في وقت تتفاقم فيه ضغوط حرب إيران والتصعيد في اليمن على أسواق الطاقة والاقتصادات الخليجية، تخوض القاهرة محادثات مع الرياض لتجديد ودائع سعودية لدى البنك المركزي المصري.
ويثير التزامن تساؤلات عدة، تتجاوز مفاوضات الودائع إلى مستقبل الأموال الخليجية في مصر، وإمكانية لجوء دول خليجية لسحب ودائعها لمواجهة الأزمات الراهنة.
وبحسب ما نقلته “الشرق بلومبرغ” في 16 أكتوبر عن مصدر مسؤول اشترط عدم الكشف عن اسمه، أجرت القاهرة مفاوضات مع السعودية لتجديد ودائع بقيمة 5.3 مليار دولار، حل موعد استحقاقها خلال أكتوبر.
ولم يصدر تأكيد رسمي من القاهرة أو الرياض بهذا الشأن.
وتبلغ الودائع السعودية لدى البنك المركزي المصري نحو 10.3 مليار دولار، فيما يصل إجمالي الودائع السعودية والكويتية والقطرية إلى نحو 18.3 مليار دولار، بحسب تقارير صحفية محلية.
وجرت المفاوضات بينما يتعرض الجنيه المصري لضغوط قوية مؤخرا أمام الدولار الأميركي، الذي تجاوز سعره 55 جنيها في 24 أكتوبر.
كما تزامن ذلك مع تحرك مصري لدعم الرياض في مواجهة هجمات جماعة الحوثي المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية على السعودية.
وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 16 أكتوبر استعداد بلاده لاتخاذ إجراءات دفاعية لمساندة المملكة إذا طلبت ذلك. ودعا البرلمان إلى منحه التفويض اللازم، قبل أن يؤجل مجلس النواب حسم التصويت إلى 26 أكتوبر.
ويستبعد المستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية، سالم اليامي، وجود علاقة بين التحرك المصري واستحقاق الودائع، معتبرا أن استخدامها للضغط على القاهرة لا ينسجم مع الدبلوماسية السعودية.
ويوضح اليامي لـ”الحرة” أن استرداد المملكة ودائعها قد يكون طبيعيا في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، وإذا كان أمرا متفقا عليه مسبقا بين البلدين. كما يربط التحرك العسكري المصري المحتمل بالتصعيد الذي يهدد أمن المنطقة.
ولا يعد تجديد الودائع الخليجية جديدا، ففي نوفمبر 2022 أعلنت السعودية تمديد وديعة لمصر بقيمة 5 مليارات دولار.
كما جددت الكويت في مايو الماضي وديعة بقيمة ملياري دولار، في ترتيب ساعد القاهرة على دعم احتياطياتها الأجنبية.
وفي تقرير المراجعة السابعة لبرنامج التمويل المصري عام 2026، أشار صندوق النقد الدولي إلى تعهدات بالإبقاء على الودائع الخليجية حتى ديسمبر 2026، باستثناء الحالات التي تتحول فيها إلى استثمارات وفق ترتيبات محددة.
ومع اقتراب هذا الموعد، يرى أستاذ الإدارة الدولية والمشاريع في جامعة الملك فيصل، محمد الدليم القحطاني، أن الحرب قد تدفع دولا خليجية إلى إعادة النظر في ودائعها، مع ارتفاع النفقات واضطراب الملاحة عبر هرمز وباب المندب، إلى جانب متطلبات تمويل خططها التنموية.
ويقول القحطاني لـ”الحرة” إن مستقبل الودائع سيخضع بصورة أكبر لاحتياجات السيولة والعائد الاقتصادي، وليس فقط لاعتبارات الدعم المالي لمصر، متوقعا أن تشهد نهاية العام الحالي مراجعة أكثر صرامة لهذه الترتيبات.
لكنه يرى أن المراجعة لا تعني بالضرورة استرداد الأموال الخليجية، نظرا إلى المصالح الاستراتيجية والاقتصادية المشتركة مع القاهرة.
ويستبعد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب المصري عضو اللجنة الاستشارية التابعة لمجلس الوزراء محمد فؤاد، أي سحب جماعي أو مفاجئ للودائع الخليجية، مستندا إلى محدودية تأثير هذه الأموال بالنسبة لأصحابها.
وتعادل الودائع السعودية البالغة 10.3 مليار دولار في مصر نحو 2.2 في المئة من احتياطيات المملكة الرسمية، بينما تمثل ودائع الكويت وقطر أقل من واحد في المئة من أصول صندوقيهما السياديين.
ويقول فؤاد لـ”الحرة” إن هذه الأموال لا تمثل احتياجا جوهريا للسيولة الخليجية رغم الضغوط الاقتصادية للحرب، مما يجعل تجديدها أو إعادة توظيفها أكثر ترجيحا.
خروج المليارات وأثره
وانعكست الحرب بالفعل على الاقتصاد المصري بسبب اضطرابات التجارة والاستثمارات الأجنبية وارتفاع تكاليف الطاقة.
وفي مارس 2026 كشفت رويترز، استنادا إلى مذكرة داخلية لوزارة المالية المصرية، عن تراجع إقرارات التصدير خلال الأيام الأولى للحرب بنسبة 77 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما بلغ التراجع في الصادرات المتجهة إلى السعودية 83 في المئة، وإلى الإمارات 90 في المئة.
ورغم أن هذه الأرقام تخص فترة قصيرة، فإن تداعيات الحرب طالت أيضا الاستثمارات الأجنبية في مصر.
وأظهرت بيانات صندوق النقد الدولي تراجع استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية المصرية من 39.1 مليار دولار في فبراير 2026 إلى 22.2 مليار دولار في أوائل أبريل، قبل أن ترتفع مجددا في وقت لاحق.
وتزامنت تلك التطورات مع ارتفاع تكاليف استيراد الطاقة، واستمرار اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، الذي أثر على إيرادات قناة السويس، أحد المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي في مصر.
وفي ظل هذه الأوضاع، تبرز أكثر أهمية الودائع الخليجية التي تعادل قرابة ثلث الاحتياطيات المصرية البالغة 57.35 مليار دولار.
ويخفض سحب ودائع بقيمة 18 مليار دولار الاحتياطي المصري إلى نحو 39.35 مليار دولار، ما يفرض ضغوطا على السيولة الدولارية والجنيه وتكلفة التمويل، خصوصا إذا تزامن مع خروج استثمارات أجنبية أو ارتفاع فاتورة الطاقة.
لكن فؤاد يشير إلى أن سداد الودائع يخفض الالتزامات الخارجية أيضا، كما تتيح مرونة سعر الصرف امتصاص جزء من الصدمات دون استنزاف الاحتياطيات للدفاع عن مستوى محدد للجنيه.
أما القحطاني، فيحذر من أن تداعيات السحب قد تتجاوز خروج الأموال إلى التأثير على ثقة المستثمرين، إذ قد يدفع تراجع استقرار التمويل الخارجي إلى تقليص استثماراتهم في مصر.
ودائع أم استثمارات؟
وإلى جانب التجديد أو الاسترداد، يبرز خيار تحويل الودائع إلى استثمارات مباشرة، كما حدث في صفقة رأس الحكمة التي أعلنتها مصر والإمارات في فبراير 2024 بقيمة 35 مليار دولار.
وتضمنت الصفقة تحويل ودائع إماراتية بقيمة 11 مليار دولار إلى استثمارات، إلى جانب تدفقات مالية جديدة، ما ساعد على خفض الالتزامات الخارجية دون سداد قيمة الودائع نقدا.
ويرى فؤاد أن تكرار التجربة مع دول خليجية أخرى قد يخفف أعباء السداد على مصر، ويتيح إعادة توظيف الأموال في مشروعات استثمارية.
لكنه يشدد على حتمية استناد ذلك إلى الجدوى الاقتصادية وتقييم الأصول والعائد المتوقع، وليس مجرد استبدال الديون بأصول الدولة، بل باستثمارات تحقق قيمة مضافة للاقتصاد المصري.
لكن القحطاني، يرى في المقابل أن الظروف الحالية لا تشجع بالضرورة الدول الخليجية على تحويل ودائعها إلى استثمارات مباشرة، في ظل ارتفاع المخاطر وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية.
ويوضح في تصريحاته لـ”الحرة” أن الاستثمار الخليجي يضع في حساباته العائد المتوقع وإمكانية تحويل الأرباح من بين عوامل أخرى، معتبرا أن المرحلة المقبلة تتطلب ترتيبات واضحة لمواعيد استرداد الودائع، وجدوى تحويلها إلى استثمارات.