في الرابعة فجرا، كان جليل يقف في طابور أمام محطة وقود في مشهد. وبعد عشر ساعات من الانتظار، أُغلقت المحطة من دون أن يحصل على البنزين. وفي طهران، باع حشمت آخر قطعة ذهب تملكها زوجته ليشتري الطعام والدواء لعائلته.
تختصر القصتان جانبا من أزمة المعيشة الحالية في إيران مع نقص الوقود وارتفاع أسعار الغذاء والدواء وتراجع قيمة العملة.
وتأتي الضغوط الجديدة فيما يعاني الاقتصاد أصلا من تداعيات الحرب والحصار على الموانئ وتراجع عائدات النفط، قبل أن تضيف الولايات المتحدة هذا الأسبوع حملة عقوبات جديدة تستهدف ما تبقى من قنوات إيران المالية والتجارية.
وتحدث إيرانيون من مدن مختلفة تواصلت معهم”الحرة” عن ارتفاع حاد في أسعار السلع الغذائية والاحتياجات اليومية، إلى جانب صعوبة الحصول على الوقود.
وأشار بعضهم إلى زيادات كبيرة في أسعار زيوت الطعام والأدوية واللحوم والأجهزة المنزلية، من دون أن يتسن لـ”الحرة” التحقق من مستوى ارتفاع الأسعار من مصادر مستقلة، فيما لا تنشر السلطات الإيرانية بيانات دورية تتيح قياس حجم الزيادة الحالية بدقة.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية أعلنت، الاثنين، سلسلة من العقوبات الجديدة استهدفت كيانات وأشخاصا في إيران، بالإضافة إلى شبكة دولية من الوسطاء والشركات حول العالم.
وقالت الوزارة في بيانها إنها تشن “هجوما اقتصاديا كاسحا” يستهدف الروابط المالية لإيران بهدف قطع كل شريان اقتصادي يُبقي النظام الإيراني قائما.
وعقب إعلان العقوبات، أظهرت مقاطع مصورة طوابير انتظار طويلة في محطات الوقود بمناطق مختلفة في أنحاء البلاد.
ويقول جليل، إيراني من مدينة مشهد، لـ”الحرة” إنه انتظر في طابور طويل منذ الرابعة فجرا للحصول على 20 لترا من البنزين.
وبعدما انتظر 10 ساعات أغلقت المحطة أبوابها، قبل أن يعلن الحارس نفاد الوقود، ويطلب منه العودة باليوم التالي، أو التوجه إلى محطات أخرى.
وقال نائب الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه، الخميس، إن الحصار المفروض على موانئ إيران يحول دون استيراد الوقود، بينما لا يكفي الإنتاج المحلي لتلبية الاحتياجات.
وكشف رئيس منظمة تحسين الإنتاج الحكومية، ثاقب أصفهاني، في وقت سابق، أن استهلاك البنزين اليومي يبلغ حوالي 135 مليون لتر، فيما يبلغ الإنتاج 112 مليونا.
ويعني ذلك عجزا يوميا بنحو 13 مليون لتر، كانت السلطات تعمل على تعويضه بالاستيراد من الخارج، أو السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية.
وتؤكد السلطات الإيرانية منذ بداية الحرب في أواخر فبراير إغلاق مضيق هرمز، بينما تربط إعادة فتحه بشروط محددة.
وردا على ذلك، فرضت الولايات المتحدة حصارا على الموانئ الإيرانية.
ويقول حشمت، وهو موظف إيراني، 65 عاما، يعيش في طهران، إن راتبه الشهري البالغ 17 مليون تومان، أي ما يعادل 86 دولارا، لم يعد يتناسب مع ما تشهده السوق من تضخم في الأسعار.
وأضاف أنه اضطر إلى بيع آخر قطعة ذهب كانت زوجته تحتفظ بها بعد نفاد مدخراتهما خلال الأشهر الماضية، حتى يتمكن من توفير القوت لعائلته المكونة من 4 أفراد.
“بعت قطعة الذهب بنحو 40 مليون تومان (200 دولار)، واشتريت مواد غذائية لعائلتي لا تحتوي على لحوم، فقط خضراوات بكميات قليلة، وعبوة صغيرة من زيت الطعام وربطة خبز وأرز. كلفتني أكثر من مليوني تومان، وهي تكفي ليومين فقط”.
والتومان وحدة حسابية غير رسمية يستخدمها الإيرانيون في تعاملاتهم اليومية. ويساوي التومان 10 ريالات إيرانية.
