واشنطن العاصمة 04:44 AM

بعد الضربات الإيرانية.. هل يعيد الأردن ضبط شراكته الأمنية مع واشنطن؟

أعاد استهداف مواقع تضم قوات أميركية فتح النقاش في المملكة بشأن طبيعة التعاون الدفاعي مع واشنطن، وكلفته الأمنية في ظل اتساع المواجهة مع إيران.

· 4 دقيقة قراءة
تُظهر صورة التقطها قمر صناعي وجود طائرات من طراز F-15E، وA-10 Thunderbolt، وC-130 Hercules في قاعدة موفق السلطي الجوية، بمدينة الأزرق في الأردن، بتاريخ 2 فبراير/شباط 2026. الصورة: PLANET LABS PBC/نشرة عبر رويترز، 2026. وقد زُوِّدت هذه الصورة من قبل طرف ثالث. ويُشترط نسبها إلى المصدر المذكور.

أعادت الضربات الإيرانية التي طالت مواقع تضم قوات أميركية في الأردن مؤخرا فتح نقاش سياسي وأمني داخل المملكة حول مستقبل الاستراتيجية الأمنية الأردنية، وحدود الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة.

ويعتمد الأردن على شراكة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة توفر له دعما عسكريا واستخباراتيا واقتصاديا مهما. لكن استهداف منشآت تستضيف قوات أميركية أثار تساؤلات بشأن كلفة هذه الشراكة، وقدرة عمّان على البقاء بعيدا عن المواجهة بين واشنطن وطهران.

يقول النائب السابق لرئيس الوزراء الأردني جواد العناني لـ”الحرة” إن الأردن “ليس طرفا في الحرب الدائرة مع إيران”، لكنه لا يستطيع في الوقت نفسه الابتعاد عن حلفائه والدول الداعمة له.

ويرى أستاذ القانون الدولي والباحث في العلاقات الدولية عامر فاخوري أن السياسة الأردنية تقوم على الحفاظ على التحالف مع واشنطن، مع التأكيد أن الأراضي الأردنية “ليست ساحة لشن الحروب على دول المنطقة”.

كلفة الوجود الأميركي

يستند التعاون العسكري بين عمّان وواشنطن إلى اتفاقية الدفاع الموقعة عام 2021، التي تسمح للقوات الأميركية باستخدام منشآت أردنية لأغراض التدريب والدعم اللوجستي والتمركز والعمليات المرتبطة بالتعاون الدفاعي.

وبحسب تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس صدر مطلع عام 2026، يستضيف الأردن نحو أربعة آلاف عسكري أميركي موزعين على عدد من المواقع.

ومن أبرز تلك المواقع قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق، التي تستخدم في العمليات الجوية والدعم اللوجستي، وموقع “تاور 22” قرب الحدود مع سوريا والعراق، حيث قتل ثلاثة جنود أميركيين في هجوم بطائرة مسيّرة في يناير 2024.

وتستخدم القوات الأميركية هذه المنشآت في أعمال المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب دعم عملياتها في سوريا والعراق والمنطقة.

لكن الهجمات الأخيرة دفعت منتقدي الوجود الأميركي إلى التساؤل عما إذا كانت هذه المنشآت تحمي الأردن أم تجعله هدفا في صراعات لا تخصه مباشرة.

ووقّعت مئات الشخصيات السياسية والأكاديمية والنقابية والعشائرية وثيقة تطالب بإلغاء اتفاقية التعاون الدفاعي أو تقييدها وإخراج القوات الأجنبية من البلاد.

وقال الخبير الأمني والاستراتيجي حسن أبو هنية لـ”الحرة” إن الاتفاقية كان يفترض أن توفر “مظلة حماية للمملكة”، لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن المنشآت الأميركية قد تجلب أيضا مخاطر أمنية جديدة.

ومع ذلك، استبعد أن تتجه عمّان إلى إنهاء الوجود الأميركي، نظرا إلى اعتماد الأردن على الدعم الذي تقدمه واشنطن، وتعقيدات البيئة المحيطة به، وطبيعة العلاقة التاريخية بين البلدين.

عمّان ترفض وصفها بـ”القواعد”

وترفض السلطات الأردنية وصف المنشآت التي تستخدمها القوات الأميركية بأنها قواعد تنتقص من سيادة المملكة. وقال عضو مجلس الأعيان عمر عياصرة لـ”الحرة” إن الوجود الأميركي يندرج ضمن تعاون أمني وعسكري معلن بين البلدين.

ويتفق هذا الموقف مع تصريحات سابقة لوزير الخارجية أيمن الصفدي، قال فيها إن تبرير إيران استهداف الأردن بوجود قواعد أميركية “باطل”، وإن القوات الأميركية تعمل بموجب اتفاقية دفاعية طويلة الأمد، فيما تبقى الأراضي والمنشآت خاضعة للسيادة الأردنية.

وقال عياصرة إن العلاقة بين البلدين تأسست على مواجهة تحديات مشتركة، من بينها الإرهاب وتنظيم داعش، ولا تقتصر على الوجود العسكري، بل تشمل شبكة من العلاقات السياسية والأمنية.

وأشار إلى أن الشراكة الأميركية تتيح للأردن العمل مع واشنطن في ملفات إقليمية، من بينها القضية الفلسطينية.

دعم يصعب الاستغناء عنه

لا يقتصر اعتماد الأردن على الولايات المتحدة على الجانب العسكري. فواشنطن واحدة من أكبر الجهات المانحة للمملكة، وتتراوح مساعداتها السنوية بين 1.5 و2.1 مليار دولار، وتشمل دعما اقتصاديا وتمويلا عسكريا.

ووقعت الدولتان حديثا اتفاقية مساعدات تمتد أربع سنوات، تقدم واشنطن بموجبها نحو 354.6 مليون دولار سنويا لدعم التجارة والاستثمار وتعزيز قدرات المؤسسات الحكومية.

وقال أبو هنية إن حجم هذه المساعدات يحد من الخيارات المتاحة أمام عمّان ويجعل إنهاء الشراكة قرارا بالغ الصعوبة.

وحذر العناني من الاستجابة للدعوات الشعبية لقطع العلاقات مع واشنطن، معتبرا أن الأردن يتبع “براغماتية سياسية” تقوم على الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، ولا سيما دول الخليج.

وقال إن التخلي عن هذه العلاقات تحت ضغط الشارع قد يفرض على الدولة كلفة لا تستطيع تحملها.

مراجعة لا قطيعة

برزت أهمية الأردن في الاستراتيجية العسكرية الأميركية مع تصاعد المواجهة مع إيران. ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أميركيين أن الجيش الأميركي نقل جزءا من قواته، قبل الحرب وأثناء بدايتها، من دول خليجية إلى مواقع في الأردن وإسرائيل، اعتبرها أكثر أمنا.

لكن استهداف مواقع داخل الأردن أظهر أن إعادة التموضع لم تعزل المملكة عن تداعيات الحرب.

ويرى فاخوري أن المسار الأكثر ترجيحا هو “إعادة ضبط” الشراكة الأمنية، لا إنهاؤها، عبر مراجعة انتشار القوات وطبيعة الأنشطة العسكرية المنفذة من الأراضي الأردنية.

ويقول إن القيادة الأردنية تنظر إلى التعاون مع الولايات المتحدة باعتباره جزءا من منظومة حماية الدولة، في ظل حدود المملكة الطويلة مع سوريا والعراق وما يرافقها من مخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهريب الأسلحة والمخدرات ونشاط الجماعات المسلحة.

ولا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية على أن عمّان تتجه إلى تغيير جذري في استراتيجيتها أو إنهاء الاتفاقية الدفاعية. والأرجح أن تراجع آليات التعاون مع واشنطن بهدف تقليل المخاطر، مع الاحتفاظ بالمزايا الأمنية والاقتصادية التي توفرها الشراكة.

وقال عياصرة إن الحرب الأميركية الإيرانية قد تدفع دولا أخرى في المنطقة إلى مراجعة علاقاتها العسكرية مع القوى الخارجية، لكنه أكد أن الأردن سيواصل نهجه القائم على خفض التصعيد والدفع نحو الحلول السياسية.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة