السلام في غزة لن يصنعه الأميركيون وحدهم

خطة السلام في غزة لن تنجح إلا إذا أدّى اللاعبون الإقليميون الرئيسيون دورهم.

عز الدين فشير روائي وصحافي مصري، ومحاضر أول في كلية دارتموث.
جلبت خطة ترامب وقفًا لإطلاق النار في غزة، ترافق مع تبادل للأسرى والرهائن. وليس هذا إنجازًا بسيطًا. فقد تطلّب تدخّلًا أميركيًا استثنائيًا كسر عقودًا من السوابق، كما تطلّب اصطفافًا غير مألوف لمتنافسين في المنطقة — من بينهم مصر وقطر وتركيا — عملوا، تحت الضغط، بشكلٍ متوازٍ لا متقاطع. كما ساعدت في ذلك الهزيمة شبه الكاملة للقوة الإيرانية، بما في ذلك تدمير «حزب الله».

لكن وقف إطلاق النار جاء أيضًا نتيجة الإنهاك الذي أصاب جميع الأطراف: سكان غزة، والإسرائيليين، والدول المجاورة. فالجميع، في هذه المرحلة، أراد للحرب أن تنتهي. ولهذا جرى تنفيذ أهم بنود الاتفاق — وقف القتال، الانسحاب الجزئي، وتبادل الأسرى والمحتجزين — رغم أن الاتفاق نفسه لا يزال في جوهره مجرّد مخطط أولي، إطار بلا تفاصيل، ولائحة مبادئ بلا لحمٍ أو مضمون، حتى في أكثر المسائل مصيرية. وهذه هي ثغرته الكبرى.

ثلاث قضايا ستحدّد ما إذا كانت خطة ترامب ستنجح أم تفشل: نزع سلاح حركة حماس، إنشاء سلطة حاكمة فاعلة في غزة، ونشر قوة تثبيت استقرار فعّالة.  سيتقدّم السلام بقدر ما يتحقّق التقدّم على هذه الجبهات الثلاث. فكلّما تقدّمت هذه المسارات، تحسّنت الحياة في غزة، ما يتيح مزيدًا من التقدّم نحو تحقيق الأهداف الطموحة للخطة. أما إذا تعثّر العمل في هذه المجالات، فسيتراجع التقدّم بالقدر نفسه.

يُفترض على نطاقٍ واسع أن ما سيحدث لاحقًا يعتمد على الولايات المتحدة. غير أن هذا التصوّر، رغم شيوعه، خاطئ. فنجاح هذه الخطة أو فشلها لا يعتمد على واشنطن. والولايات المتحدة لن تقود هذه العملية، ولا ينبغي توقّع ذلك منها. ويقودنا ذلك إلى الاستنتاج الذي يكرهه كثير من أبناء الشرق الأوسط: مسؤولية التقدّم تقع في أيدي اللاعبين الإقليميين أنفسهم.

نزع السلاح وبناء حوكمة فعّالة لا يمكن فرضهما على الفلسطينيين من الخارج؛ لا يتحقّقان إلا بجهدٍ فلسطيني حقيقي، لا بمجرد التمنّي. فإذا تمسّك عددٌ كافٍ من الفلسطينيين — داخل حماس وخارجها — بما يسمّونه «المقاومة المسلّحة»، فسينالون بالضبط ما يدعون إليه: تجدد القتال مع سلطة الاحتلال. وإذا عجزت حركتا حماس وفتح والسلطة الفلسطينية عن الاتفاق على هيكلٍ للحكم في غزة — أو أفشلوا الهيكل الذي قد ينبثق عن الاتفاق الحالي — فلن تستقرّ حوكمة القطاع. كما أن نشر قوة الاستقرار وبدء إعادة الإعمار سيتوقفان على قدرة الدول الإقليمية على مواصلة التعاون والمخاطرة من أجل السلام.

في السيناريو المتفائل، سيتعامل الفلسطينيون والدول العربية مع هذه المهام بجدية، بوصفها أدوات لتغيير الواقع الفلسطيني — لا مجرّد شروط لإرضاء إسرائيل أو الولايات المتحدة. عندها، قد تسلّم حماس أسلحتها إلى مصر أو تُخزَّن تحت إشرافٍ دولي؛ وتنبثق سلطة حاكمة جديدة بتنسيق بين الفصائل الفلسطينية والدول العربية؛ وتُنشَر قوة تثبيت استقرار متينة — عربية أو دولية أو مزيج من الاثنتين — تتولّى زمام الأمور. هذه الخطوات ستسمح ببدء جهود الإعمار، وتدفع إسرائيل إلى استكمال انسحابها، وتُغيّر المناخ العام، وتُبقي الولايات المتحدة منخرطة، وتمهّد الطريق لخطوات سياسية أكثر طموحًا.

في السيناريو الآخر، سينفّذ الفلسطينيون واللاعبون الإقليميون هذه المهام بنصف حماسة. قد تسلّم حماس بعض أسلحتها الثقيلة وتُخفي أخرى لتستخدمها — في الوقت الراهن — ضد خصومها الفلسطينيين. وقد تتبيّن السلطة الجديدة أنها مجرد مجموعة من الوكلاء للفصائل الفلسطينية المتنازعة ورعاتها الإقليميين، بينما تتأخر قوة الاستقرار في التشكل وتتجنّب مواجهة التهديدات الأمنية، لتتحوّل إلى قناة تواصل بين حماس وإسرائيل على غرار قوات «اليونيفيل» في لبنان، صاحبة السجل المتذبذب. عندها، سيفهم الفلسطينيون أن شيئًا لم يتغيّر، وستستدعي إسرائيل أقصى ردودها الأمنية، وينهار المسار برمّته، ويجد الجميع راحتهم في تحميل الولايات المتحدة مسؤولية الفشل.

النجاح ممكن، وإن كان احتمالُه ضعيفًا. فـ«المقاومة المسلّحة» لا تزال فكرة جذّابة لكثير من الفلسطينيين، والانقسامات حول الحكم عميقة، والتحالفات الإقليمية تتبدّل سريعًا. وستعود الأحقاد، وستظهر الأيديولوجيات والطموحات مجددًا. ومع ذلك، فإن حجم الدمار في غزة، والخسائر البشرية الهائلة، والمخاطر الإقليمية المترتّبة على استمرار الفوضى قد تدفع القادة — وربما هذه المرة فقط — إلى التصرّف بشكل مختلف.

لقد أوقفت خطة ترامب القتال، لكن مستقبل الشرق الأوسط يتوقّف على لاعبيه الإقليميين — وعلى ما إذا كان قادتهم سيدركون أن البقاء، من جميع الأطراف، يتطلّب تحمّل المسؤولية لا تبادل اللوم. فالتقدّم في القضايا الثلاث الأساسية يعتمد أقل على واشنطن وأكثر على قدرة المنطقة على التعاون، والتسوية، ومقاومة أسوأ غرائزها. أمّا إذا كان أقصى ما يستطيع الفلسطينيون والمنطقة تقديمه هو إجراءات شكلية مترددة، فذلك سيكون مستقبل السلام في غزة.


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN) أو موقفها الرسمي.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading