفتاء إقليم كردستان كانت “درسا سياسيا بالغ الأهمية يبين أن الإرادة الشعبية لوحدها غير كافية.”

في إيران، تقول قيادات كردية إيرانية تحدثت إلى “الحرة” إن الوضع مختلف، موضحة أن غالبية الأحزاب الكردية الإيرانية لا تزال متمسكة بموقفها القائم على أن “حل القضية الكردية لن يكون إلا بتأسيس دولة مستقلة”، وعلى هذا الأساس، وضعت برامجها وخططها للتنسيق مع قوى المعارضة الإيرانية الأخرى، تحسبا لأي تغيير محتمل في نظام الحكم في طهران.

ويقول خليل نادري، المتحدث باسم حزب الحرية الكردستاني، لـ”الحرة”، إن الأحزاب الكردية الإيرانية “أجمعت على موقف موحد يمنح الشعب الكردي حق تقرير مصيره بنفسه”، مضيفا أن شرطها لأي تحالف مع قوى إيرانية أخرى هو “اعتراف رسمي بهذا الحق”.

وفي فبراير الماضي، وقبل أسبوع من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلنت خمسة تنظيمات كردية إيرانية بارزة تشكيل تحالف سياسي عسكري هدفه “إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية.. والدفاع عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره.”

وواجه النظام الإيراني، منذ 1979 المساعي الكردية لإقامة كيان مستقل، بسياسة أمنية وعسكرية مشددة، تطورت لاحقا إلى استهداف قياداتها وملاحقة ناشطيها، وصولا إلى ضرب قواعد الأحزاب الكردية الإيرانية في غرب إيران وفي إقليم كردستان العراق.

وبقيت محاولات الأكراد لإقامة كيانات مستقلة في تركيا وسوريا والعراق وإيران بدون نجاح كامل، لتنتقل القضية الكردية إلى مرحلة مختلفة تقوم على تثبيت الحقوق وترسيخ المكاسب عبر توسيع الحضور الكردي بصفات رسمية ومؤسساتية.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة