واشنطن العاصمة 02:17 PM
رسالة خامنئي التي كشفت ما تخشاه طهران

ماغازين · أغسطس 2026

رسالة خامنئي التي كشفت ما تخشاه طهران

رسالة خامنئي تشير إلى قلق متزايد في طهران: قد تدور المعركة المقبلة داخل إيران نفسها.

عبدالعزيز الخميس

عبد العزيز الخميس كاتب ومحلل استراتيجي متخصص في شؤون الخليج والشرق الأوسط وعلاقات القوى الإقليمية.

· 6 دقيقة قراءة

هناك عبارة في رسالة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي الأخيرة تستحق التوقف عندها أكثر من كل حديثه عن الدولار والاستثمار والإنتاج المحلي. يقول خامنئي، بمعنى واضح، إن نقاط ضعف البلاد لا ينبغي إبرازها، لأن الحديث عنها قد يرفع معنويات العدو ويقلق الأصدقاء. وهذه العبارة ربما تكون المفتاح الحقيقي لفهم الرسالة كلها: فعندما تصبح المشكلة في دولة ما ليست فقط في وجود نقاط الضعف، وإنما في الحديث عنها، فنحن لا نكون أمام خطة لمعالجة الأزمة بقدر ما نكون أمام محاولة لإدارة صورتها. ولذلك لا ينبغي قراءة رسالة خامنئي باعتبارها خطاباً اقتصادياً تقليدياً؛ إنها في جوهرها خطاب سياسي لإدارة إيران بعد ستة أشهر من الحرب، ولمنع انتقال المعركة من الخارج إلى الداخل.

خامنئي يعرف أن الصواريخ ليست وحدها ما يمكن أن يهدد الجمهورية الإسلامية. هناك عدو آخر أكثر تعقيداً: التضخم والبطالة وارتفاع الأسعار وتراجع التجارة والاستثمار، وفوق ذلك كله شعور الإيراني العادي بأن الحرب قد تتحول من حالة استثنائية إلى واقع دائم. لهذا تتكرر في الرسالة مفردات التماسك والانسجام الاجتماعي ومحاربة اليأس وعدم تضخيم نقاط الضعف. المرشد لا يتحدث هنا فقط إلى حكومة مسعود بزشكيان، بل إلى مجتمع أنهكته سنوات العقوبات ثم جاءت الحرب لتضيف إليها حصاراً وضغوطاً أكبر. وإذا كانت هناك رسالة واحدة يريد إيصالها فهي أن الجبهة الداخلية أصبحت جزءاً من ميدان المعركة، وربما الجزء الأكثر حساسية فيه.

وهنا تظهر إحدى نقاط قوة الخطاب. خامنئي لا يتصرف كزعيم يريد فتح حرب داخل النظام في الوقت الذي يخوض فيه حرباً خارجه. لقد منح بزشكيان غطاءً سياسياً واضحاً، وأشاد بصدقه وإخلاصه وأداء حكومته. الرسالة الموجهة إلى المحافظين والمتشددين تبدو واضحة: ليست هذه اللحظة المناسبة لتحويل الحكومة إلى خصم. وفي الوقت نفسه لم يغلق خامنئي باب التفاوض مع الولايات المتحدة، بل رفض أساساً الثنائية التي تقول إن أمام إيران خيارين فقط: الحرب أو المفاوضات. وهذه صياغة ذكية سياسياً؛ فالمتشدد يستطيع تفسيرها باعتبارها رفضاً للخضوع لواشنطن، والبراغماتي يستطيع قراءتها باعتبارها إبقاءً لباب التفاوض مفتوحاً. يحتفظ المرشد بذلك بمساحة واسعة للمناورة من دون أن يقدم تنازلاً مسبقاً لأي من المعسكرين.

لكن هذه القوة التكتيكية تكشف في الوقت نفسه ضعفاً استراتيجياً. فإذا كانت ثنائية «الحرب أو المفاوضات» زائفة كما يقول خامنئي، فما الخيار الثالث؟ هل تريد طهران هدنة بشروط معينة؟ هل تريد مواصلة الحرب حتى تحسين موقعها التفاوضي؟ هل تريد اتفاقاً جزئياً مع الولايات المتحدة؟ وما الذي تستطيع تقديمه في مقابل رفع الحصار والعقوبات؟ الخطاب لا يجيب. يستطيع المرشد أن يقول للإيرانيين إن عليهم ألا يختاروا بين الاستسلام والحرب الدائمة، لكن عليه في النهاية أن يخبرهم أين يقع الطريق الآخر. وهنا يبدو أن الرسالة تقدم للنظام تكتيكاً جيداً للبقاء، لكنها لا تقدم لإيران استراتيجية واضحة للخروج من الأزمة.

المشكلة نفسها تظهر بصورة أكثر وضوحاً عندما ينتقل خامنئي إلى الاقتصاد. فهو يدعو إلى زيادة الإنتاج المحلي والاستثمار، وضبط الاستيراد، والاستفادة من التكنولوجيا، وتقليص الاعتماد على الدولار والعودة إلى مبادئ «اقتصاد المقاومة». لكن الإيرانيين سمعوا معظم هذه الوصفة من قبل. السؤال ليس ما إذا كان الإنتاج المحلي أمراً جيداً أو ما إذا كان من المفيد تقليل الاعتماد على الدولار؛ السؤال هو لماذا ستنجح هذه السياسة الآن إذا لم تكن كافية خلال السنوات السابقة؟ إيران لا تعاني لأن شركاتها تستخدم الدولار أكثر مما ينبغي فقط، بل لأنها معزولة عن أجزاء واسعة من النظام المالي العالمي، ولأن العقوبات والحرب والحصار تجعل الاستثمار أكثر خطورة، والتجارة أكثر تكلفة، والحصول على التكنولوجيا ورأس المال أكثر صعوبة. تستطيع طهران أن تستخدم اليوان أو الروبل أو المقايضة في بعض تجارتها، لكنها بذلك تعالج طريقة الالتفاف على العزلة ولا تعالج العزلة نفسها.

وهذه ربما هي المشكلة الاقتصادية الأكبر في الرسالة: خامنئي يطالب بزيادة الاستثمار من دون أن يقدم حلاً للمشكلة السياسية التي تمنع الاستثمار. المستثمر لا يحتاج إلى خطاب يدعوه إلى ضخ الأموال بقدر ما يحتاج إلى بيئة يستطيع فيها حساب المخاطر وتحويل الأرباح والحصول على التمويل والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق. وإذا كانت إيران تريد استثمارات حقيقية على النطاق الذي يستطيع تغيير اقتصادها، فلا يمكن فصل هذا الهدف عن علاقتها بالاقتصاد العالمي، ولا يمكن فصل تلك العلاقة بدورها عن الحرب والعقوبات وعلاقتها بالولايات المتحدة. هنا تصطدم «اقتصاديات المقاومة» بحدودها الطبيعية: تستطيع مساعدة الدولة على البقاء تحت الضغط، لكنها لم تثبت حتى الآن أنها تستطيع إنتاج اقتصاد مزدهر تحت ضغط دائم.

أما الجزء الأكثر حساسية سياسياً فهو دعوة خامنئي إلى عدم إبراز نقاط الضعف، وتحذيره من أن الحديث عنها قد يساعد العدو. قد تبدو هذه العبارة طبيعية داخل غرفة عمليات عسكرية، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تتحول إلى قاعدة لإدارة دولة. فمن الذي يقرر أين ينتهي النقد ويبدأ دعم العدو؟ إذا قال اقتصادي إن التضخم خرج عن السيطرة، فهل يكشف نقطة ضعف؟ وإذا قال مسؤول إن الحصار يؤذي صادرات النفط، فهل يرفع معنويات الخصم؟ وإذا طالب سياسي بالتفاوض لإنهاء الحرب، فهل يهدد الانسجام الاجتماعي؟ وإذا خرج المواطن محتجاً على الأسعار، فهل يمارس حقاً سياسياً أم يضر بالتماسك الوطني؟ المشكلة في مفهوم «الانسجام الاجتماعي» أنه يستطيع أن يعني التضامن الوطني الضروري في زمن الحرب، لكنه يستطيع أيضاً أن يتحول إلى مفهوم أمني فضفاض يضع حدوداً لما يجوز قوله عن الحرب والاقتصاد وأداء الدولة. وعندها لا يصبح المطلوب من الإيراني أن يصمد فقط، وإنما أن يصمت أيضاً.

لهذا ربما يكون من المفيد قراءة خطاب خامنئي بطريقة معكوسة: عندما تتحدث القيادة كثيراً عن القوة، ابحث عن الضعف الذي يقلقها؛ وعندما تتحدث كثيراً عن الوحدة، ابحث عن الانقسام الذي تخشاه؛ وعندما تحذر من نشر اليأس، اسأل عن مقدار اليأس الموجود بالفعل. فالخطاب، على الرغم من لغته الواثقة، يبدو دفاعياً أكثر مما يبدو انتصارياً. لو كانت القيادة مطمئنة تماماً إلى وضعها الداخلي، لكان المتوقع أن تتحدث أكثر عن شروط النصر وعن شكل النظام الإقليمي بعد الحرب. لكن عندما تحتل الأسعار والتضخم والبطالة والاستثمار والتماسك الاجتماعي واليأس وعدم إظهار الضعف هذه المساحة من رسالة المرشد، فإن ذلك يخبرنا شيئاً مهماً: طهران تعتقد أن المعركة المقبلة لن تدور فقط في الخليج أو حول المنشآت النووية أو على طاولة المفاوضات، بل داخل المجتمع الإيراني نفسه.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ أن يستنتج خصوم إيران من ذلك أن الجمهورية الإسلامية على وشك السقوط. إيران تحملت ستة أشهر من الحرب، وبقيت مؤسسات الدولة تعمل، ولم يتحول التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي تلقائياً إلى نتيجة سياسية حاسمة. وهذه نقطة قوة لا ينبغي الاستهانة بها. لقد أثبت النظام مرة أخرى أن قدرته على تحمل الألم أكبر مما يتوقع خصومه في كثير من الأحيان. لكن هناك فارقاً كبيراً بين قدرة النظام على تحمل الألم وقدرته على إقناع شعبه بأن هذا الألم يقوده إلى مكان أفضل. البقاء ليس انتصاراً، والصمود ليس استراتيجية اقتصادية، وتحمل العقوبات ليس بديلاً عن التنمية.

وهذه هي المعضلة التي يواجهها مجتبى خامنئي في بداية عهده. إنه يريد أن يقول للإيرانيين إن دولتهم قوية، وإن اقتصادهم قادر على الصمود، وإن أمامهم خيارات تتجاوز الاستسلام أو الحرب، لكنه في الوقت نفسه يطلب منهم ألا يبالغوا في الحديث عن نقاط الضعف. وقد تنجح هذه المعادلة في شراء الوقت للنظام، لكنها لن تحل المشكلة الأساسية. فالدول لا تصبح أقوى عندما تتوقف عن الحديث عن ضعفها، بل عندما تستطيع النظر إليه وتسميته باسمه ثم تغيير السياسات التي أنتجته. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لخامنئي لن يكون قدرته على منع الإيرانيين من القول إن بلادهم تعيش أزمة، وإنما قدرته على إعطائهم سبباً يجعلهم يتوقفون عن الشعور بأنهم يعيشون واحدة.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة