صراع على كنوز شرق المتوسط

على الرغم من التطورات المتسارعة خلف حدودها مع ليبيا والسودان وقطاع غزة، إلا أن مصر بقيت تركّز على حدودها البحرية.

لذلك، أخذ ملف الحدود البحرية مع ليبيا في البحر المتوسط حيّزاً من المناقشات التي أجراها المشير الليبي خليفة حفتر خلال زيارته للقاهرة، حيث التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

وأكدت مصر، عبر بيان الرسمي، أن “اللقاء ناقش تطورات ملف ترسيم الحدود البحرية المشتركة بين البلدين”، وأنهما توافقا على أهمية استمرار التعاون المشترك بما يحقق مصلحة البلدين.

وتأتي الزيارة بعد لقاء رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح مع وزير الخارجية اليوناني جيورجوس جيرابتريتيس، الأسبوع الماضي، في أثينا، وهو لقاء تطرّق إلى الاتفاق البحري التركي – الليبي.

ويرى المحلل السياسي الليبي إبراهيم بلقاسم، في حديثه لـ”الحرة”، أن زيارة صالح إلى اليونان جاءت في إطار “محاولة أثينا التأثير على شرق ليبيا لمنع البرلمان من المصادقة على اتفاقيتي 2019 بين ليبيا وتركيا”. ويؤكد بلقاسم أن جوهر الصراع يتمحور حول ترسيم الحدود البحرية، باعتبار أن “من يرسم الحدود هو من يحدد شكل التحالفات الجديدة في شرق المتوسط”.

ويوضح بلقاسم أن المنطقة البحرية المشتركة تُعدّ ساحة تنافس بين أربع دول هي مصر واليونان وتركيا وليبيا، مشيراً إلى أن الأخيرة تمثل الطرف الأقوى جغرافياً وقانونياً، بينما تبقى اليونان الحلقة الأضعف. مؤكداً أن ليبيا حاولت منذ عام 2002 توقيع اتفاق ترسيم مع اليونان، غير أن أثينا رفضت، ثم استغلّت اضطرابات ما بعد 2011 لمحاولة فرض رؤيتها للحدود البحرية، كما قال.

ويشير “منتدى غاز شرق المتوسط” إلى وجود 300 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، الذي لم يكتشف بعد، في منطقة شرق المتوسط وفقاً للتقارير العالمية.

خلفية الاتفاقات البحرية

منذ عام 2019، أبرمت ليبيا، في عهد فايز السراج رئيس حكومة الوفاق آنذاك، مذكرة تفاهم مع تركيا لترسيم الحدود البحرية بين البلدين في البحر المتوسط، ما منح الجانبين حقوقاً لتحديد “منطقة اقتصادية خالصة”.

وقد أعادت المذكّرة رسم خريطة التنافس على موارد البحر المتوسط، خاصة الغاز والنفط، وأثارت اعتراضات من دول مجاورة، أبرزها اليونان وقبرص ومصر، باعتبارها “تتجاهل جزراً بحرية تعود لها، ولا تنسجم مع القوانين الدولية”.

وظل هذا الخلاف قائماً حتى بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين مصر وتركيا بشكل كامل.

ويقول الكاتب والباحث السياسي في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية بشير عبد الفتاح لـ”الحرة” أن ترسيم الحدود البحرية بين الدول المتقابلة وليس المتجاورة كان يفترض أن يتم بين مصر وتركيا وليبيا. ويرى أن الأزمة ظهرت عندما وقّعت حكومة السراج اتفاقاً مع تركيا، وهي دولة مقابلة لليبيا ومقابلة في الوقت نفسه لمصر.

ويوضح عبد الفتاح أن تركيا حصلت، بموجب التفاهم مع طرابلس، على مساحات واسعة، ما أثّر على المياه الإقليمية لمصر واليونان وقبرص، خصوصاً أن الاتفاق لم يعتمد على اتفاق البحار لعام 1982، الذي اعتمدته دول المتوسط مثل مصر واليونان وقبرص ولبنان وإسرائيل لترسيم حدودها البحرية، ولهذا كان من المهم أن يناقش الطرفان المصري والليبي الآن ترسيم الحدود البحرية”.

 خرائط ليبيا

في 27 مايو 2025، أودعت ليبيا لدى الأمم المتحدة خرائط تحدد الحدود الخارجية لمنطقتها الاقتصادية الخالصة، وهو إجراء نُشر على الموقع الرسمي للمنظّمة الأممية في 1 يوليو 2025. وذكرت ليبيا أنها استندت في ذلك إلى القانون الدولي وحقها السيادي في إدارة مياهها الساحلية والقارية.

وجاء توقيع المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مذكرة تفاهم مع الشركة التركية للبترول TPAO، في 25 يونيو، ليشعل الأزمة مرة أخرى، مع إشارته إلى تولّي الشركة التركية إجراء دراسة جيولوجية وجيوفيزيائية في أربع مناطق بحرية.

وردّت اليونان عبر مذكرة صدرت، في سبتمبر الماضي، اعتبرت فيها أن الموقف الليبي يستند إلى مذكرة التفاهم الموقعة مع تركيا عام 2019، وهو اتفاق غير قانوني. كذلك، أرسلت مصر، في سبتمبر، مذكرة إلى الأمم المتحدة، رفضت فيها “كلّ الاتفاقات والتصريحات الليبية”.

ومع اشتداد الأزمة، قال رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، في أكتوبر الماضي، إن اليونان تسعى للتفاهم مع جميع جيرانها وفقاً لسيادة القانون، ولاسيما قانون البحار. أضاف ميتسوتاكيس إن بلاده تعتزم قريباً دعوة جميع الدول الساحلية إلى اجتماع لمناقشة المخاوف المشتركة.

معارك قانونية

يرى عبد الفتاح أن هناك تخوفاً مصريّا من النفوذ التركي في ليبيا، وأن هذه السيطرة قد تضر بالحدود البحرية المصرية – الليبية. وتصر القاهرة على أن يكون اتفاق 1982 مرجعيتها، كما يقول عبد الفتاح، مشيراً إلى أن “تركيا ترفض قانون البحار لأنه يمنح الجزر حقوق دولة، وبسبب كثرة الجزر اليونانية سترى أنقرة أن اليونان ستحصل على حقوق مائية لا تعتبرها تركيا عادلة”.

ويتفق خالد الترجمان، رئيس مجموعة العمل الوطني الليبي في حديثه مع “الحرة”، مع هذا الطرح، ويلفت إلى أن حكومة عبد الحميد الدبيبة تعمل على إحياء الاتفاقية مع تركيا بخصوص ترسيم الحدود بين الدولتين، وهو أمر يتجاوز حقوق جميع الدول المطلّة على المتوسط، وفي مقدمتها مصر واليونان.

أما بلقاسم بيشير إلى أن مصر تُحقق استفادة مباشرة من الاتفاق البحري الليبي – التركي، وأن الترسيم بحد ذاته عملية معقدة تُثير مخاوف من اندلاع صراع حول الطاقة. ورغم تهديد اليونان بالاستناد إلى دعم أوروبي، فإن هذا الدعم، كما يقول بلقاسم، لا يتجاوز حدود التصريحات، كما أن أثينا لا ترغب في منح أي طرف، سواء مصر أو تركيا أو ليبيا، كامل حقوقه البحرية.

ويوضح بلقاسم أن اليونان، لا تريد الذهاب إلى محكمة العدل الدولية، بل تلجأ إلى أدوات ضغط سياسية وتحاول حشد تأييد إقليمي لرؤيتها.

وفي المقابل، يشهد الشرق الليبي تقارباً متنامياً مع تركيا بدعم مصري، تُوّج بزيارة صدام، نجل خليفة حفتر، إلى أنقرة وما رافقها من وعود بمساعدات عسكرية في حال إقرار الاتفاق.

ويخلص بلقاسم إلى أن موافقة البرلمان الليبي على هذا الاتفاق ستضع اليونان أمام واقع جديد، وأن الحل المستدام يكمن في اتفاق رباعي بين الدول المعنية.

وفي ظل هذا الواقع المعقّد والمواقف المتناقضة للدول المعنية، خرج ملف الحدود البحرية في شرق المتوسط من دائرة الخلاف التقني والقانوني ليصبح محوراً لصراع جيوسياسي تتقاطع فيه حسابات الدول ومصالح الطاقة وتوازنات النفوذ الإقليمي. وبين الاعتبارات الاستراتيجية والمصالح الاقتصادية والمخاوف السيادية، يظل الحل رهن توافق يضمن استقرار المتوسط وحقوق دول الحوض في استغلال ثرواته.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading