اختار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، خلال اليومين الماضيين، مجموعة من القادة المخضرمين لتولي أبرز المناصب العسكرية والأمنية في البلاد، بينهم مسؤولون خدموا لعقود في الحرس الثوري وأجهزة الأمن في عهد والده.
وتملأ التعيينات مناصب شغرت بعد مقتل قادة كبار في الضربات الأميركية الإسرائيلية عند بداية الحرب في نهاية فبراير. لكنها تأتي أيضا في وقت تواجه فيه طهران قرارات حساسة بشأن الحرب مع الولايات المتحدة، وأزمة مضيق هرمز، والمفاوضات مع واشنطن، فضلا عن تحديات أمنية في الداخل.
وتكشف التعيينات عن الاتجاه الذي قد تسلكه طهران في إدارة ملف الحرب والتفاوض مع الولايات المتحدة، خاصة في ما يتعلق بإصرارها على السيطرة على مضيق هرمز في ظل الرفض الأميركي.
وبحسب البيانات الرسمية، أسند المرشد قيادة قوات “الباسيج”، وهي منظمة لـ”التعبئة”، إلى حسين طائب، وتم تعيين العميد أحمد وحيدي قائدا عاما للحرس الثوري الإيراني المصنف في واشنطن منظمة إرهابية أجنبية.
وينتمي وحيدي إلى الحرس الثوري منذ أيامه الأولى في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكان قائد فيلق القدس قبل قاسم سليماني حتى عام 1997. وشغل منصب وزير الدفاع الإيراني في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، من 2009 حتى 2013.
وفرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على وحيدي بسبب حملة القمع الدامية التي شنتها إيران على الاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء البلاد بعد مقتل مهسا أميني عام 2022.
ووجهت المحكمة العليا في الأرجنتين اتهامات رسمية إلى وحيدي على خلفية الهجوم الذي استهدف مركز الجالية اليهودية في بوينس آيرس عام 1994، وأصدرت الأرجنتين بحقه مذكرة توقيف عبر الإنتربول.
أما طائب، القائد القديم الجديد لـ”الباسيج”، فهو من غلاة المتشددين في الحرس الثوري الإيراني، وتولى بعض أكثر المناصب الأمنية حساسية في البلاد. قاد قوة الباسيج أول مرة، قبل أن يصبح أول رئيس لمنظمة استخبارات الحرس الثوري عام 2009، عقب الانتخابات الرئاسية المتنازع على نتائجها والاحتجاجات التي تلتها.
وارتبط طائب بشكل وثيق بحملة النظام لقمع المعارضة وحماية المؤسسة السياسية الحاكمة في إيران. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه بسبب دوره في انتهاكات حقوق الإنسان في سبتمبر 2010.
وشملت التعيينات الجديدة أيضا إسناد قيادة القوة البحرية التابعة للحرس الثوري إلى الأدميرال علي عظمائي، وهي القوة المسؤولة عن شن الهجمات على سفن الشحن في مضيق هرمز وخليج عمان.
وتم تعيين اللواء الطيار علي عبد اللهي رئيسا لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، فيما عُيّن العميد كيومرث حيدري نائبا لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة.
وعبد اللهي قائد عسكري إيراني مخضرم، أمضى مسيرة طويلة في الحرس الثوري الإيراني والمؤسسة الأمنية في البلاد. وتولى مناصب رفيعة، بينها قيادة فيلق القدس في محافظة غيلان، إضافة إلى مناصب عليا في القوات البرية للحرس الثوري. يقود عبد اللهي منذ عام 2025، مقر خاتم الأنبياء المركزي، وهو مركز القيادة الرئيسي في إيران المسؤول عن التخطيط للعمليات العسكرية الكبرى وتوجيهها.
وتسد هذه التعيينات الجديدة فراغا في مناصب حيوية شاغرة خلّفها مقتل قادة كبار القادة الأمنيين في الضربات الأميركية الإسرائيلية قبل نحو 6 أشهر.
