واشنطن العاصمة 02:30 PM

كيف بنى الحوثيون قوتهم؟

من مخازن الجيش إلى شبكات التوريد الدولية.. كيف تطورت أسلحة الحوثيين؟

· 6 دقيقة قراءة
منظر لصواريخ باليستية خلال عرض عسكري أقامه الحوثيون لإحياء ذكرى سيطرتهم على صنعاء، اليمن، 21 سبتمبر 2023. رويترز/خالد عبدالله.
منظر لصواريخ باليستية خلال عرض عسكري أقامه الحوثيون لإحياء ذكرى سيطرتهم على صنعاء، اليمن، 21 سبتمبر 2023. رويترز/خالد عبدالله.

خلال أكثر من عقد، تحول الحوثيون، المدعومون من إيران، من جماعة تعتمد على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة إلى قوة تمتلك صواريخ باليستية ومجنحة، وطائرات مسيّرة، وصواريخ مضادة للسفن، وزوارق مسيّرة وأسلحة دفاع جوي، إلى جانب قدرات متزايدة على تصنيع وتجميع بعض هذه الأنظمة محليا.

هذا التحول ارتبط بثلاثة مسارات رئيسية، هي الاستيلاء على كميات كبيرة من أسلحة الجيش اليمني، والحصول على مكونات وتقنيات من الخارج، والاستفادة من خبرات عسكرية وفنية مرتبطة بإيران والصين.

وسيطر الحوثيون، الذين تصنفهم واشنطن جماعة إرهابية، منذ بداية سبتمبر على المناطق المطلة على مضيق باب المندب، أحد أهم ممرات الملاحة في العالم، وشنوا هجمات على السعودية عطلت منشآتها النفطية، وتسببت برفع أسعار الطاقة في العالم.

وقال متحدث باسم الخارجية الأميركية لـ”الحرة”، إن واشنطن “عملت على قطع وصول الحوثيين المدعومين من إيران إلى التمويل والأسلحة”، مشيرا إلى “فرض عقوبات على أكثر من 200 كيان مرتبط بالجماعة”.

وتضع الولايات المتحدة إضعاف القدرات العسكرية للحوثيين ضمن جهود حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، ووقف الهجمات على السفن، والحد من قدرتهم على تنفيذ أو دعم ما تصفه واشنطن بأنشطة إرهابية في المنطقة.

وتُظهر الإجراءات الأميركية تركيزا على شبكات شراء المكونات؛ إذ استهدفت وزارة الخزانة في 2024 شركات وأفرادا في الصين وإيران قالت إنهم وفروا للحوثيين مكونات مزدوجة الاستخدام، بينها مئات المكونات لأنظمة توجيه الصواريخ وتصنيع المسيّرات.

من مخازن الجيش إلى ترسانة الحوثيين

بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء ومناطق واسعة من اليمن في 2014، ظهر التحول الأبرز في قدرات الجماعة، إذ استولوا على مخازن ومواقع عسكرية تابعة للجيش اليمني تضم دبابات ومدرعات ومدفعية وراجمات صواريخ وصواريخ باليستية وأنظمة دفاع جوي.

ويقول اللواء محسن خصروف، الرئيس السابق لدائرة التوجيه المعنوي في الجيش اليمني لـ”الحرة”، إن التحالف التكتيكي الذي جمع علي عبدالله صالح والحوثيين بين 2012 و2014 “ساعد الجماعة على اختراق وحدات عسكرية والوصول إلى معسكرات ومخازن أسلحة وصواريخ، بينها معسكر السواد، مقر الحرس الجمهوري في سنحان”.

ويضيف أن الحوثيين “استولوا بعد ذلك على عدد من الدبابات والعربات المدرعة وأنظمة الصواريخ والدفاعات الجوية”.

ويشير تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى أن الحوثيين عرضوا في 2023 صواريخ باليستية ومجنحة ومضادة للسفن، وصواريخ أرض-جو، وطائرات مسيّرة، وزوارق مسيّرة وأنظمة مراقبة وألغاما بحرية وبرية.

وخلص فريق الخبراء الأممي إلى أن الجماعة لا تمتلك القدرة على تطوير وإنتاج معظم هذه المعدات من دون مساعدة خارجية.

ويقول مايكل هورتون، الشريك المؤسس لمؤسسة “ريد سي أناليتيكس إنترناشونال” في الولايات المتحدة لـ”الحرة”، إن التحول لم يعتمد على المعدات فقط، إذ انضم إلى الحوثيين ضباط سابقون وفنيون وخبراء في مجالات عسكرية واستخباراتية، ساعدوا في الجمع بين الخبرات العسكرية التقليدية وأساليب حرب العصابات.

