الاحتجاجات الإيرانية مختلفة جذريًا. المتظاهرون يشرحون لماذا
هل يعيرها الغرب انتباهه؟

مهتاب غولي زاده's avatar

قبل نحو أسبوعين، في 28 ديسمبر، أطلق الإيرانيون موجة جديدة من الاحتجاجات المناهضة للنظام، لم تهدأ حتى الآن. وعلى خلاف أجيال سابقة من المحتجين، فإن من يخرجون إلى الشوارع اليوم لا يطالبون بالإصلاح أو بالتغيير التدريجي. ورغم صعوبة قياس الرأي العام من خارج البلاد، إلا أن من الواضح أن عددًا كبيرًا من المتظاهرين يدعو إلى تغيير جذري في النظام القائم. ويبدو أن مطلبهم واحد: إنهاء الجمهورية الإسلامية.

عبر تطبيق «تلغرام»، تمكنت من التواصل مع إيرج، وهو رجل يبلغ من العمر 38 عامًا، أرسل لي عدة تسجيلات صوتية ومقاطع فيديو تُظهر قوات الأمن وهي تطلق قنابل صوتية على المتظاهرين، وتستخدم الغاز المسيل للدموع بكثافة، وتهاجم المحتجين ببنادق تطلق رصاصات معدنية صغيرة. ومع ذلك، يرفض الناس مغادرة الشوارع. وبعد أن كافح لالتقاط أنفاسه نتيجة التعرض للغاز، قال لي إيرج: «كنت في الشوارع خلال احتجاجات 2009 و2017 و2019 و2022، وأنا متأكد أن هذه المرة مختلفة. هذه المرة لم يعد لدى الناس ما يخسرونه، وهم يريدون أن تنتهي هذه الإهانة».

بدأت موجة الاضطرابات الحالية باحتجاج نفذه أصحاب محال في بازار طهران الكبير، عبّروا فيه علنًا عن غضبهم من الحالة المتردية للاقتصاد. وفي 28 سبتمبر، أعادت الأمم المتحدة رسميًا فرض عقوبات على إيران، بعد أن اتهمت دول أوروبية كبرى قادة الجمهورية الإسلامية بمواصلة برنامج نووي سري. وأدى استئناف العقوبات، إلى جانب سوء الإدارة الاقتصادية المتراكم على مدى سنوات، إلى انهيار قيمة العملة الوطنية، الريال، إلى مستويات متدنية يصل إليها من قبل. ونتيجة لذلك، أصبحت الأدوية والمواد الغذائية الأساسية خارج متناول كثير من الإيرانيين، فيما باتت انقطاعات الكهرباء وتوقف المصانع ظواهر شائعة.

في الثورة الإيرانية عام 1979، لعب تجار البازار دورًا حاسمًا في معارضة نظام الشاه، وعلى مدى العقود التالية دعموا إلى حد كبير الجمهورية الإسلامية. لكن علي رضا، الذي يملك أربعة محال في ممر «دلغشا» داخل البازار، قال لي إنّه وزملاءه يقطعون اليوم مع النظام. وأضاف: «لسنا مثل آبائنا أو الأجيال السابقة التي سعت إلى دعم الجمهورية الإسلامية أو التوصل إلى تسويات معها. رسالتنا واضحة: نريد العودة إلى فترات من الاستقرار الاقتصادي، والجمهورية الإسلامية عاجزة عن تحقيق ذلك».

ومنذ ذلك الحين، امتدت الاحتجاجات إلى أكثر من 100 مدينة في أنحاء البلاد، وطالت معظم محافظاتها الإحدى والثلاثين. وقال برديا، وهو متظاهر آخر تواصل معي عبر «تلغرام»: «إن تصنيف هذه الاحتجاجات على أنها فقط “سياسية” أو “اقتصادية” أمر مضلل إلى حد ما. ما هو واضح أن الغالبية تعتقد أن البنية السياسية للجمهورية الإسلامية أنتجت فسادًا اقتصاديًا». وأضاف أن الإيرانيين يرون في التغيير السياسي الجذري وسيلة «للتحرر من الديكتاتورية الدينية».

وثمة جانب لافت آخر يميّز الانتفاضة الحالية عن سابقاتها. فكثير من المتظاهرين يعلنون اصطفافهم العلني مع ولي العهد السابق المنفي، رضا بهلوي، نجل محمد رضا بهلوي الذي أطيح به في ثورة 1979. وقد أصدر الأمير بهلوي، البالغ من العمر 65 عامًا والمقيم اليوم في منطقة واشنطن العاصمة، بيانًا عامًا رسميًا موجّهًا إلى الشعب الإيراني — هو الأول له منذ قرابة خمسين عامًا — بعد أيام فقط من بدء الاحتجاجات، دعا فيه المتظاهرين إلى مواصلة النضال ضد النظام. ويبدو أن كثيرين لبّوا دعوته. ويشرح برديا السبب قائلًا: «الناس ما زالوا يتذكرون عهد بهلوي: علاقة محترمة وصحية مع الغرب، ازدهار اقتصادي، واحترام عالمي». ويضيف أن الإيرانيين يتوقون إلى العودة إلى تلك المرحلة.

في 8 يناير، بدا أن كثيرين استجابوا لدعوة الأمير لترديد شعارات الاحتجاج عند الساعة الثامنة مساءً. ورغم أن رسالته شددت على أن المشاركة ممكنة «حتى من النوافذ أو من أي مكان يمكنهم من ذلك»، فإن وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية أظهرت مؤشرات على أن عددًا كبيرًا قرر النزول إلى الشوارع. وامتلأت منصات المراسلة برسائل وداع. وكان كثير ممن خرجوا يدركون تمامًا أنهم قد يُطلق عليهم النار من قبل قوات الجمهورية الإسلامية، أو يتعرضون لإصابات دائمة، أو يواجهون اعتقالًا عنيفًا. وقد تلقيت رسائل وداع ووصايا كتب أصحابها أنهم «مستعدون للموت من أجل الحرية ومن أجل إيران».

وقد أثارت خطوة إدارة ترامب للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حماسةً لدى كثير من المحتجين الإيرانيين. وجاءت عملية القبض على مادورو بعد ساعات فقط من نشر ترامب رسالة على حسابه في منصة «تروث سوشال» أعرب فيها عن دعمه للشعب الإيراني، محذرًا الحكومة من شن حملة قمع ضد المتظاهرين.

ورغم أن احتمال تنفيذ عملية أميركية مشابهة في طهران ضئيل، فإن ذلك لم يمنع كثيرين من النظر إلى ترامب بوصفه حليفًا محتملًا، وهو اعتقاد تعزز بتصريحات أخرى أدلى بها الرئيس الأميركي حول إيران. ففي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» يوم الخميس، قال ترامب: «أبلغتهم أنه إذا بدأوا بقتل الناس، كما يفعلون عادة خلال اضطراباتهم… فسوف نضربهم بقوة شديدة». وفي الوقت نفسه، رفض ترامب بشكل لافت لقاء بهلوي، قائلًا إنه غير متأكد من أن ذلك سيكون «مناسبًا».

تحمينه، وهي طالبة جامعية شابة في سنتها الدراسية الأخيرة في طهران، أرسلت لي رسالة صوتية مطولة عبر «واتساب» شرحت فيها آمالها المعلّقة على ترامب. وقالت: «كثير من الإيرانيين يعتقدون أن ترامب يمكن أن يساعد في تحرير البلاد من الديكتاتورية الإسلامية. لقد جربنا الاحتجاجات السلمية مرات عديدة من قبل، ولم نعد نؤمن بأننا قادرون على هزيمة الجمهورية الإسلامية بمفردنا ومن دون وسائل. هم يملكون السلاح والنفط، ونحن لا نملك سوى الشعارات».

وأثناء كتابتي هذا التقرير، كان الوصول إلى الإنترنت في إيران قد قُطع بالكامل، فيما تواجه شبكات الهاتف المحمول انقطاعات كثيرة. ولم أتمكن من إقامة أي اتصال هاتفي مع إيران، سواء عبر الهواتف المحمولة أو الثابتة — في تناقض صارخ مع الأيام الأولى للاحتجاجات، حين تمكن الناشطون من بث عدد كبير من الصور التي أظهرت حشودًا كبيرة من المتظاهرين في مواقع متعددة.

إنه نمط مألوف ومقلق. ففي السابق، كانت عمليات قطع الإنترنت المماثلة تمهيدًا لحملات قمع واسعة للاحتجاجات، غالبًا ما انتهت بسقوط أعداد كبيرة من القتلى. (حتى لحظة كتابة هذه السطور، قُتل ما لا يقل عن 34 متظاهرًا). ومع ذلك، يحدو المحتجون أنفسهم الأمل في أن تفضي المواجهة الحالية إلى نهاية أكثر إيجابية. لعلهم يكونون على حق.

مهتاب غولي زاده

مهتاب غولي زاده صحفية إيرانية في المنفى، تعمل مع «إيران إنترناشيونال» ووسائل إعلام غربية مختلفة، واعتُقلت في إيران عام 2021.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading