ينظر أناند غوبال إلى المستقبل بتفاؤل حذر، فقد شهدت سوريا الكثير من التطورات منذ أنهى عمله في كتاب أيام الحب والغضب (Days of Love and Rage)، وهو سرد واقعي موسع يوثّق الجهود الاستثنائية التي بذلتها مدينة سورية لمقاومة حكم بشار الأسد.
يتناول الكتاب، الذي صدر في مارس الماضي، الحياة السياسية والاجتماعية في مدينة منبج منذ وصل الأسد إلى السلطة عام 2000 وحتى انهيار نظامه في ديسمبر 2024، مع تركيز على التطورات بين عامي 2011 و2016، في ذروة الحرب الأهلية السورية.
من المدينة الواقعة في شمال سوريا، يقدّم غوبال، وهو كاتب مساهم في مجلة نيويوركر، للقارئ مدخلًا إلى تاريخ سوريا الحديث. ويمنح التطور اللافت المتمثل في سقوط الأسد العمل إحساسًا باكتمال الحكاية، لكنه يفتح الباب أيضا أمام أسئلة لا حصر لها بشأن مصير البلاد في ظل رئاسة أحمد الشرع.
يقول غوبال من منزله في مدينة نيويورك: “[الناس] متفائلون، ويقولون إن هذه ليست الحكومة التي نريدها”.
ورغم أنه انتقل الآن إلى مشروعات كتابة أخرى وغادر منبج، حيث أمضى على مدى سنوات فترات بين مجتمع المعارضين والسكان، فإنه لا يزال يتابع أحوالهم مع تغير الظروف السياسية.
ويضيف: “أعتقد أن انخراط الناس في السياسة أكثر ما يلفت الانتباه في منبج اليوم، سواء من خلال النقاشات، أو الأحزاب السياسية، أو المشاركة في الاحتجاجات، وهذا، قبل أي شيء آخر، ما كان محظورًا خلال 50 عامًا من الديكتاتورية”.
لكن منبج عرفت أيضا قدرًا لا بأس به من السياسة خلال سنوات حكم الأسد، غير أن تلك السياسة كانت كلها محظورة، وتجري بعيدًا عن الأنظار.
وبفضل جهود عدد قليل من الشخصيات المؤثرة، التي تتحول في كتاب غوبال إلى شخصيات عصية على النسيان، تمكنت المدينة من تحرير نفسها من النظام في صيف 2012.
وبعد ذلك، يقول غوبال: “وجد أهالي منبج أنفسهم فجأة أمام واقع يفرض عليهم معرفة كيفية إبقاء إنارة الشوارع تعمل، والمدارس مفتوحة، والقمامة تُجمع”.
باتت هذه المشكلات اليومية الشرارة التي أطلقت نقطة تحول في التفكير الديمقراطي. فقد أراد ثائرو منبج المنتصرون إقامة نظام حكم يجسد كل ما افتقدوه في ظل نظام الأسد، لكن التوصل إلى توافق بشأن شكل هذا النظام لم يكن بالبساطة التي بدا عليها الأمر.
وسرعان ما بدأت التصدعات تظهر. فقد تبنّى المجلس الثوري، الذي أسسته شخصيات مثل الشاعر السجين السابق حسن نفي وصاحب الأعمال أبيل أوس، نهجا ليبراليا يضع أولويات مثل مثل حرية التجمع وحرية الصحافة.
ومن وجهة نظرهم، بحسب تعبير غوبال، كانت “الحرية [تعني] أن تتركنا السلطات وشأننا لنفعل ما نريد”.
لكن سرعان ما ظهرت في مواجهتهم مجموعة أخرى هي حركة الشباب الثوري، وهؤلاء “كانوا غالبا من الفقراء وأبناء الطبقة العاملة، [وكانوا] يقولون إننا بحاجة إلى فرض نوع من القيود على السوق، وربما نحتاج إلى وسائل لإعادة توزيع الثروة من شديدي الثراء على الجميع”.
ولم يُحسم هذا الصراع قط. فقد راح وجود تنظيم داعش الناشئ في المدينة يتنامى تدريجيًا، إلى أن استولى الإسلاميون على السلطة في يناير 2014، لينهوا تجربة الحكم الشعبي بعد 18 شهرًا.
لكن غوبال يشدد على أن التوترات التي رافقت محاولة اكتشاف كيفية تطبيق الديمقراطية خلال تلك الفترة كانت، في حد ذاتها، بالغة الخصوبة.
ويقول: “أعتقد أن لدى الناس في سوريا الكثير مما يمكنهم أن يعلّموه للناس في الغرب عن الديمقراطية، لأننا نعرّف الديمقراطية بطريقة جامدة للغاية. هنا كان ثمة شكل آخر من الديمقراطية.. ديمقراطية أكثر انضباطًا نشأت بصورة عضوية”.
وتابع: “أبطال تلك القصة لم يكونوا، في معظمهم، منظّرين سياسيين. كثيرون منهم لم يقرأوا توكفيل.. كانوا ببساطة يشاركون في الحياة اليومية ويتعاملون مع ضروراتها، ويدركون أن أفضل طريقة للقيام بذلك في أحيان كثيرة، أن يفعلوه بصورة جماعية، بحيث يكون لكل شخص صوت. ومن هذا المنطلق، أعتقد أن الديمقراطية متجذرة في المنطقة بقدر تجذرها في أي مكان آخر”.
لكن، وبصورة مأساوية، أُسقطت هذه الديمقراطية الناشئة من الداخل. فالمحاولة الأولى لتمكين المواطنين في السنوات الأولى من الحرب الأهلية أخذت تكشف تدريجيًا عن هشاشتها أمام المتطرفين المرتبطين بداعش، الذين راحوا يتسللون إلى العملية السياسية في المدينة.
وتراكمت التحولات المروعة شيئًا فشيئًا: محاكمات صورية، وعقوبات لا إنسانية، واغتيالات للمعارضين.
ويوضح غوبال: “من المفارقات أن داعش تمكن من الوصول إلى السلطة في خضم هذه اللحظة الديمقراطية، فيما كان الكثير من الثوريين الديمقراطيين يواجهون تحديات حقيقية”.
ويضيف: “على سبيل المثال، حين بدأ داعش يفرض نفسه، دارت نقاشات من قبيل: هل ينبغي أن نحظرهم؟ هل ينبغي أن نمنع خطابهم؟ كان داعش يستخدم الرايات السوداء، هل ينبغي أن نحظر الرايات السوداء؟ وكان آخرون يقولون: لا يمكننا فعل ذلك، فهذا انتهاك لحرية التعبير. وهي أسئلة شائكة للغاية يتعين على أي ديمقراطية أن تواجهها”.
حين أحكم داعش سيطرته بالكامل على المدينة، كانت النساء الأكثر تضررًا. ففي البداية، شاركت النساء بنشاط ملحوظ في الحياة السياسية في منبج، ومن بينهن امرأة تُعرف باسم مينا سبا، أسست مجموعة أطلقت عليها اسم “نساء الحرية”، ونظمت ورش عمل تناولت شخصيات مثل غاندي.
وخلال الثورة ضد الأسد، أسهمت النساء بطرق ساعدت على إبقاء الحراك مستمرًا في أوقات كان فيها الرجال محبطين أو عاجزين عن مواصلة العمل.
ويقول غوبال عن مينا “ترى أن ثورتها في الواقع ثورة على جبهتين. فمن ناحية، هي ثورة ضد الديكتاتور، لكنها من ناحية أخرى ثورة أيضًا ضد بعض الأعراف الذكورية الأبوية التي يواجهها الناس في المدينة”.
لكن مينا انتهى بها الأمر إلى قضاء سنوات كثيرة لاحقة حبيسة منزلها مع أسرتها، عاجزة عن المشاركة في مجتمع يحكمه داعش.
ومع ذلك، استمرت أعمال المقاومة المحدودة. وفي أحد أكثر مشاهد الكتاب تأثيرًا، تجتمع مينا مع نساء أخريات ضقن ذرعًا بالواقع لتقديم مسرحية تسخر من النزعة الاجتماعية المتطرفة لداعش، أمام جمهور منزلي غارق في الضحك.
والآن، بعد أن تحررت منبج من حكم “الخلافة”، يقول غوبال: “لا تزال آثار [المشاركة السياسية للنساء] ملموسة حتى اليوم. وإذا نظرت إلى دور النساء في الحياة العامة في منبج، فستجد أن بعضهن ما زلن يُشرن إلى تجربة تلك الأشهر الـ18 وكيف منحتهن الجرأة على المشاركة”.
وتكشف براعة غوبال في تركيز الحكاية على أوضاع النساء في الثورة والديمقراطية عن واحدة من أبرز نقاط قوته، فهو قادر على توجيه الانتباه نحو الحياة المنزلية والحميمية في قصص تُروى عادة بلغة البنادق والعنف.
وهو يسرد حكايات الثوار في مغازلة زوجاتهم بالكثافة نفسها التي يسرد بها مساعيهم إلى تشكيل حكومة جديدة، كما يرصد بعناية الآثار التي يتركها تكريس المرء حياته للاحتجاج على أسرته.
في عام 2016، حررت قوات سوريا الديمقراطية، ذات الغالبية الكردية، منبج من قبضة داعش. وتحت أنظار الجيش الأميركي، وخلال مرحلة معقدة شهدت عودة كثير من الشخصيات الواردة في كتاب غوبال ونزوح بعضها الآخر، باتت المدينة اليوم تُدار بواسطة مجلس للمدينة في محاولة جديدة لإرساء الديمقراطية.
وبصورة عامة، يقول غوبال: “تحصد سوريا اليوم ثمار تضحيات مئات الآلاف من السوريين الذين بذلوا أرواحهم من أجل صيغة ما من الحرية والديمقراطية. تتوفر اليوم في سوريا حرية التعبير والتجمع. وبإمكانك أن تنتقد الحكومة بطريقة لم يكن ممكنًا أن تفعلها من قبل. أما إذا كان ذلك سيستمر أم سيتراجع، فهو ما ستكشفه الأيام”.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).