في وقت تجاوزت فيه الاستثمارات الصينية المباشرة في الإمارات 12 مليار دولار عام 2025، وفقاً لـ “النشرة الإحصائية للاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في الخارج”، تتوسع أيضا التدفقات الرأسمالية إلى السعودية، لترسخ مكانة المملكة بوصفها ثاني أكبر وجهة لرأس المال الصيني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وتأتي هذه الطفرة فيما تتبنى أبوظبي والرياض معادلة جيوسياسية دقيقة.
ويضع مؤشرMBN للقوى الكبرى الدولتين الخليجيتين بوضوح في المعسكر المؤيد للولايات المتحدة، استنادا إلى عقود من العلاقات العسكرية مع واشنطن.
لكن الإمارات والسعودية تحتلان أيضاً مراتب متقدمة في المؤشر من حيث الانخراط مع كلا الطرفين، في تحوط استراتيجي يتزامن مع اتساع روابطهما التجارية والدبلوماسية مع بكين.
ويصعب الحفاظ على هذا التوازن في مجال التكنولوجيا، إذ يصطدم مباشرة بالسياسة الأميركية. فواشنطن لن تتيح لدول الخليج الحصول على أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي لديها إلا إذا أزالت التكنولوجيا الصينية من شبكاتها الأساسية.
ويضع هذا الرياض وأبوظبي أمام موازنة الاستثمارات الصينية في مقابل الرقائق الأميركية التي تحتاجان إليها لبناء اقتصاداتهما الرقمية.
وخلال شهر سبتمبر الماضي فحسب تعهدت شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة علي بابا كلاود بزيادة سعة مراكز البيانات وتوسيع خدمات الذكاء الاصطناعي المحلية في أنحاء الإمارات.
وفي الوقت نفسه، أعلنت تينسنت، وأنت إنترناشونال التابعة لعلي بابا، حلولاً جديدة للمدفوعات الرقمية العابرة للحدود في السعودية.
وفي العاصمة الرياض، كشفت شركة الأجهزة العملاقة لينوفو عن أول حاسوب محمول تصنعه في السعودية، في منشأة ضخمة تبلغ مساحتها 49 فداناً (200 ألف متر مربع). ويأتي المشروع في إطار صفقة بقيمة ملياري دولار مع “آلات”، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي.
وبالنسبة إلى بكين، يتوافق هذا التوسع في الاقتصاد الرقمي مباشرة مع “طريق الحرير الرقمي”، وهو الامتداد التقني لمبادرة الحزام والطريق، والمصمم لتصدير الاتصالات السلكية واللاسلكية والحوسبة السحابية ونماذج الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة الصينية إلى الأسواق العالمية.
وقال الدكتور جمال زروق، المدير العام لشركة بولدر للاستشارات الاقتصادية في دبي: “هذه المبادرة حيوية لأنها تساعد الصين على توسيع نطاق سلعها وخدماتها والترويج لها عالمياً عبر الاستثمارات المباشرة”.
وأضاف، في معرض حديثه عن التنمية الإقليمية طويلة الأمد: “تملك الصين رأس المال والخبرة التقنية والقدرة الصناعية اللازمة لإعادة بناء البنى التحتية على نطاق واسع، ما يجعلها شريكاً رئيسياً طويل الأمد في أنحاء الشرق الأوسط”.
وتجد هذه الاستراتيجية أرضاً خصبة في الخليج. فكل من رؤية السعودية 2030 ومئوية الإمارات 2071 يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية والحوسبة المتقدمة ورؤوس الأموال.
خريطة طريق الحرير الرقمي
تتابع MBN حضور شركات التكنولوجيا الصينية في الخليج منذ عام 2010. وقبل عام 2015، اقتصر الوجود التقني الصيني تقريبا على مبيعات معدات الاتصالات الأساسية من شركات مثل هواوي وZTE.
وبعد إطلاق طريق الحرير الرقمي عام 2015، قفز عدد مشروعات التكنولوجيا الصينية في الإمارات 16 ضعفاً، ليصل إلى 81 مبادرة قائمة.
وتوسع الحضور إلى ما هو أبعد بكثير من الاتصالات، ليشمل شبكات المراقبة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والمدفوعات الإلكترونية والروبوتات، مع دخول شركات كبرى مثل علي بابا وتينسنت وبايدو وDJI وييتو ومجموعة أنت إنترناشونال.
وسجلت السعودية توسعاً مماثلاً بلغ 7 أضعاف، ليصل العدد إلى 56 مشروعاً، وأصبح الذكاء الاصطناعي والاتصالات يحتلان مكانة متساوية، فيما يشهد قطاع الطاقة المتجددة نمواً.
واستحوذت شركتا تصنيع الألواح الشمسية الصينيتان “لونغي غرين إنرجي” و”جينكو سولار” على حصص في مشروعات للطاقة الشمسية بالسعودية، بينما دخلت “سينس تايم” في مشروع مشترك للذكاء الاصطناعي بقيمة 206.5 مليون دولار مع الشركة السعودية للذكاء الاصطناعي.
واشنطن تضع الشروط
لكن تعمق هذه العلاقة الرقمية يقع مباشرة في قلب التنافس بين القوى الكبرى. فقد أسهمت شبكات الجيل الخامس الصينية منخفضة التكلفة ومراكز الحوسبة السحابية في دفع التحول الرقمي المبكر في الخليج، إلا أن الانتقال إلى قدرات حوسبة للذكاء الاصطناعي على نطاق غيغاوات أعاد رسم القواعد الجيوسياسية.
وتعتبر واشنطن الأجهزة الصينية في البنى التحتية الحيوية تهديداً أمنياً كبيراً، ووضعت شرطاً صارماً للحصول على أحدث رقائقها: على دول الخليج أن تزيل التكنولوجيا الصينية من شبكاتها الأساسية أولاً.
ويكشف هذا الشرط حدود التحوط الاستراتيجي لدى البلدين. ففي عام 2024، وافقت واشنطن على استثمار مايكروسوفت التاريخي بقيمة 1.5 مليار دولار في شركة الذكاء الاصطناعي الإماراتية G42 ، لكن ذلك جاء بعد موافقة الشركة على التخلص من معدات هواوي واعتماد المعايير التقنية الأميركية.
وينطوي استبدال البنية التحتية الصينية برقائق وأنظمة حوسبة سحابية غربية على تكاليف مالية وتشغيلية باهظة. وعلى سبيل المثال، أزالت G42 معدات لهواوي بقيمة 150 مليون دولار، واستعانت بمدقق خارجي للتأكد من إتمام ذلك.
لكن يبدو أن كلا البلدين الخليجيين مستعد لدفع الثمن لضمان الوصول إلى أحدث قدرات معالجة الذكاء الاصطناعي. وفي عام 2025، رفعت السعودية قيمة استثماراتها الأميركية المعلنة من 600 مليار إلى تريليون دولار.
وفي يوليو، حصلت الإمارات على تصنيف “مجموعة الدول A:5” من وزارة التجارة الأميركية لاستيراد التقنيات المتقدمة.
ويُخصص هذا التصنيف عادة لحلفاء الولايات المتحدة المقربين، ويتيح للجهات الحكومية والشركات الإماراتية المعتمدة تلقي التقنيات الأميركية الخاضعة للرقابة من دون ترخيص.
أما في السعودية، فتعمل شركة الذكاء الاصطناعي المدعومة من الدولة هيومين على إنشاء مراكز بيانات عالية الأداء بالتعاون مع شركاء أميركيين مثل إنفيديا وAMD وسيسكو، في ظل ضوابط أميركية صارمة على التصدير.
والنتيجة مثلث جيوسياسي معقد. فواشنطن تظل الضامن الأمني الذي لا غنى عنه، والزعيم بلا منازع في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة وتقنيات الدفاع. أما بكين، فتقدم بنية تحتية منخفضة التكلفة وتقنيات خضراء وقدرات تجارية ضخمة من دون قيود سياسية.
بينما تُظهر الرياض وأبو ظبي أنهما تستطيعان تسخير ثروتيهما الهائلتين ومواردهما من الطاقة للبقاء في قلب موازين القوى في عالم متعدد الأقطاب.
ويبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا التوازن؟ فرأس المال الصيني يواصل التدفق إلى الاقتصاد الرقمي الخليجي، فيما تعتمد طموحات المنطقة في مجال الذكاء الاصطناعي على الرقائق الأميركية والشروط التي تضعها واشنطن للحصول عليها.