تثير سيطرة الحوثيين على باب المندب مخاوف في مصر من تراجع حركة العبور عبر قناة السويس، أحد المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي في البلاد، كما حدث قبل ثلاثة أعوام.
وأحكم الحوثيون، المدعومون من إيران، قبضتهم الأسبوع الماضي على منطقة باب المندب، بعد وصولهم إلى مديرية ذو باب بمحافظة تعز، وجزيرة بريم في قلب المضيق، إثر تقدم كبير على حساب القوات الموالية للحكومة اليمنية والمدعومة من السعودية.
ويربط مضيق باب المندب بين خليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة، والبحر الأحمر ثم قناة السويس وصولا إلى البحر المتوسط من جهة أخرى، أي أنه يشكل حلقة وصل بين آسيا وأوروبا، وأي تعطل فيه سيفاقم مشاكل التجارة العالمية.
وحسب إحصاءات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، يمر من قناة السويس نحو 12% إلى 15% من التجارة العالمية، و22% من تجارة الحاويات المنقولة بحرا. ويؤثر تحويل السفن لمسارها عن مضيق باب المندب، بشكل مباشر على قناة السويس.
وشن الحوثيون، الذي تصنفهم واشنطن جماعة إرهابية، في أواخر عام 2023 هجمات على حركة الشحن في باب المندب والبحر الأحمر، فيما اعتبروه حينها “دعما لغزة”، ما دفع العديد من الشركات إلى التخلي عن هذا المسار. وتزداد المخاوف من أن يكرر الحوثيون هجماتهم، رغم إعلانهم أن مسارات الملاحة ستكون “آمنة للجميع باستثناء السفن السعودية”، على حد تعبيرهم.
وحذر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، هذا الأسبوع، من تصعيد التوتر في باب المندب، لما قد يمثله من تهديد للملاحة في قناة السويس، وقال خلال إحاطة إعلامية إن اضطرابات الملاحة السابقة كبدت القناة خسائر بلغت نحو 11 مليار دولار.
وكانت إيرادات القناة قد بلغت نحو 8.76 مليار دولار عام 2023، وانخفضت إلى 3.62 مليار دولار عام 2025 بفعل تداعيات هجمات الحوثيين آنذاك.
وتراجعت حينها شحنات النفط عبر مضيق باب المندب من 9.3 مليون برميل يوميا، إلى 4.1 مليون برميل في 2024، حسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
وقال القبطان صالح حجازي، الخبير في شؤون النقل البحري الدولي، لـ”الحرة” إن عام 2024 كان الأسوأ بالنسبة لشركات الشحن العالمية بسبب تهديدات الحوثيين آنذاك في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ويشكل أمن الملاحة في باب المندب مصلحة مشتركة لمصر والسعودية.
والثلاثاء اتفق ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، على ضرورة ضمان حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، بعد لقائهما في القاهرة.
ويقول السفير المصري السابق في اليمن، أشرف عقل لـ”الحرة” إن مصر لديها مصلحة مباشرة للتهدئة في مضيق باب المندب، وعليها أن تدفع باتجاه هدنة بحرية تحمي حركة التجارة العالمية، والعمل على أن تقوم الأطراف اليمنية والسعودية بالتفاوض حول مسار سياسي يضمن وحدة اليمن واستقراره.
ولم يتوقف الحوثيون عن هجماتهم السابقة، حتى أطلقت الولايات المتحدة عملية عسكرية على مواقعهم في اليمن انتهت في يونيو 2025 بوقف إطلاق النار وبتعهد حوثي بالتوقف عن استهداف الملاحة.
وعادت أرقام الشحن عبر مضيق باب المندب للارتفاع في بدايات 2026، ووصلت إلى 7.4 مليون برميل يوميا خلال شهر يونيو الماضي، مقارنة بـ4.2 مليون برميل في الشهر نفسه عام 2025، وفقا لبيانات شركة كبلر، المتخصصة في رصد بيانات الشحن العالمي.
ومع تحسن الملاحة في البحر الأحمر، زاد مرور السفن في قناة السويس في يوليو الماضي بنسبة 27% مقارنة بشهر يوليو 2025، حسب بيان للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
وحسب تقارير شركة “Xeneta” المتخصصة في بيانات الشحن، فإن سيطرة الحوثيين على باب المندب خلال الأسابيع الأخيرة، أدت إلى انخفاض حركة عبور السفن في مضيق باب المندب بنحو 46% خلال الأيام الماضية.
ومع مخاطر الهجمات الحوثية، ترتفع أيضا تكلفة التأمين على السفن إلى أكثر من ثلاثة أضعاف مما كانت عليه، مع تزايد مخاطر تعرضها للقصف وغرق البضائع.
وعند تجنب سفن الشحن المتجهة من آسيا إلى أوروبا لمضيق باب المندب، فإنها تضطر إلى الدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب القارة الأفريقية، ما يعني زيادة من 10 إلى 15 يوما في زمن الرحلة وزيادة تكاليفها.
وبعد تغير خارطة السيطرة في اليمن، وصلت أسعار خام برنت يوم الأربعاء إلى 108 دولارات للبرميل للاقتراب من أعلى مستوى منذ مايو.
وقال القبطان البحري صالح حجازي لـ “الحرة” إن تقييم حرية حركة الملاحة بعد تمدد الحوثيين يحتاج إلى وقت، لمعرفة ما إذا كانوا سيضيفون سفنا أخرى إلى قائمة المنع.
وقال عقل إن وجود الحوثيين في مضيق باب المندب يؤثر بصورة مباشرة على الملاحة البحرية العالمية وقناة السويس والاقتصاد المصري. وأضاف أن أزمات الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الماضية، أكدت على حجم التداعيات الاقتصادية لأي اضطراب جديد.