قال ناشطون إيرانيون معارضون لـ”الحرة” إن عملية إعادة هيكلة القوات المسلحة الإيرانية التي أطلقها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي مؤخرا، شملت إبعاد عشرات الضباط، واستبدالهم بعناصر سابقة من الحرس الثوري.
وعين مجتبى في أغسطس الماضي علي عبد اللهي، قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، رئيسا لهيئة الأركان العامة، وطالبه باستكمال عملية دمج الهيئة مع مقر خاتم الأنبياء المركزي.
وتطرح عملية الدمج، بالإضافة إلى قرارات الإبعاد، تساؤلات بشأن دوافعها وتوقيتها، إذ تأتي بينما تواجه إيران ضغوطا عسكرية وأزمات اقتصادية حادة.
وتفرض السلطات الإيرانية رقابة أمنية مشددة على العسكريين المبعدين، ما يحول دون التواصل معهم، لكن “الحرة” تواصلت مع ناشطين مطلعين على الملف عبر مصادرهم الخاصة داخل الجيش والحرس الثوري الإيراني.
وقال النشطاء إن المرحلة الأولى لإعادة التنظيم تضمنت تسريح عشرات الضباط وحرمانهم من مستحقاتهم، لا سيما من المنحدرين من أصول كردية وعربية وآذرية.
وُسرح هؤلاء بتهم بينها التقصير الأمني، وتبديد أسلحة وأجهزة اتصالات، وتسريب معلومات، وذلك إثر تحقيقات أجرتها لجان مشتركة من استخبارات الحرس الثوري واستخبارات الجيش، وفق النشطاء.
ويقول الناشطون إن عمليات تحقيق تجري إلى الآن مع ضباط مبعدين بالجيش في قواعد يحتجزون داخلها لأيام.
وتحدثت “الحرة” إلى الناشطين عبر وسطاء، ولم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من جميع رواياتهم، في وقت لا تعلن السلطات الإيرانية فيه عن تحقيقات تخص قواتها المسلحة أو الأجهزة الأمنية.
وكان مجتبى خامنئي عين في أغسطس الماضي عددا من القادة العسكريين والأمنيين ذوي الخبرة الطويلة، بينهم مسؤولون خدموا لعقود خلال فترة حكم والده.
وتأتي تلك القرارات، بحسب مصادر تحدثت لـ”الحرة” كخطوة استباقية لأي تحرك يهدد استقرار النظام.
ويقول الأمين العام للجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية، صلاح أبو شريف الأحوازي لـ”الحرة”، إن الحرس الثوري يسعى حاليا إلى إعادة ضباطه القدامى من الجيلين الأول والثاني إلى الخدمة، باعتبارهم أكثر ولاء، مع إحلالهم بدلا من ضباط الجيش المطرودين.
وتتصل عملية إعادة التنظيم اتصالا وثيقا بالمسار المعقد للعلاقات بين الأجنحة العسكرية الإيرانية منذ ثورة 1979.
ويعد مقرّ خاتم الأنبياء المركزي، الذي تأسس عام 1984، مركز القيادة الرئيسي المسؤول عن التخطيط للعمليات العسكرية الكبرى وتوجيهها.
وبعد مؤسسه هاشمي رفسنجاني، الذي تولى رئاسة إيران لاحقا، تعاقب قادة من الحرس الثوري على قيادة مقر خاتم الأنبياء.
وتدرج الولايات المتحدة الحرس الثوري ومقر خاتم الأنبياء على قوائمها للمنظمات الإرهابية.
وفي عام 2016، قضى مرسوم للمرشد السابق علي خامنئي، بإعادة هيكلة مقر خاتم الأنبياء ليصبح كيانا مستقلا عن هيئة الأركان العامة.
وفي المقابل تمثل هيئة الأركان العامة أعلى سلطة عسكرية في إيران، وتخضع مباشرة لأوامر المرشد، وتشمل مهامها رسم العقيدة الدفاعية والهجومية، وتحديد الأولويات.
ويرى نائب الأمين العام للجبهة العربية لتحرير الأحواز، كمال عبد الكريم، أن الهدف الرئيسي لقرار الدمج هو إنهاء ازدواجية القيادة العسكرية، وقطع الطريق أمام أي تمرد أو تحرك مسلح في أوقات الأزمات.
أي أن الدمج بين مقر خاتم الأنبياء وهيئة الأركان يستهدف تأمين مستقبل النظام نفسه، بأكثر من كونه مجرد إعادة تنظيم عسكري، بحسب عبد الكريم.
وتخشى السلطات الإيرانية، وفق ناشطين سياسيين وحقوقيين إيرانيين معارضين تحدثوا لـ”الحرة”، انفجارا شعبيا في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية واستمرار الحرب.
ووفقا لهؤلاء فقد أحيل سابقا العديد من الضباط والجنود الإيرانيين إلى التقاعد، إثر عدم تنفيذهم أوامر بقتل متظاهرين خلال التظاهرات التي اندلعت في إيران بنهاية العام الماضي.
ويرى الناشط الإيراني المقيم في كردستان العراق فرزين كرباسي لـ”الحرة” أن جمع أفرع القوات المسلحة الإيرانية بغرفة عمليات واحدة، تحت سيطرة الحرس الثوري، خطوة رئيسية لمواجهة أي تحرك شعبي أو هجمات من الخارج.
ويعود تاريخ الخلافات بين الحرس الثوري والجيش إلى عام 1979، حين قرر الخميني بعد شهور من سيطرته على الحكم في إيران، تأسيس جيش مواز لحماية النظام الجديد آنذاك من أي محاولة انقلابية.
وعلى مدى أكثر 47 من عاما، أحكم الحرس الثوري قبضته تدريجيا على المناصب القيادية العليا في الجيش، بهدف تجنب أي محاولة للانقلاب على النظام.
وبحسب ما كشفه ضباط أكراد سابقون في الجيش الإيراني لـ”الحرة” في تحقيق نُشر في مايو الماضي، فقد تفاقمت الخلافات بين الحرس الثوري والجيش خلال حرب الأربعين يوما التي دارت بين الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران.
واشارت هذه المصادر، الى أن طهران وتبريز وأصفهان وكرمانشاه ومريوان والأحواز شهدت اشتباكات بين الحرس الثوري والجيش خلال الحرب، أسفرت عن وقوع قتلى وجرحى من الجانبين.
ولم يتسن لـ”الحرة” التحقق من هذه الاشتباكات من مصادر مستقلة.
ولا توجد إحصائيات رسمية إيرانية عن أعداد القوات المسلحة في إيران، لكن إحصائيات لمعارضين إيرانيين تظهر تفوق الجيش من ناحية العدد على الحرس الثوري.
وتعد ترسانة الحرس الثوري الإيراني أكثر تطورا من ترسانة الجيش الإيراني، إذ يتحكم الحرس الثوري ببرامج الصواريخ الباليستية والمسيرات وصناعات الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية إلى جانب البرنامج النووي. وفي المقابل تبقى ترسانة الجيش الإيراني قديمة ومنهكة.
وفي الوقت نفسه ترتبط قوة التعبئة الشعبية “الباسيج”، المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية، بالحرس الثوري وتشرف على إدارة الشأن الأمني الداخلي.
ويقول الخبير الاستراتيجي، علاء النشوع، لـ”الحرة” إن خوف النظام من حدوث تمرد داخلي في الجيش والاستيلاء على أسلحة، دفع الحرس الثوري إلى إحكام قبضته على القوات المسلحة من خلال عمليات الدمج، وبهدف إحباط أي تحرك ضد السلطة، لا سيما في ظل حالة الاحتقان بالجيش.