تحولت سماء الخليج إلى ما يشبه ساحة الحرب. صواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية تخرقها فوق هذه الدولة أو تلك، وأنظمة دفاع جوي تحاول التصدي لها.
وعلى الأرض، تُطلق صافرات الإنذار على عجل، فيما يتسبب سقوط بعض هذه الصواريخ أو الطائرات المسيّرة بأضرار بشرية ومادية.
وإذا كانت هذه التطورات قد شكلت جانباً من المشهد في معظم الدول والمدن الخليجية: الكويت والدوحة ودبي وأبوظبي والمنامة منذ شن الضربة الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، فإن ثمة تطوراً كبيراً سُجل في الساعات الماضية، يتمثل عندما تعرّضت، الاثنين، منشأة تابعة لشركة أرامكوا السعودية في رأس تنورة لضربة بطائرة مسيّرة.
وإزار هذه التطورات، عقد المجلس الوزاري المجلس الوزاري الخليجي اجتماعا استثنائيا عبر تقنية الاتصال المرئي، أكد في ختامه أن الهجمات الايرانية تمثل اعتداء غير مبرر وانتهاكا صريحا لسيادة دول مجلس التعاون، مشددا، في بيان ختامي، على ان المجلس سيتخذ جميع الاجراءات اللازمة لحماية أمنه واستقراره وصون أراضيه ومواطنيه والمقيمين فيه، بما في ذلك خيار الرد”.
كما شدد البان على أن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ، وان اي اعتداء على دولة عضو يعد اعتداء على بقية الدول، استنادا الى اتفاقية الدفاع المشترك والنظام الاساسي للمجلس، مع التأكيد على حق الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، سارعت دول خليجية إلى استدعاء السفراء الإيرانيين لديها وتسليمهم مذكرات احتجاج رسمية.
وأدانت السعودية الهجمات التي طالت أراضيها ولوحت بامكانية الرد، مؤكدة اتخاذ جميع الاجراءات اللازمة لحماية أمنها. كذلك، اتخذت الكويت والإمارات وقطر إجرارات لحماية أمنها، مع التأكيد على احتجاجهما الشديد تجاه ما اعتبرتاه خرقا لسيادتهما.
خيارات دول الخليج
تضع كل هذه المستجدات دول المنطقة أمام معادلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع اعتبارات الردع السياسي والاقتصادي، وصولاً إلى خيار الرد المحتمل.
و يرى الأكاديمي والباحث السياسي عبدالله باعبود ان “اقوى أوراق دول الخليج لا تكمن في رد منفرد، بل في بناء حزمة ضغوط متدرجة ومشروطة تدار بصورة جماعية، بحيث تضيق على طهران مساحات المناورة السياسية والعسكرية”.
“بيانات مجلس التعاون الأخيرة التي أشارت فيها إلى أن حق الرد مكفول وفق المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة، تشكل اساسا قانونيا وسياسيا يمكن البناء عليه لترسيخ ردع جماعي وتوسيع دائرة التحالفات.” يضيف باعود.
وعلى المستوى الاقتصادي، تملك دول الخليج عدداً مهماً من أوراق الضغط، كما يؤكد مراقبون، منها تشديد الرقابة على التحويلات والشبكات المالية الإيرانية، ومكافحة مسارات الالتفاف على العقوبات، والتنسيق مع شركاء دوليين لرفع كلفة استمرار الهجمات.
ويعتبر الكاتب أحمد خليفة أن “الخليج يمتلك ثقلا مؤثرا في اسواق الطاقة العالمية، ونفوذا داخل تحالف اوبك+، وقدرة على تحريك الاسواق اذا لزم الامر”، معتبرا أن اي تصعيد واسع يهدد الملاحة او النفط سيدفع قوى كبرى الى التدخل المباشر، وهو ما يشكل ورقة ضغط غير مباشرة على ايران”.
وردا على سؤال بشأن قدرة دول الخليج على فرض معادلة ردع جديدة تغير سلوك ايران بدلا من الاكتفاء باحتواء التصعيد، قال خليفة إن تحقيق الردع ممكن ولكن عبر رفع كلفة اي هجوم ايراني بشكل واضح، وتعزيز التحالفات الدفاعية الاقليمية، وتكثيف العقوبات الدولية، وتطوير دفاعات مضادة للمسيرات والصواريخ، مشددا على أن الردع لا يعني الحرب بل يعني جعل الهجوم غير مجد.
وبدوره، يرى باعبود ” أن القطيعة الشاملة مطروحة كخيار تصعيد سياسي، لكنها غالبا تستخدم كسقف تفاوضي وليس كخيار دائم للجميع.
احتمال المواجهة المباشرة
يطرح الهجوم بطائرات مسيرة على منشأة أرامكو في السعودية وما سبقه من هجمات صاروخية، إضافة إلى ردود فعل الدول الخليجية عليها، سؤلا جوهريا حول ما إذا كانت المنطقة تقترب من مواجهة مباشرة بين دول الخليج وإيران، أم أن التصعيد سيبقى ضمن حدود محسوبة .
وفي هذا السياق، يرى باعود أن احتمال المواجهة قائم، لكنه ليس الخيار الأقرب، نظرا لارتفاع كلفة الحرب في ظل القرب الجغرافي وحساسية الاقتصادات الخليجية لأيّ صدمات كبرى.
ويرجّح باعود “سيناريو تعزيز الردع الدفاعي” بدلاً من المواجهة الشاملة، مع حصول ردود محدودة أو غير معلنة وتصعيد سياسي وقانوني محسوب، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن دول الخليج ستتجه إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك عبر تحالفات وترتيبات أمنية دولية وضغوط دبلوماسية ومالية في حال استمرار الأعمال العدائية”.
وبطبيعة الحال، تشكل التكاليف الاقتصادية والمالية معياراً أساسيا في أي مواجهة عسكرية، ولا تشكل دول الخليج استثناء في ذلك، لكن تجاوز الخط الأحمر الذي أشارت إليه، وهو الحفاظ على أمنها وسلامة مواطنيها، قد يدفعها باتجاه اتخاذ إجراءات تتجاوز كل ما اتخذته حتى الآن.
يخلص الخليفة إلى القول إن “استمرار الأعمال العدائية الإيرانية قد يقود إما إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك عبر توسيع التحالفات وبناء نظام دفاع إقليمي مشترك، أو تصعيد سياسي واقتصادي محسوب دون حرب مفتوحة”، موضحاً أن “المواجهة المباشرة تظل الأقل احتمالا، لكنها ممكنة إذا تم تجاوز خطوط حمراء كبرى”.
سكينة المشيخص
كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


