بعد أكثر من أربعة عقود على تأسيسه، يواجه مجلس التعاون الخليجي مجددا تساؤلات بشأن قدرته على الحفاظ على تماسكه ككتلة إقليمية، في وقت عادت فيه الخلافات البينية إلى الواجهة، وتوسّعت فيه التباينات السياسية بين دوله، مع ازدياد اعتماد العواصم الخليجية على تحركات ثنائية بدل العمل الجماعي.
وُلد المجلس عام 1981 في لحظة إقليمية استثنائية، بوصفه استجابة مباشرة للتحولات التي أحدثتها الثورة الإسلامية في إيران وما رافقها من تهديدات أمنية وأيديولوجية أعادت رسم توازنات الخليج. ومنذ ذلك الحين، بنى المجلس مقاربته على إدارة التناقضات واحتواء الخلافات بدل تفكيكها، مفضّلاً منطق التهدئة المرحلية على الحسم، ما مكّنه لعقود من الحفاظ على قدر من التماسك الظاهري والاستقرار النسبي.
لكن التحولات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، إلى جانب تكرار الأزمات داخل البيت الخليجي، أظهرت حدود قدرة هذا النموذج على احتواء الخلافات.
خلافات ضاربة في البنية
يقول محللون إن الخلافات الخليجية – الخليجية ليست وليدة اللحظة، ولا نتاج أزمات عابرة، بل تعود إلى تراكمات تاريخية سبقت قيام المجلس واستمرت بعد تأسيسه.
وشكّلت القضايا الحدودية منذ وقت مبكر إحدى ركائز التنافس والتوتر، وأسهمت، ولا تزال، في إعاقة قيام تماسك فعلي ومستدام داخل المنظومة الخليجية، إلى جانب عوامل أخرى تتصل بتوازنات النفوذ، وتشابك الاعتبارات العائلية داخل النخب الحاكمة، والتداخلات القبلية العابرة للحدود، فضلا عن اختلاف أولويات السياسة الخارجية.
ومع صعود النفط بوصفه محدِدا مركزيا للثروة والقوة، انتقلت النزاعات من إطارها السياسي التقليدي إلى صراعات ذات طابع اقتصادي واستراتيجي، وصلت في بعض مراحلها إلى احتكاكات عسكرية، خصوصا في المناطق الغنية بالموارد وغير المحسومة قانونيا.
وبرز أول تصدع سياسي خليجي واضح مطلع السبعينيات مع رفض قطر الانضمام إلى دولة الإمارات العربية المتحدة عند قيامها عام 1971، قبل أن تتعمق التباينات لاحقا بعد التحول السياسي في الدوحة عام 1995، لتدخل العلاقات الخليجية مسارا متقلبا بين انفراجات مؤقتة وتوترات متجددة.
وبلغت هذه الديناميات ذروتها عام 2014، حين سحبت السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من قطر، في خطوة عكست انتقال الخلاف من مستواه الضمني إلى مواجهة دبلوماسية معلنة. ورغم أن الوساطة الكويتية أفضت إلى اتفاق الرياض فإن الأزمة أظهرت محدودية قدرة الحلول المؤقتة على منع تجدد الخلافات.
ولم تقتصر الاختلالات على الأزمة القطرية، إذ شهدت علاقات خليجية أخرى مسارات متقلبة، من بينها العلاقات الإماراتية – العمانية، التي تراوحت توتراتها بين إشكالات الترسيم الحدودي وأزمات الثقة الأمنية وخلافات رمزية ذات دلالات سياسية. كما أعاد التوتر المستجد بين الإمارات والسعودية في اليمن ليؤكد أن الخلافات لا تزال قائمة داخل البيت الخليجي، وقابلة للعودة إلى الواجهة في ظل غياب آليات مؤسسية فاعلة لإدارتها.
من أزمة قطر إلى تنافس الحلفاء
يقول الدكتور عبدالله باعبود، الأكاديمي المتخصص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج والشرق الأوسط، إن فاعلية مجلس التعاون خضعت خلال العقد الأخير لاختبارين حاسمين.
“الاختبار الأول تمثل في الانقسام السياسي الحاد الذي فرضته أزمة مقاطعة قطر بين عامي 2017 و2021، بينما تمثل الثاني في تصاعد التنافس داخل ما يفترض أنه محور واحد، ولا سيما بين السعودية والإمارات على ملفات إقليمية واقتصادية واستراتيجية، من اليمن إلى الطاقة والاقتصاد.”
ويرى باعبود أن هذه التطورات أسهمت في نقل المجلس من إطار تكاملي ملزم إلى كيان يعمل بمنطق انتقائي وبراغماتي.
“أزمة قطر عطلت جوهر العمل الخليجي المشترك، وفي مقدمته الثقة السياسية والتنسيق الأمني والإعلامي وحرية الحركة داخل المنظومة. ورغم انتهاء الأزمة رسميا بإعلان العلا في يناير 2021، فإن جذور الخلاف لم تُعالج بنيويا، بل جرى تجميدها سياسيا”.
ويضيف أن الخلافات السعودية الإماراتية أضعفت القدرة على بلورة موقف خليجي موحد تجاه ملفات إقليمية حساسة، وأبرزت في الوقت ذاته ملامح منافسة اقتصادية وتنظيمية، وحتى تباينات في ترتيبات الطاقة، كما ظهر في أزمة حصص الإنتاج داخل “أوبك+” عام 2021.
“فاعلية المجلس لم تنهَر، لكنها أُعيدت صياغتها على نحو مختلف، حيث تراجع التكامل المؤسسي لصالح تنسيق ظرفي، وبقيت القمم والأمانة العامة أقل وزناً من إرادات العواصم الوطنية”.
وعلى المستويين الإقليمي والدولي، يقول باعبود إن هذه الانقسامات أضعفت صورة المجلس بوصفه كتلة تفاوضية موحدة، وسهلت على القوى الخارجية اعتماد المقاربات الثنائية، لا سيما في ملفات الطاقة والأمن البحري والأزمات الإقليمية.
قراءة أقل تشاؤما
في المقابل، يتبنى الإعلامي القطري عبدالله الوذين المري قراءة أقل تشاؤما لمسار التوترات الأخيرة، معتبرا أن ما تشهده المنطقة اليوم لا يخرج عن كونه امتدادا لأزمات سابقة تم احتواؤها.
“المؤشرات الأخيرة، ولا سيما البيانات الصادرة عن وزارة الخارجية الإماراتية، تعكس توجها نحو التهدئة وضبط الإيقاع السياسي”.
ويضيف أن مجلس التعاون لا يزال قادرا على استعادة دورته التكاملية.
“طرح السؤال حول مستقبل المجلس يوحي أحيانا بأن الوضع أخطر مما هو عليه فعليا، في حين أن تاريخ المجلس يثبت قدرته على تجاوز أزمات أكثر تعقيدا، بعضها لم يكن ظاهرا للرأي العام”.
ويرى المري أن الخلافات الخليجية، رغم انعكاساتها على حياة المواطنين اليومية، لم تُحدث اهتزازا حقيقيا في كيان المجلس، الذي بقي محافظا على تماسكه المؤسسي.
غياب آلية لتسوية النزاعات
يقول خبراء إن أحد أبرز نقاط الضعف في عمل المجلس يتمثل في غياب آلية فاعلة لتسوية المنازعات. فالنظام الأساسي للمجلس ينص منذ تأسيسه على إمكانية إنشاء هيئة مختصة لتسوية الخلافات، غير أن هذه الآلية بقيت خارج حيّز التفعيل.
ويقول باعبود إن الأدبيات القانونية والسياسية المرتبطة بالمجلس تظهر أن هذه الآليات ظلت معطلة لصالح تسويات سياسية مباشرة ووساطات ظرفية.
“حتى الأزمات الكبرى، وفي مقدمتها أزمة قطر، جرى احتواؤها عبر مسارات سياسية خارج الإطار المؤسسي للمجلس، من خلال وساطات إقليمية ودولية، دون اللجوء إلى أي مسار تحكيمي خليجي منظم”.
ويعزو ذلك إلى خلل بنيوي أعمق يتمثل في غياب قوة الإلزام داخل منظومة المجلس.
“في النزاعات ذات الطابع السياسي أو الأمني عالي الحساسية، تميل الدول إلى تجنب تفعيل أطر مؤسسية قد تقيّد هامش المناورة، مفضّلة إبقاء إدارة الخلاف ضمن نطاق التفاهمات الثنائية”.
مستقبل المجلس بين الاستمرار والإصلاح
من جهته، يقدم عضو مجلس الأمة الكويتي السابق صالح عاشور قراءة نقدية لمستقبل المجلس، تجمع بين الإقرار بما تحقق والتنبيه إلى ما تعثر.
“بعد ما يقارب 44 عاما على إنشائه، نجح المجلس في ترسيخ قدر من الأمن والاستقرار والحفاظ على هوية خليجية جامعة، لكنه أخفق في بلوغ أهدافه الجوهرية، وفي مقدمتها تحقيق التكامل الاقتصادي الحقيقي”.
ويشير عاشور إلى أن تعثر مشروع العملة الخليجية الموحدة، واستمرار إشكاليات الحدود، وغياب المعالجة الجدية لاختلالات التركيبة السكانية، تمثل مؤشرات واضحة على فجوة بين الطموح المؤسس والواقع العملي.
ويضيف أن التحولات الاجتماعية لا تقل أهمية عن التحولات السياسية، مع بروز جيل شاب يحمل وعيا خليجيا مشتركا يستدعي استجابة سياسية جديدة.
“يبرز هنا الدور المحوري للسعودية بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي، إلى جانب سلطنة عمان لما تمتلكه من خبرة ودور تقليدي في إدارة الخلافات، لدفع مسار التكامل الخليجي إلى الأمام”.
ويخلص عاشور إلى أن استمرار الوضع الراهن دون إصلاحات مؤسسية حقيقية ستكون له انعكاسات سلبية على مستقبل المجلس.
“العودة إلى جوهر فكرة التأسيس القائمة على التكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي تبقى شرطاً أساسياً لتمكين مجلس التعاون من مواجهة التحديات المقبلة بوحدة موقف وثقة أكبر”.
سكينة المشيخص
كاتبة و باحثة و مقدمة برامج سعودية


