كان الثامن من ديسمبر 2024 شديد البرودة في العاصمة السورية دمشق، لكنه كان ضاجا بالحماس أيضا؛ إذا اصطفت حشود تقدر بعشرات الآلاف، من الأسر السورية، أمام أبواب السجون ودوائر الأمن والمخابرات، على أمل الحصول على خبر عن أحبائهم المختفين قسرا منذ اندلاع الثورة عام 2011.
قدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عدد المفقودين في سجون نظام بشار الأسد قبل إطاحته، بـ 136 ألف شخص، بينهم أجانب، وثلاثة أميركيين تريد واشنطن الكشف عن مصيرهم.
“يحق لعائلات أوستن تايس، ومجد كمالماز، وكايلا مولر أن يعرفوا مصير أحبائهم”، كتب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، في نهاية مايو، على “أكس” معلنا أن الحكومة السورية وافقت على مساعدة الولايات المتحدة في تحديد مكان مواطنين أميركيين أو إعادتهم أو رفاتهم”.
خطف تايس، في 14 أغسطس 2012، قرب دمشق، وكان عمره حينها 31 عاما، وكان يعمل صحافيا مستقلا مع مجموعة ماكلاتشي و”واشنطن بوست” و”وكالة الصحافة الفرنسية” ووسائل إعلام أخرى. ولم تتوفر معلومات عن مصيره.
وفي يناير هذا العام، زارت والدته دمشق والتقت بالرئيس السوري أحمد الشرع، وقالت للصحيفيين أنها أرادت التأكد أن العمل جار بجدية لاستعادة ابنها.
وخطف تنظيم “داعش” عاملة الإغاثة مولر في حلب شمالي سوريا، في أغسطس 2013. وأعلن، في فبراير، مقتلها في غارة جوية شنتها طائرات أردنية على مدينة الرقة، التي شكلت حينها المعقل الأبرز للتنظيم في سوريا. وأكدت واشنطن لاحقا مقتلها، لكنها شككت في صحة رواية التنظيم المتطرف.
وفُقد المعالج النفسي مجد كمالماز عام 2017 بينما كان في زيارة خاصة إلى دمشق، بعد توقيفه على نقطة أمنية. وكان كمالماز ـ وهو أميركي ولد في سوريا ـ متخصصاً في العلاج النفسي للمتضررين من الحروب والكوارث الطبيعية، وعمل مع اللاجئين السوريين في لبنان بعد اندلاع النزاع. وأفادت تقارير غير مؤكدة لاحقا بوفاته في السجن.
وبحسب مصدر سوري مطلع على المحادثات بين الحكومتين، السورية والأميركية، بشأن ملف المفقودين، هناك أسماء 11 مفقودا في قائمة واشنطن، وهم سوريون لديهم جنسيات أميركية.
وحاولت واشنطن مرارا خلال حكم الأسد الحصول على معلومات بشأن الرعايا الأميركيين المفقودين في سوريا.
ورغم إنكار دمشق وقتها، تعاملت واشنطن مع ملف تايس بوصفه رهينة لدى حكومة الأسد. ويقول نزار زكا، رئيس منظمة دعم الرهائن في واشنطن، خلال مقابلة أجراها برنامج “الحرة تتحرى” في أبريل، إن المنظمة عملت بشكل مكثف للعثور على تايس، وإن المعلومات التي وصلت إليه تفيد بأن الشاب الأميركي تنقل بين عدة مراكز توقيف، ولكن لم يسجل اسمه بالنظام الرسمي للسجون.
“أوقف بداية في مركز للمخابرات، بعدها في مركز فرع فلسطين، كما حجز في بيوت سرية ومن ثم اختفى تماما”، يقول زكا.
وأشارت تقارير صحافية أميركية إلى أن الرئيس دونالد ترامب أرسل، خلال رئاسته الأولى، مبعوثيه سرا للتفاوض مع نظام الأسد. وقال سلفه، جو بايدن: “نعتقد يقينا” أن تايس رهينة لدى الحكومة السورية. ومع ذلك لم تتجاوب حكومة الأسد، وادعت أنها لم تكن الجهة المسؤولة عن اختفائه.
لم ييأس زكا، وأطلق حملة رسائل عبر الـSMS داخل سوريا على أمل الحصول على معلومات من المواطنين عن تايس، ولكن من دون أي نتيجة.
لكن بعد سقوط نظام الأسد، تجدد الأمل بالعثور على تايس الذي اختفى منذ 12 عاما. فرصد مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI مكافأة بمليون دولار، وأعلنت الخارجية الأميركية عن مكافأة ثانية بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومة عن مكان الصحافي المختفي.
وأرسلت السلطات الأميركية روجر كارستنز، المبعوث الرئاسي الخاص لشؤون الرهائن، إلى سوريا بعد سقوط سقود الأسد. وأكد كارستنز بأنه تلقى، خلال الـ 12 عاما الماضية، ملعومات أشارت إلى مجموعة من السجون التي يحتمل أن تايس كان محتجزا فيها. ومع تضييق نطاق البحث توصل لقائمة بأكثر 6 مواقع محتملة.
بدورها تقول ديبرا تايس، والدة أوستن في تصريح لـ”الحرة تتحرى”، أنها متأكدة من نجاة ابنها ومن أنها ستفعل ما بوسعها للعثور عليه.
ومع ذلك الأمل، تظهر نظرية أخرى، لاختفاء أثر تايس، وهي أنه لم يعد موجودا في سوريا أساسا. وتقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان في مقابلة سابقة مع “الحرة تتحرى” إن هناك روايات لعناصر من النظام السابق، تبين أن الإيرانيين كانوا مهتمين جدا بحالة أوستن تايس، “وقد يكون لدينا مؤشرات أنه قد يكون نقل إلى إيران، لتستفيد إيران منه في وقت ما كورقة مساومة مع الولايات المتحدة الأميركية”.
وجود تايس في إيران، مجرد احتمال لا تعلق عليه ايران، لكن انفتاح واشنطن على النظام الجديد في سوريا تعيد الأمل إلى عائلات المفقودين الأميركيين.
جاء اجتماع باراك والشرع في إسطنبول بعد إعلان ترامب رفع العقوبات عن سوريا. ورحبت سوريا بقرار الرئيس الأميركي.
وذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا)، أن الاجتماع ركز في المقام الأول على متابعة تنفيذ رفع العقوبات؛ إذ قال الشرع للمبعوث الأميركي إن العقوبات لا تزال تشكل عبئاً ثقيلاً على السوريين وتعيق جهود التعافي الاقتصادي.
ومنحت إدارة ترمب سوريا إعفاءات واسعة من العقوبات، في خطوة أولى رئيسية نحو الوفاء بتعهد الرئيس برفع عقوبات دامت نصف قرن على بلد دمرته 14 عاماً من الحرب الأهلية.
وقد بدأت، وفق مصدر مطلع، بعثة قطرية بطلب أميركي مهمة البحث عن رفات أميركيين في شمال سوريا قتلهم تنظيم الدولة الإسلامية، داعش.
وعليه يرى مراقبون أن الآمال معقودة على تجاوب سلطة الشرع وتقديم مباردات إنسانية وسياسية لتحقيق تقدم ملموس في هذا الملف، في ظل تحول كبير للسياسة الأميركية تجاه سوريا.