ويوضح إيليا جزائري، الصحفي في راديو “صوت أوروبا الحرة”، في تصريحات لـ”الحرة” أن وحيدي كان يتولى بالفعل قيادة الحرس الثوري بعد اغتيال القائد السابق، محمد باكبور، في الغارات، وجاء الإعلان الأخير لتثبيته رسميا.
ويرى أن إعادة تعيين طائب قائدا لقوات الباسيج، بعدما تولاه من قبل خلال الحملة الدامية ضد احتجاجات عام 2009 يعكس رغبة النظام الإيراني في الاستمرار باستخدام هذا الجهاز في حملات القمع.
وهذه هي المرة الأولى التي يقوم بها خامنئي الابن بتعيينات رسمية للأجهزة العسكرية والأمنية الرئيسية في البلاد منذ خلافه والده الذي قتل في 28 فبراير بغارات أميركية إسرائيلية على طهران.
وتعكس الخطوة، حسب جزائري، الرغبة في تثبيت حكم مجتبى والتأكيد على أن المرحلة المقبلة بقيادته لن تختلف عن التوجهات والسياسة العامة لوالده، فمن كانوا أصحاب القرار من الناحية العسكرية والأمنية في مرحلة الأب هم من سيقودون المرحلة الجديدة.
وكان الحدث الأبرز قبل هذه التعيينات تكليف محسن رضائي أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلا للمرشد فيه.
وينتمي رضائي إلى جيل من قادة الحرس الذين خرجوا من التنظيمات الثورية السرية التي نشطت قبل سقوط الشاه عام 1979، ثم أصبح عدد منهم لاحقا من أبرز شخصيات المؤسسة الأمنية الإيرانية.
ويعد رضائي، المدرج على قوائم العقوبات الأميركية منذ عام 2019، صاحب أطول فترة قيادة للحرس الثوري، وقاد هذه القوة خلال الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، وترشح للرئاسة عدة مرات.
وتقدم تصريحات رضائي، دليلا على ما ستكون عليه سياسة طهران في المرحلة المقبلة، فقد تعهد بعدم تقديم تنازلات فيما يخص مضيق هرمز.
وقال رضائي، وفق ما نقلت عنه وكالات إيرانية، الثلاثاء، إنه قدم رسالة شكر إلى خامنئي أكد فيها أن إيران “لن تتراجع” وسوف تتخذ القرارات “بحزم أكبر من ذي قبل”.
الموقف ذاته أكده وحيدي أيضا الذي رفض التسوية مع الولايات المتحدة.
وتعكس هذه المواقف اختيار خامنئي للمواجهة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يسعى لانتزاع تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني وقضية مضيق هرمز.
ويقول بيتر همفري، وهو محلل شؤون دولية ودبلوماسي أميركي سابق، إن خامئني أو فريقه الذي يثق به يستعدان بالفعل لمواجهة ترامب، الذي يبدو أنه يقترب أكثر فأكثر من شن هجوم شامل مع استمرار رفض إيران لتقديم تنازلات وفرض شروط على الولايات المتحدة في مقابل فتح مضيق هرمز.
وهذا الهجوم لو حدث سيشمل عمليات تستهدف قادة الصف الأول في إيران، وتدمير البنية التحتية، وربما هجوما مفاجئا على جزيرة “خارك” النفطية ثم إنزال بري.
ورغم تشكيك همفري في مدى قدرة خامنئي على إدارة عملية إعادة هيكلة كبرى، فإن التعيينات الجديدة وضعت بالفعل أسماء لديها الخبرة وتتمتع بالثقة داخل النظام على قمة الأجهزة التي تدير البلاد.
وحسب همفري، فإن عودة هذه الشخصيات تعكس مدى حاجة النظام الحالي للحرس القديم الذي يتمتع بالخبرة الأمنية والقدرة القتالية العالية.
ومن المتوقع أن يؤثر هذا الوضع على ملف المفاوضات التي شهدت تأرجحا كبيرا بسبب الصراع بين القادة السياسيين والأجهزة الأمنية بشأن السياسة العامة للحرب.