ترسانة الصواريخ والمسيّرات

تشمل ترسانة الحوثيين صواريخ باليستية من عائلة “بركان”، التي ترتبط بالصاروخ الإيراني “قيام-1” ويقدر مداه بنحو 1,000 كيلومتر. أما “بركان-3/ذو الفقار”، فتربطه وكالة استخبارات الدفاع الأميركية بالصاروخ الإيراني “قيام/رضوان”، وتقدر مداه بنحو 1,200 كيلومتر.

كما عرض الحوثيون في سبتمبر 2023 صاروخ “طوفان”، الذي تربطه مصادر استخباراتية وعسكرية بالصاروخ الإيراني “شهاب-3″، ويقدر مداه بنحو 1,950 كيلومترا.

ويقول علي البخيتي، المنشق عن الحوثيين لـ”الحرة”، إن الجماعة حصلت على منظومات من إيران، وإن خبراء إيرانيين وآخرين مرتبطين بحزب الله، الذي تصنفه واشنطن جماعة إرهابية، ساعدوا في تطوير صواريخ استولى عليها الحوثيون من الجيش اليمني، خصوصا في مجالات زيادة المدى وأنظمة التوجيه والتحكم.

منظر لصواريخ خلال عرض عسكري أقامه الحوثيون لإحياء ذكرى سيطرتهم على صنعاء، اليمن، 21 سبتمبر 2023. رويترز/خالد عبدالله.
منظر لصواريخ خلال عرض عسكري أقامه الحوثيون لإحياء ذكرى سيطرتهم على صنعاء، اليمن، 21 سبتمبر 2023. رويترز/خالد عبدالله.

وأصبحت المسيّرات مكونا رئيسيا في الترسانة الحوثية، وتشمل طائرات للاستطلاع والهجوم ومسيّرات انتحارية وطائرات التحكم عن بعد.

ومن بين الطائرات المسيّرة بعيدة المدى عائلة “صماد”، ولا سيما “صماد-3” (KAS-04)، التي يقدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن مداها يتجاوز 1,600 كيلومتر. ويشير المعهد إلى استخدام محركات صينية من طراز DLE-170 في هذا النوع، إضافة الى مكونات إيرانية أخرى.

كما يمتلك الحوثيون طائرات مسيّرة من طرازي “شاهد-131″ و”شاهد-136” الإيرانيين، ويستخدمون تسميات “واعد-1 و 2” لهما.

ووثقت وكالة استخبارات الدفاع الأميركية (DIA) أوجه تشابه واضحة بين “واعد-1” و”شاهد-131″، وكذلك بين “واعد-2” و”شاهد-136″، استنادا إلى مقارنة الشكل الخارجي والمكونات، بما في ذلك مثبتات الأجنحة ومقدمة الطائرة وأنابيب قياس الضغط والهيكل الأنبوبي.

ويقول هورتون لـ”الحرة” إن الحوثيين طوروا قدرة على تعديل المسيّرات التجارية وتجميع طائرات التحكم عن بعد، وإن كثيرا من المكونات تأتي من آسيا عبر شبكات توريد رسمية، وغير رسمية، وشركات واجهة.

واستخدم الحوثيون صواريخهم ومسيّراتهم في هجمات طالت السعودية والإمارات وإسرائيل، فيما امتدت عملياتهم البحرية إلى البحر الأحمر وخليج عدن.

 وفي يناير 2022، أدى هجوم على أبوظبي إلى مقتل ثلاثة أشخاص، كما نفذوا هجمات متكررة على إسرائيل منذ حرب غزة التي اندلعت عقب هجوم 7 أكتوبر 2023. وفي سبتمبر 2026، أعلن الحوثيون إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15 فوق مأرب، ولم تؤكد الرياض أو مصادر مستقلة هذه الحادثة.

من باب المندب إلى خليج عدن

تضم الترسانة البحرية للحوثيين صواريخ “مندب 1و2” المضادة للسفن؛ ويشير تقرير الخبراء الأممين إلى أن الأول يستند إلى التصميم الصيني C-801، فيما يشبه الثاني صاروخ C-802 الصيني، مع أوجه تشابه أيضا مع صواريخ إيرانية مشتقة منه، وتتراوح التقديرات المنشورة لمداه بين 120 و300 كيلومتر..

كما يمتلك الحوثيون صواريخ باليستية مضادة للسفن، بينها “آصف”، وتضع تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية مداه عند نحو 450 كيلومترا.

