في وقت سابق من هذا الشهر، أقدمت الولايات المتحدة على خطوة كان من المستحيل تصورها قبل بضع سنوات، إذ شطبت سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وجاء هذا القرار، إلى جانب خطوات سابقة لرفع العقوبات، في إطار مسعى “لتعزيز التعافي الاقتصادي لسوريا وإعادة دمجها في الاقتصاد العالمي”. وليس ثمة ما يعبّر بصورة أوضح من هذه الخطوة عن اهتمام الإدارة الحقيقي بمساعدة سوريا على التحول إلى دولة مستقرة وذات سيادة.
تريد واشنطن من سوريا تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ومعالجة ملف الإرهابيين الأجانب الموجودين على أراضيها، ومنع تنظيم داعش من استعادة نشاطه، وتولي مسؤولية مراكز احتجاز عناصر التنظيم المنتشرة في شمال شرق البلاد في نهاية المطاف.
وقد لخّص السفير جيمس جيفري، الذي نسّق سياسة وزارة الخارجية إزاء الحرب الأهلية السورية، التصور الذي تتبناه واشنطن: سوريا “مستقلة وقوية اقتصاديا، تراعي جميع مكوناتها العرقية والدينية المتنوعة، وتنشط في مواجهة داعش وإيران ووكلائها، وتستطيع في نهاية المطاف تحمل مسؤولية أمنها بنفسها”.
وكان شطب سوريا من القائمة وتخفيف العقوبات أول خطوتين ملموستين نحو تحقيق هذا التصور؛ فمثل هذه المبادرات لا تكون منطقية إلا إذا كان الهدف الحقيقي هو إقامة دولة سورية أقوى وأكثر اعتمادا على نفسها.
لكن شطب سوريا من القائمة جاء بعد أسبوع واحد فقط من إظهار واشنطن مدى ضآلة ما هي مستعدة لفعله من أجل حماية هذا التصور. ففي 18 أغسطس، قصفت طائرات إسرائيلية قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب شمال غربي البلاد. وقالت إسرائيل إن الغارة استهدفت منع تركيا من إقامة وجود لها هناك، وأصرّ مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن إسرائيل حذّرت دمشق مرارا من أن أي انتشار تركي سيتجاوز خطا أمنيا أحمر متفقا عليه.
ونفت تركيا وجود أي قوات لها في الموقع، فيما وصف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني زيارة الوفد العسكري التركي إلى القاعدة الجوية بأنها تأتي في إطار تعاون تدريبي اعتيادي، وليست بداية لإنشاء قاعدة عسكرية.
وقوبلت الغارة بصمت في واشنطن، باستثناء توم باراك، السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، الذي انتقد علنا الغارة نفسها، وكذلك عدم تنسيق إسرائيل مسبقا مع أنقرة، واصفا ما حدث بأنه تصعيد لا داعي له. وعندما سُئل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الحادثة، لم يُدن إسرائيل، كما أنه، في موقف لافت، لم يتدخل للدفاع عن مبعوثه الخاص أيضا.
إسرائيل تصطدم بتركيا
يرى الدكتور جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، أن جهود واشنطن لمنع الاحتكاك تُفهم على نحو أدق باعتبارها محاولة لاحتواء الأضرار، لا دليلا على وجود آلية فعالة لإدارة المنافسة الإسرائيلية-التركية داخل سوريا. فواشنطن تريد لسوريا أن تصبح أكثر قدرة وسيادة، لكن تركيا تريد الاضطلاع بدور رئيسي في أمنها، فيما ترى إسرائيل أن بعض جوانب هذا الدور التركي تشكل تهديدا لها.
ويشير لانديس إلى أن المشكلة تتجاوز سوريا نفسها. فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان عازم على توسيع نفوذ تركيا الإقليمي، بينما تزداد إسرائيل إصرارا على منع ذلك تحديدا. ويرى لانديس أن بعض السياسيين الإسرائيليين باتوا ينظرون إلى تركيا على نحو متزايد باعتبارها “إيران جديدة”، أي دولة معادية لإسرائيل بطبيعتها، أو ربما تهديدا استراتيجيا أشد خطورة بسبب قدراتها العسكرية وعلاقاتها مع الغرب وعضويتها في حلف شمال الأطلسي. ويلاحظ أن ضعف سوريا يجعلها عرضة بصورة خاصة للتحول إلى ساحة لهذا التنافس.
وقد أثبتت إسرائيل استعدادها لتنفيذ عمليات عسكرية في سوريا، بينما تحتفظ تركيا بوجود قوي في الشمال. ويقول لانديس إن ذلك قد يؤدي إلى اندلاع مواجهات متكررة في كلا الجزأين من البلاد، ما يحول سوريا إلى ساحة جغرافية يتنافس فيها شريكان للولايات المتحدة على النفوذ. ونتيجة لذلك، لا تكتفي واشنطن بإدارة مصالحها الخاصة في سوريا، بل تتوسط أيضا بين اثنين من شركائها الإقليميين.
لكن إذا اقتصر رد واشنطن في كل مواجهة على احتواء تداعياتها بعد وقوعها، فلن تتيح الحوادث المستقبلية فرصة تُذكر لحل الخلاف الجوهري حول البنية الأمنية في سوريا. ويرى لانديس أن هذا يندرج ضمن نمط أوسع لا يقتصر على سوريا؛ فقد أظهرت إسرائيل أنها تريد الاحتفاظ بحرية ضرب أعدائها في غزة أو لبنان أو سوريا أو إيران، وبدلا من كبح هذا السلوك، انضم ترامب إليها إلى حد ما. ولا يتوقع لانديس أن يتغير هذا النمط في سوريا.
أهداف بلا استراتيجية
تريد واشنطن من دمشق بسط سيطرتها على أراضيها، وتأمين حدودها، وتحمل قدر أكبر من المسؤولية عن أمنها. غير أن ذلك يقتضي بالضرورة منح الحكومة السورية قدرة أكبر على اتخاذ قراراتها بنفسها.
ويلاحظ لانديس أن المشكلة الأعمق تكمن في استمرار ضعف سوريا، مقابل استمرار التفوق العسكري الإسرائيلي. ويمنح هذا الاختلال إسرائيل هامشا واسعا للتحرك داخل سوريا. كما أوضحت إسرائيل أنها لا تريد لسوريا إعادة بناء جيش قادر على تغيير هذا التوازن، وهي تصر على وضع خطوط حمراء تحدّ من المساعدة التركية في إعادة بناء الجيش السوري. ويشير لانديس إلى أن ذلك يخلق تناقضا جوهريا مع هدف واشنطن المعلن المتمثل في إقامة سوريا أقوى وأكثر استقلالا. وتتطلع دمشق وأنقرة إلى واشنطن لكبح إسرائيل، لكن رد الأخيرة اقتصر حتى الآن على الدعوة إلى ضبط النفس والدبلوماسية وخفض التصعيد.
إذا كانت واشنطن تريد لسوريا أن تصبح دولة ذات سيادة، فسيتعين عليها في نهاية المطاف أن تقرر ما إذا كانت هذه السيادة تشمل القدرة على إعادة بناء الجيش، والحصول على مساعدة أمنية من تركيا، واتخاذ قرارات لا توافق عليها إسرائيل. وإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن واشنطن لا تسعى في الحقيقة إلى تحقيق سيادة سورية كاملة، بل إلى إقامة سوريا تظل سيادتها مقيدة بالتفضيلات الأمنية لجيرانها الأقوى.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).