لجأت شركة النفط السعودية العملاقة “أرامكو” إلى أسلوب بديل لإخراج النفط عبر مضيق هرمز، يتمثل في تحميله على ناقلاتها الخاصة، ثم تسليمه للمشترين خارج المضيق قبالة سواحل الفجيرة في دولة الإمارات.
ويعني ذلك التوصل إلى ترتيب بديل لنقل النفط وتسليمه خارج “منطقة الخطر” في هرمز، بحيث لا تضطر ناقلات المشترين إلى دخول الخليج، لكنه يظل عرضة للتغيرات المفاجئة ولا يمكن الاعتماد عليه كبديل كامل لطاقة النقل المعتادة.
وجاء الإعلان عن خطوة “أرامكو” بعد ساعات من تقرير لموقع “أكسيوس” قال إن البحرية الأميركية أنشأت سرا ممراً ملاحياً يسمح بالدخول إلى مضيق هرمز والخروج منه، بهدف نقل ملايين البراميل من النفط يوميا.
ونقلت “أكسيوس” عمن وصفتهما بمسؤولين أميركيين أن ما بين 15 إلى 20 ناقلة نفط نجحت في عبور المضيق يوميا، عبر ممر جنوبي يمتد بمحاذاة ساحل عُمان.
ولم يتضح على الفور إذا كانت الخطوة السعودية مرتبطة باستخدام الممر الأميركي.
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر من مرة أن مضيق هرمز مفتوح وأن إيران لا تسيطر عليه. كما قال، الأربعاء، إن هناك كميات هائلة من النفط تخرج من المضيق يوميا، لكنه لم يقدم مزيدا من التفاصيل.
وحسب تقرير لـ”رويترز” عن مصادر تجارية، الخميس، فقد حملت 3 ناقلات هي “ماليزيا بروسبيريتي” و”الجزائر بروسبيريتي” و”سنغافورة بروسبيريتي” مليوني برميل لكل منها من الجعيمة ورأس تنورة، على ساحل الخليج العربي، بعد توقف عمليات التحميل في الميناءين نحو 3 أسابيع.
ويقول مبارك الهاجري، الخبير في شؤون الطاقة والاقتصاد، إن ناقلات النفط السعودية عبرت المضيق بمساعدة وحماية من البحرية الأميركية، كما أن ناقلة غاز قطرية عبرت أيضا تحت الحماية نفسها.
ولم يتسن لـ”الحرة” التأكد من هذه المعلومات من مصدر مستقل، كما لم تعلن مصادر أخرى إذا كانت الناقلات السعودية الثلاث أغلقت أجهزة التتبع بها، أو استخدمت الأسلوب المعتاد أو تمتعت بحماية أميركية عبر “الممر السري”.
وتدعم بيانات “كبلر” إمكانية وجود حركة لا تظهر كاملة في أنظمة التتبع، وتقول الشركة المختصة ببيانات الشحن البحري إن بعض السفن قد تعبر من دون رصد، عند إغلاق أجهزة الإرسال.
ويقول عيد العيد، المستشار الاقتصادي السابق في الصندوق السعودي للتنمية، إن متتبعين لحركة الشحن تحدثوا عن عبور شحنات لا تظهر بالكامل في بيانات الملاحة، سواء بسبب عدم كشف بعض السفن عن مواقعها، أو لاستخدام سفن أصغر يصعب اكتشافها، خصوصا عند التحرك ليلا.
ويقدم الباحث في التخطيط الاستراتيجي، إبراهيم بن يوسف المالك، قراءة أخرى تركز على طريقة التسليم بأكثر من عملية العبور نفسها.
ويقول في تصريحات لـ”الحرة” إن الأدق أن السعودية لم تتجاوز هرمز بالكامل، وإنما تمكنت من إعادة ترتيب مسارات تسليم الخام حتى وصولها إلى المشتري النهائي.
وتظهر عودة التحميل من الموانئ السعودية داخل الخليج، بالتزامن مع ترتيب التسليم من ناقلة إلى أخرى قبالة الفجيرة قدرة سلسلة الإمداد السعودية على إعادة توجيه جزء من التدفقات عند تعرض إحدى حلقاتها للخطر.
لكنه ذلك ذلك لا يعني فقدان هرمز أهميته أو إمكانية نقل جميع الصادرات السعودية بالطرق البديلة.
وتملك الإمارات خطا بريا بديلا لنقل جزء من نفطها بعيدا عن مضيق هرمز. ويمتد الخط من حقول حبشان في أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على الساحل الشرقي المطل على بحر العرب.
بينما لا تحتاج عمان إلى هرمز لأن معظم حقول النفط ومحطات التصدير الرئيسية بها تقع على بحر عمان وبحر العرب، خارج المضيق.
لكن دولا خليحية أخرى قد لا تستطيع اقتفاء أثر الخطوة السعودية لأسباب عدة، إذ لا يقتصر الفارق بينها وبين السعودية على حجم إنتاج النفط فقط، وإنما أيضا على ملكية السفن، وشروط التسليم، وشبكات التجارة والتخزين، وإمكانية تحمل نسبة الخطر حتى تصبح الشحنة خارج المضيق.
وتظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية أرقاما لافتة بهذا الشأن. إذ عبر مضيق هرمز خلال عام 2025 نحو 19.87 مليون برميل نفط يوميا، منها 14.95 مليون برميل من الخام والمكثفات، و4.93 مليون برميل من المنتجات النفطية. واتجه نحو 80% من التدفقات النفطية إلى آسيا.
وكانت الكويت تصدر عبر المضيق 2.37 مليون برميل يوميا، موزعة بين 1.40 مليون برميل من الخام والمكثفات و970 ألف برميل من المنتجات.
لكن الكويت لا تملك خطا يصل بإنتاجها إلى البحر الأحمر أو بحر عمان، ما يجعل التخزين وخفض تشغيل الحقول والمصافي أبرز خياراتها عند تعطل حركة الناقلات.
وفي ذروة الأزمة الحالية هبط إنتاج الكويت إلى 640 ألف برميل يوميا في مايو 2026، مقابل مستوى مستهدف بلغ 2.61 مليون برميل يوميا.
وتكشف الأرقام أن تعثر التصدير بالنسبة لمنتج مثل الكويت لا يبقي النفط داخل الخزانات فقط، وإنما ينتقل أثره إلى إنتاج الحقول والمصافي نفسها عندما تضيق القدرة على التخزين.
كما لا يحل التخزين العائم المشكلة إذا كان تعطل الملاحة يمنع الناقلات من الوصول إلى الموانئ الكويتية.
وتواجه قطر مشكلة أكبر بسبب الغاز المسال. وفي عام 2025 صدرت قطر أكثر من 112 مليار متر مكعب، مر نحو 93% من صادراتها عبر هرمز.
وتوفر قطر نحو 20% من صادرات الغاز المسال العالمية، وتعتمد صادرات منشآت رأس لفان، أحد أكبر مجمعات إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، على عبور هرمز.
ويقول الاقتصادي العماني أحمد كشوب لـ”الحرة” إن النفط والمكثفات القطرية قد تنقل نظريا عبر خط جديد إلى السعودية أو الإمارات، لكن ذلك لا يحل معضلة الغاز المسال لأنه يحتاج إلى منشآت تسييل قبل تحميله على ناقلات متخصصة. وإذا تعذر خروج السفن من رأس لفان لا يمكن نقل الغاز المسال نفسه في خط أنابيب عادي.
وفي أغسطس بلغ متوسط تحميل الغاز القطري خلال 10 أيام نحو 80 ألف طن، وهو أعلى مستوى منذ شهر مارس، لكنه ظل أقل بنحو 60% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
أما البحرين فتستقبل معظم الخام اللازم لمصفاتها سترة عبر خط AB-4 من السعودية. ويبلغ طول الخط 118 كيلومترا، وتصل طاقته الاسمية إلى 400 ألف برميل يوميا، في حين تبلغ طاقته التشغيلية المعتادة نحو 350 ألف برميل.
ويتيح الخط استمرار وصول الخام السعودي إلى البحرين من دون استخدام ناقلات تعبر هرمز، لكن هذه الميزة تحمي وصول الإمدادات للمصفاة، ولا تضمن خروج منتجاتها إلى السوق الدولية.
وإذا تعطلت الملاحة وامتلأت الخزانات، فقد تضطر المصفاة إلى خفض التشغيل رغم استمرار وصول الخام.
ويرى الهاجري أن الخيارات الواقعية لهذه الدول تصبح أكثر ضيقا كلما طالت فترة التعطل، فطاقة التخزين لا تستمر إلى ما لا نهاية، واستخدام خطوط أنابيب دول مجاورة يواجه عقبات تتعلق بالقوانين وأنظمة الشركات والتأمين.
ولذلك يتوقع أن يكون خفض الإنتاج الخيار اللاحق إذا استمر تعطل سلاسل الإمداد.
وجاء استئناف الشحنات السعودية في وقت انخفضت فيه صادرات الخام الخليجية إلى نحو 9.2 مليون برميل يوميا منذ بداية أغسطس، مقارنة بنحو 12 مليونا في يوليو، ونحو 18 مليونا قبل الحرب.
ولا يعني تسليم الخام خارج هرمز بالضرورة خفض أسعار النفط، بل حماية استمرارية الإمدادات وتقليل احتمال حدوث نقص مفاجئ.
ورغم أن قدرة “أرامكو” على ضمان التسليم تمنحها أفضلية على منتجين لا يستطيعون تأمين الشحنات، فإن هذه الأفضلية قد لا تنعكس بصورة فورية على زيادة في حصتها السوقية.
غير أنها قد تساعد في الحفاظ على العملاء وتعزيز موثوقية الإمدادات وتحسين موقع الشركة في العقود المستقبلية.
لكن المالك يشدد على أن المرونة السعودية لها حدود، لأن سعة البدائل أقل من المسارات العادية. كما أنها ليست بلا تكلفة، وقد تبقى تكلفة المخاطر مرتفعة طالما استمرت التهديدات الأمنية، حتى مع بقاء إمدادات للنفط تصل إلى الأسواق.
ومع خطوة العبور عبر هرمز، يظهر خط شرق–غرب بوصفه صمام أمان ثانيا للسعودية.
وبات الخط الشريان الرئيسي للصادرات السعودية خلال الأزمة الحالية، بطاقة تبلغ 7 ملايين برميل يوميا، يخصص منها نحو 5 ملايين للتصدير.
ويمنح ميناء ينبع ومرافقه، إلى جانب قدرات شركة “البحري” السعودية، التي تعد من أكبر مالكي ومشغلي ناقلات النفط العملاقة، المملكة مساحة حركة لا تتوفر بالدرجة نفسها لدى منتجين آخرين.
لكن نقل النفط إلى البحر الأحمر لا يلغي المخاطر، بل ينقل جزءا منها إلى مسار آخر، فقد هددت جماعة الحوثي المدرجة على لوائح الإرهاب الأميركية السفن التي تستخدم الموانئ السعودية. وغيرت ناقلات محملة بالنفط المتجه إلى الصين والهند مساراتها بعيدا عن باب المندب.