ووفق فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، نُفذ نحو 134 هجوما على الأقل من مناطق خاضعة للحوثيين ضد سفن تجارية وسفن أميركية وبريطانية في البحر الأحمر وخليج عدن بين 15 نوفمبر 2023 و31 يوليو 2024.

واستهدفت الهجمات 31 ناقلة للنفط أو الغاز الطبيعي المسال أو المواد الكيميائية، فيما وقع نحو ثلث الهجمات في خليج عدن. وأظهر التقرير الأممي أيضا استخدام أكثر من 800 صاروخ وطائرة مسيّرة ومركبة سطحية وتحت سطحية غير مأهولة ووسائل بحرية أخرى ضمن العمليات التي درسها الفريق.

إيران: السلاح والخبرة

تظل إيران رغم نفيها المتكرر، أبرز مصادر الدعم الخارجي التي وثقتها التقارير الدولية. ويقول فريق الخبراء الأممي إن المعلومات التي جمعها تشير إلى حصول الحوثيين على مساعدة فنية وتدريب وأسلحة ودعم مالي من طهران، إضافة إلى جماعات عراقية مسلحة وحزب الله.

وفي يوليو 2025، أعلنت القيادة المركزية الأميركية اعتراض شحنة إيرانية ضخمة كانت في طريقها إلى الحوثيين، تزن أكثر من 750 طنا، وتضم مئات الصواريخ المضادة للسفن والطائرات والصواريخ المجنحة، إضافة إلى رؤوس حربية، ومئات محركات المسيّرات ومعدات دفاع جوي ورادارات وأجهزة اتصالات.

وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” في تقرير أن قوات يمنية مناهضة للحوثيين ضبطت في أواخر أغسطس 2026 شحنة على متن سفينة متجهة إلى الجماعة، تضمنت أجهزة لاسلكية عسكرية لنقل البيانات، مصنّعة في مدينة تشنغدو الصينية، ويمكن استخدامها في التحكم بالطائرات المسيّرة.

ووفق دراسة صادرة في فبراير 2026، لمركز أبحاث “سنشري إنترناشيونال” ومقره نيويورك، شكّلت مكونات متعددة الاستخدامات ومواد خام أكثر من 80% من شحنات ضبطت وهي في طريقها إلى الحوثيين بين 2024 و2025. وبين 2021 و2025، كان نحو 35% من المواد الموثقة في عمليات الضبط صيني المنشأ، مقابل 21% من إيران.

إلى جانب إيران، وثق فريق الخبراء الأممي تعاونا عسكريا وفنيا بين الحوثيين وحزب الله اللبناني، وجماعات مسلحة عراقية منضوية تحت الحشد الشعبي، وقال إن مقاتلين حوثيين تلقوا منذ 2020 على الأقل تدريبا في مواقع لحزب الله جنوب لبنان، فيما نظمت جماعات مسلحة عراقية دورات تدريبية لمقاتلين حوثيين.

ويقول البخيتي لـ”الحرة” إن الحوثيين أرسلوا متدربين إلى لبنان وإيران، وإن خبراء إيرانيين ومن حزب الله ساعدوا في تطوير الصواريخ والمسيّرات وفي تشغيل ورش داخل مناطق سيطرتهم.

وذكر تقرير “وول ستريت جورنال“، أن جزءا كبيرا من التطور التكنولوجي في قدرات الحوثيين يعتمد على مكونات وسلع صينية، فيما تُظهر بيانات خبراء الأسلحة تنامي دور الشركات الصينية في سلسلة توريد الجماعة، التي تستفيد أيضا من شبكات تجارية يمنية في الصين لتأمين هذه المكونات، ولا سيما السلع مزدوجة الاستخدام التي يمكن توظيفها لأغراض عسكرية ومدنية.

وخلال السنوات الأخيرة بنى الحوثيون علاقات تجارية واسعة مع الصينيين والروس عبر تجار يمنيين وشركات واجهة.

وقالت الخزانة الأميركية في مارس الماضي إن شبكة مرتبطة بالمسؤول المالي الحوثي سعيد الجمل اشترت عشرات الملايين من الدولارات من السلع والأسلحة والمواد الحساسة من روسيا، تمهيدا لإرسالها إلى مناطق خاضعة للحوثيين. كما أشارت إلى مفاوضات حوثية للحصول على أسلحة ومعدات دفاعية من روسيا، مع سفر قادة حوثيين إلى موسكو لهذا الغرض.

ولا تقدم هذه المعلومات دليلا على قرار حكومي صيني أو روسي معلن لتقديم دعم عسكري مباشر للحوثيين، لكنها توثق دور شركات وشبكات تجارية وأفراد في توفير مكونات ومعدات ومواد حساسة للجماعة.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة