هل “تسامح” الدول الخليجية حزب الله؟

في أكتوبر 2015، ردد أنصار حزب الله شعار “الموت لآل سعود”، على وقع خطاب للأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله بمناسبة إحياء ذكرى “عاشوراء”، شنّ فيه هجوماً عنيفاً على السعودية وحكامها.

لم يكن هذا أوّل هجوم من قبل نصرالله وأنصار الحزب على السعودية ودول خليجية أخرى، لكنه كان الأعنف، وفتح الباب أمام استمرار مثل هذه الانتقادات والحملات بوتيرة تصعد أحياناً وتنخفض في أحيان أخرى، لكنها نادراً ما تختفي.

على أن هذه اللغة تبدّلت في الآونة الأخيرة.

أمين عام الحزب نعيم قاسم وجّه، في 19 سبتمبر، دعوة صريحة للسعودية إلى تنحية الخلافات جانباً و”فتح صفحة جديدة”.

واشترط قاسم أن يكون الحوار مع الرياض “مبنيّاً على أنّ إسرائيل هي العدو”، محذّراً من أن الضغط على “المقاومة” يصبّ في مصلحة إسرائيل، وأن غيابها سيعرّض دولاً أخرى في المنطقة للخطر.

هذه الخطوة المفاجئة، أثارت تساؤلات حول خلفيتها ومدى جدّيتها: هل تعكس مبادرة استراتيجية وتحوّلاً في توجهات الحزب، أم أنها مجرد مناورة سياسية لتأجيل ما يصفه مراقبون بـ”النهاية الحتمية” لمشروعه العسكري والسياسي، خصوصاً بعد خسائره الكبيرة في الحرب الأخيرة مع إسرائيل؟

مسار التصادم مع السعودية

منذ مطلع الألفية، شهدت العلاقة بين حزب الله والمملكة العربية السعودية مساراً تصادمياً متصاعداً بعد رفض نصرالله عام 2002 “المبادرة العربية للسلام” التي أطلقها ولي العهد السعودي آنذاك، عبد الله بن عبد العزيز.

وخلال حرب 2006 مع إسرائيل، اعتبرت السعودية أن الحزب “تورّط في مغامرة غير محسوبة”، رغم مساهمتها لاحقاً في إعادة إعمار الجنوب اللبناني. لكن الثورة السورية عام 2011، شكّلت منعطفاً أكثر خطورة، بعد أن أرسل الحزب مقاتليه لدعم نظام بشار الأسد في مواجهة المعارضة المدعومة خليجياً.

توالت بعدها محطات التوتر.

عام 2013، ، وصف مفتي السعودية حزب الله بـ”العميل”، فيما اتهم نصرالله الرياض بالضلوع في تفجيرات استهدفت السفارة الإيرانية. ثم ازدادت حدة التدهور عام 2015 مع انطلاق عملية “عاصفة الحزم” بقيادة السعودية في اليمن. آنذاك، شنّ الحزب حملة عنيفة ضد الرياض، واضعاً نفسه في مواجهة مباشرة معها.

وفي 2017، فجّرت استقالة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري من الرياض أزمة إضافية، إذ اتهم نصرالله السعودية بفرض هذه الاستقالة و”احتجاز” الحريري. ثم جاءت أزمة تصريحات وزير الإعلام اللبناني الأسبق جورج قرداحي عام 2021 بشأن حرب اليمن، لتفتح فصلاً جديداً من الخلاف، انتهى بطرد السفير اللبناني من الرياض وحظر الواردات اللبنانية. وفي العام التالي، اتهم نصرالله السعودية بـ”الإرهاب”، ما زاد الهوة بين الطرفين.

ورغم أن الرياض دأبت على مدى عقود على ضح استثمارات بقيمة مليارات الدولارات، وتقديم ودائع للبنك المركزي للحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة والاقتصاد اللبناني عموماً، إلا أن حزب الله ظلّ يعتبر أنها تتدخّل في الشأن اللبناني وتدعم خصومه السياسيين. ومع تصاعد النفوذ الإيراني وتغلغل الحزب في مؤسسات الدولة، أعادت الرياض النظر في استراتيجيتها، وقلّصت انخراطها المباشر بشأن لبنان.

سجل عدائي متشعّب

لم تقتصر خلافات حزب الله مع دول خليجية على السعودية، بل امتدت إلى معظمها منذ ثمانينيات القرن الماضي.

لقد ارتبط اسم الحزب بعمليات استهدفت الكويت، أبرزها تفجيرات عام 1983 التي طالت منشآت حيوية وسفارتي الولايات المتحدة وفرنسا، وتبين لاحقاً تورط تنظيمين مرتبطين بإيران، هما “حزب الدعوة” العراقي ومجموعة لبنانية على صلة بالحزب الذي كان لا يزال في طور التشكل، كما تذكر العديد من التقارير الصحفية.

كما اتهم الحزب بالتورّط في عمليتي خطف طائرتين كويتيتين؛ الأولى عام 1984 حين أجبر أربعة مسلحين، بينهم مصطفى بدر الدين الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز قادته، طائرة على الهبوط في طهران للمطالبة بالإفراج عن موقوفين متورّطين في تفجيرات 1983. أما العملية الثانية فكانت في أبريل 1988، حين اختُطفت طائرة كويتية قادمة من بانكوك. كذلك، ارتبط اسم الحزب بـ”خلية العبدلي” التي كشف عنها عام 2015 وبحوزتها كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر.

وفي الإمارات، أثبتت التحقيقات عام 2016 تورّط الحزب في أنشطة تجسسية، شملت تجنيد عناصر وربطها مباشرة بأجهزته الأمنية، ومحاولة اختراق المجتمع المحلي والحصول على معلومات حساسة. وفي عام 2024، برزت زيارة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب، وفيق صفا، إلى الإمارات في إطار ملف الموقوفين اللبنانيين هناك.

