مشاهد أرتال عسكرية أميركية تغادر قواعد في بغداد والأنبار أعادت إلى الواجهة سؤالا قديما جديدا: هل ما يجري مجرد إعادة انتشار تكتيكية، أم بداية انسحاب كامل قد يعيد رسم خريطة الأمن في العراق؟
ففي الأسابيع الأخيرة، تناقلت تقارير أن القوات الأميركية انسحبت جزئيا من بعض القواعد باتجاه سوريا وأربيل، ما أثار موجة من التكهنات حول حقيقة ما يجري على الأرض.
وبينما اعتبر البعض الخطوة إشارة إلى بداية نهاية الوجود العسكري الأميركي في العراق، أكد مسؤول دفاعي أميركي لـ”الحرة” أن التحركات تأتي في إطار اتفاق رسمي وُقّع عام 2024 بين بغداد وواشنطن، يقضي بإنهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في سبتمبر الجاري.
وأضاف المسؤول أن “الولايات المتحدة تواصل مراجعة وتعديل وضع قواتها في العراق وفق الحاجة، وبما يتماشى مع البيان المشترك بين الولايات المتحدة والعراق بشأن انتقال مهمة التحالف الدولي لهزيمة داعش”.
واختتم قائلا: “بعد مرحلة الانتقال، ستواصل الولايات المتحدة علاقة التعاون الأمني الثنائي مع العراق”.
تأتي هذه التحركات في توقيت بالغ الحساسية، داخل العراق وفي المنطقة ككل.
إقليميا، هناك تغيرات كبرى مع سقوط النظام في سوريا وتصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل.
وفي الداخل العراقي، تقترب الانتخابات البرلمانية وسط انقسام واضح، حيث تضغط فالفصائل الموالية لإيران من أجل خروج كامل للقوات الأجنبية، في حين ترى قوى كردية وسنية وبعض الأطراف الشيعية أن العراق ما زال بحاجة إلى الدعم الأميركي.
في المقابل، يواجه الجيش العراقي تحديات متزايدة في ملاحقة فلول داعش، خصوصا في المناطق الغربية، ما يفتح الباب أمام أسئلة حول قدرة بغداد على سد أي فراغ أمني محتمل.
“طالما بقي تركيز القوات الأمنية العراقية على التهديدات المحلية، فلن تكون هناك مشكلة كبيرة”، يقول توم واريك، مساعد وزير الأمن الوطني الأميركي السابق، لـ”الحرة”.
ويضيف: “لكن إذا حاول داعش العودة، فالأصول الجوية الأميركية ستبقى ضرورية، خاصة في مناطق مثل أربيل”.
هذا الجدل الدائر اليوم بشأن طبيعة التحركات الأميركية يرتبط مباشرة بالاتفاق الذي وقعته بغداد وواشنطن العام الماضي، والذي وضع أساساً لجدول زمني ينظم الوجود العسكري في العراق.
الاتفاق
في عام 2024، أطلق الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن، ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، مفاوضات استمرت عدة أشهر لرسم ملامح العلاقة العسكرية المقبلة بين البلدين، بهدف تقليص الوجود العسكري الأميركي في العراق.
وفي سبتمبر من العام نفسه، توّجت هذه المساعي بتوقيع اتفاق مشترك نصّ على إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق بحلول سبتمبر 2025، والانتقال إلى علاقة أمنية ثنائية بحلول سبتمبر 2026 “تدعم القوات العراقية وتحافظ على الضغط على تنظيم داعش”.
أتاح الاتفاق أيضا استمرار وجود قوات أميركية في العراق لتقديم الدعم إلى الوحدات المتمركزة في شمال شرق سوريا، منعا لعودة التنظيم. وفي حينها، أكدت نائبة المتحدث باسم البنتاغون، سابرينا سينغ، أن “الولايات المتحدة لن تنسحب من العراق، لكن البصمة العسكرية ستتغير داخل البلاد”.
ويقول المحلل السياسي غالب الدعمي لـ”الحرة”: “من حيث المبدأ انسحبت القوات الأميركية من بعض القواعد مثل عين الأسد في الأنبار وفيكتوريا في بغداد، لكنهم لم يذهبوا بعيدا”. ويضيف أن الوجهة الأقرب هي “قاعدة التنف في سوريا، القريبة جدا من الحدود العراقية، وبالتأكيد قاعدة حرير في أربيل”.
ولم يقتصر الأمر على تحركات القوات على الأرض، بل امتد إلى نشاط دبلوماسي وعسكري مكثف لمتابعة تنفيذ الاتفاق.
“مرحلة تكتيكية”
شهد العراق هذا الأسبوع سلسلة لقاءات مكثفة لمسؤولين عسكريين أميركيين مع نظرائهم في الحكومة العراقية، تركزت على ملف الوجود الأميركي في العراق.
فقد التقى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الثلاثاء، بالقائد الجديد للقيادة الأميركية الوسطى، الأدميرال براد كروبر، وبحث معه “التقدم المحرز في الحرب على الإرهاب، ومتابعة تنفيذ الإعلان المشترك الصادر في أيلول/سبتمبر 2024، مع التأكيد على الالتزام بجميع بنود الاتفاق”، بحسب بيان حكومي.
وفي اليوم نفسه، زار كروبر أربيل حيث اجتمع مع رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني، وناقش معه “أهمية استمرار دعم قوات البيشمركة، وآخر التطورات الأمنية في العراق والمنطقة”، وفق بيان حكومة الإقليم.
ويصف المحلل السياسي غالب الدعمي تلك التحركات بأنها “تكتيكية” مرحلية، لا أكثر، مرجحا أن واشنطن “لن تترك العراق ساحة مفتوحة أمام قوى أخرى منافسة لها في المنطقة”، في إشارة إلى إيران.
وكانت القوات الأميركية انسحبت من العراق في عام 2011، وكان تعداد قواتها يبلغ أكثر من 150 ألف جندي منتشرين على قواعد عسكرية في عموم البلاد.
وبعد ثلاث سنوات من الانسحاب الأميركي، سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من الأراضي العراقية في عام 2014، فعادت القوات الأميركية بناء على طلب الحكومة العراقية. وبالفعل ساعدت هذه القوات في دحر تنظيم داعش بالتعاون مع القوات العراقية في عام 2017.
أما اليوم، فينتشر حوالي 2500 جندي أميركي في العراق، هم جزء من تحالف دولي شكلته الولايات المتحدة في عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش.
ومع اقتراب المهل الزمنية المحددة للانسحاب الأميركي، ستكون الأشهر المقبلة اختبارا حاسما لقدرة العراق على تحمل مسؤولياته الأمنية، ولفاعلية الشراكة الاستراتيجية الجديدة في ضمان الاستقرار داخل البلاد وفي المنطقة. لكن السؤال الأهم هو هل تستطيع القوات الأمنية العراقية ضبط الأمن في منطقة تغلي المتغيرات؟

غسان تقي
صحفي متخصص في الشؤون العراقية، يعمل في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال MBN منذ عام 2015. عمل سنوات مع إذاعة "أوروبا الحرة" ومؤسسات إعلامية عراقية وعربية.