ومع إعلان عملية “العزل الاقتصادي”، الاثنين، قفز سعر الدولار الواحد ليصل الى 200 ألف تومان.
وبعدما تمكن حشمت أخيرا من شراء بنزين للسيارة وبعض الأدوية. بلغ إجمالي ما صرفه 10 ملايين تومان أي 50 دولارا، وهو “مبلغ كبير جدا”، بحسب ما يقول لـ”الحرة”.
وكانت السلطات في إيران رفعت الحد الأدنى للأجور بنحو 60 بالمئة هذا العام، لكن استمرار انخفاض قيمة الريال أدى إلى تآكل القوة الشرائية. وانخفضت قيمة الحد الأدنى للأجور بالدولار من حوالي 105 دولارات إلى 85 منذ أواخر مارس.
وتمتد الأزمة إلى فقدان العديد من الإيرانيين لوظائفهم.
وتقول صديقة، أرملة من مدينة بوكان في كردستان إيران، إن زوجها توفي العام الماضي. وكانت تعيل أسرتها المكونة من 5 افراد حتى يوليو الماضي حين فقدت عملها بإحدى ورش صناعة الجلود بعدما أفلست الورشة وأغلقت أبوابها.
وتوضح لـ”الحرة” إنها اضطرت للانتقال مع أطفالها إلى بيت شقيقها، حيث لا يكفي أجره البالغ نحو 83 دولارا لإعالة أسرتين.
ويقول فرزين كرباسي، وهو ناشط إيراني يقيم في كردستان العراق، إن الاقتصاد الإيراني يشهد منذ أشهر انهيارا كاملا، لافتا الى أن طهران فقدت غالبية صناعاتها المحلية، خاصة الحديد والصلب التي كانت تعتمد عليها كأحد مصادر دعم اقتصادها المحلي.
ويهدد الحصار الأميركي البحري لإيران بمحو نحو 435 مليون دولار من النشاط الاقتصادي اليومي، وقد يؤدي إلى توقف حقول النفط خلال أسابيع، حسب تقرير لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.
ويلفت كرباسي في تصريحات لـ”الحرة” أن السلطات الإيرانية تخشى حاليا اندلاع انتفاضات تتزامن مع الضغوط المتزايدة، ولذلك فقد بدأت تستعد لمواجهة أي احتجاجات بتشديد القيود الأمنية والرقابة، ونشر عناصرها في الشوارع.
وحسب “وول ستريت جورنال” تشهد أنحاء في إيران حاليا تظاهرات تنظمها نقابات عمالية. ويتجمع عمال نفط ومتقاعدون ومعلمون للتعبير عن شكواهم من تدهور قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة.
وكانت تلك المظاهرات قد اختفت تقريبا خلال فترة الحرب.
واندلعت احتجاجات عارمة في إيران، مطلع العام الحالي بسبب التضخم الهائل، وواجهتها السلطات بحملة قمع عنيفة أسفرت عن آلاف القتلى والمعتقلين.
ويقول حسين داعي الإسلام، وهو ناشط إيراني معارض مقيم في أوروبا لـ”الحرة” إن كل تراجع جديد في قيمة العملة ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، من خلال ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والسكن.
ورغم أن إيران تمكنت خلال السنوات الماضية من بناء اقتصاد مواز وشبكات تهريب للالتفاف على العقوبات، يرى كرباسي أن المأزق الاقتصادي الحالي بلغ مرحلة حرجة، خاصة بعد الإعلان عن إجراءات العزل الاقتصادي الأميركية الأخيرة.
وتستهدف واشنطن حسب إعلان الخزانة الأميركية “الأسطول الخفي/ الموازي” لإيران وشبكات تهريب النفط، بما في ذلك الوسطاء وشركات الشحن والوسطاء الماليين والسفن التي تنقل النفط الخام والمنتجات النفطية الإيرانية.
وتعول طهران، وفق وسائل اعلامها الرسمية، على الصين وروسيا لمواجهة العقوبات الأخيرة.
ولفت وزير الاقتصاد الإيراني، علي مدني زادة، إلى أن الصين وروسيا لم تقبلا الإجراءات الأميركية، كما توقع أن تقاومها دول أخرى، دون أن يسميها.
ويرى داعي الإسلام أن طهران ستواصل استخدام شبكات التهريب والشركات الواجهة والوسطاء ووسائل الدفع البديلة للالتفاف على العقوبات، لكن توسيع العقوبات الثانوية يجعل هذه المسارات أكثر كلفة ومخاطرة حتى بالنسبة إلى شركائها التقليديين.