أما في البحرين، فقد اتهمت السلطات حزب الله بتدريب وتسليح معارضين منذ 2011، قبل أن تقوم المنامة عام 2013 بحظر أيّ اتصال معه واعتباره منظّمة إرهابية.

هذه الأنشطة دفعت دول الخليج مجتمعة في 2016 إلى تصنيف حزب الله “منظمة إرهابية”، ولم تفلح وساطات عدة بين عامي 2022 و2023 في تقريب وجهات النظر، إذ ربطت الرياض أيّ انفتاح بإنهاء نفوذ الحزب وتبعيته لإيران.

دلالات التوقيت

تأتي دعوة حزب الله لفتح صفحة جديدة مع السعودية في لحظة يصفها رئيس تحرير موقع “جنوبية”، الكاتب والصحافي علي الأمين، بأنها “لحظة ارتباك وقلق وجودي يعيشها الحزب، إذ يفتقد الخيارات ويجد نفسه محاصراً داخلياً وخارجياً”.

على المستوى العسكري، قطع سقوط نظام بشار الأسد خطوط إمداده بالسلاح من إيران، وتكبّد خسائر فادحة في الحرب مع إسرائيل أثّرت على بنيته العسكرية والتنظيمية.

أما على المستوى السياسي، فقد نأى العديد من حلفاء الحزب في الداخل بأنفسهم عنه، وطالب بعضهم بنزع سلاحه.

كلّ ذلك انعكس على خطابه تجاه دول مجلس التعاون الخليجي.

المحلل السياسي والمحامي أمين بشير يعتبر أن “الحزب يتحوّل تدريجياً من كيان عقائدي إلى حزب سياسي براغماتي، متخلّياً عن المواجهة المباشرة مع السعودية، في محاولة لإعادة بناء علاقاته على أساس سياسيّ بحت”. هذا التحول، وفق بشير، “يعكس استخدام الحزب الغطاء الدينيّ لأغراض مصلحيّة، وارتداء البدلة السياسية بدل العسكرية في ظل إدراكه خطر خسارة ورقة السلاح”.

وقد أثارت دعوة قاسم ردود فعل متباينة داخل البيئة الحاضنة للحزب، إذ أبدى البعض تأييده للخطوة، فيما تحفّظ آخرون، معتبرين أن أيّ حوار لا ينبغي أن يضعف الحزب، وينتهي بنزع سلاحه.

وتعكس هذه الانقسامات حجم التحدّيات الداخلية التي يواجهها حزب الله، ولاسيما إيجاد نوع من التوازن بين تعاطيه مع الخارج، ولاسيما السعودية وإيران، وتحالفاته في الداخل، وبينهما إعادة إنتاج خطاب يتماشى مع سياساته.

الدعوة بين السعودية وإيران

ردّة فعل السعودية حيال دعوة نعيم قاسم قد لا تخرج عن سياق سياستها التقليدية حيال لبنان، إذا نأت المملكة بنفسها عن المشاركة في التجاذبات اللبنانية الداخلية، وفضّلت التعامل مع الدولة دون سواها.

“خطاب قاسم الموجّه للرياض يمثل إشارة إيجابية، لكنه يدرك أن الموقف السعودي ثابت، يقوم على التعامل مع الدولة اللبنانية لا مع الميليشيات المصنّفة على لوائح الإرهاب” يؤكّد الأمين.

المحلل السياسي السعودي الدكتور خالد باطرفي ينظر للأمر من الزاوية نفسها. يقول لموقع “الحرة”: “إن سياسة المملكة تقوم على التعامل مع الدول لا مع الأحزاب، وهو نهج عام لا يقتصر على الساحة اللبنانية وحدها. وفيما يخص لبنان تحديداً، دأبت الرياض على التعاطي إما عبر مؤسسات الدولة اللبنانية الرسمية، أو من خلال إيران التي تُعتبر المرجعية الإقليمية للحزب”.

وبناءً على ذلك، يخلص باطرفي إلى أن أيّ تغيير محتمل في الموقف السعودي أو أيّ نقاش حول هذا الملف “لن يتم بشكل مباشر مع حزب الله، وإنما عبر الدولة اللبنانية أو من خلال قنوات التواصل مع طهران”.

ويعتقد مراقبون أن دعوة قاسم لا يمكن أن تخرج عن مسار سياسة طهران، وانفتاح الأخيرة على السعودية لتخفيف الضغوط الإقليمية والدولية عليها.

وكان الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني قد زار الرياض أخيراً، بالتزامن مع وجود مستشار وزير الخارجية السعودي المكلّف بالملف اللبناني الأمير يزيد بن فرحان في بيروت، ما يعزز فرضية أن دعوة حزب الله قد تأتي ضمن إعادة تموضع إقليمي بإيعاز من طهران لخفض التوتر مع الخليج وحماية مصالحها.

وعلى أيّ حال، يستبعد أن تؤثر الدعوة على موقف الدول الخليجية بشأن نزع سلاح حزب الله، لكنها تثبت أن “حزب الله يحاول استثمار التقارب (الإيراني-السعودي) لتعزيز موقعه السياسي واستبدال ورقة السلاح بأخرى سياسية”، كما يقول بشير، ويرى أن “هذه التحولات تمثل فرصة للبنانيين لإعادة التأكيد على هويتهم الوطنية، وتنقية الساحة السياسية من نفوذ حزب الله، وإبراز التنوّع الثقافيّ والسياسيّ الذي يشكل جوهر الكيان اللبناني”.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading