لم يكن أمام المصدر سوى لحظات قليلة لتدوين روايته قبل أن يفقد الاتصال بالإنترنت. كان قد تواصل معي من شمال شرقي إيران، وروى لي كيف كان مسؤولون في مدينة مشهد، ثاني أكبر مدن البلاد، يتخلصون من الجثث — ضحايا حملة القمع التي شنتها الحكومة الإيرانية ضد المحتجين. وقال: “كانوا يضعون الجثث، وفي بعض الحالات أشخاصًا لا يزالون على قيد الحياة، في مقبرة جماعية قرب مستودع خارج مشهد… وكانت بعض هواتفهم المحمولة لا تزال ترن — على الأرجح من أقارب لم يكونوا على علم بما حدث وكانوا قلقين”.
لم يتمكن المصدر من إرسال صور أو تأكيد عدد الجثث، كما لم أتمكن من التحقق بشكل مستقل من التفاصيل. إلا أن ما نُقل إليّ يتوافق إلى حد كبير مع معلومات ظهرت من مناطق أخرى في إيران خلال الأيام القليلة الماضية. فقد بدأت التقارير عن عمليات القتل تتكاثر تدريجيًا، متسربة ببطء من البلاد رغم الإغلاق شبه الكامل للإنترنت وخطوط الهاتف.
ما بات واضحًا هو أن سلطات الجمهورية الإسلامية، مستفيدة من التعتيم الإعلامي الشامل، تحاول التخلص من العدد الكبير من ضحايا هجومها العنيف على المحتجين. ولا يزال من الصعب تحديد عدد القتلى بدقة. وتقول قناة “إيران إنترناشيونال” التلفزيونية الخاصة، ومقرها لندن، إن عدد القتلى بلغ 12 ألف شخص، واصفة ذلك بأنه “أكبر عملية قتل في تاريخ البلاد المعاصر”. وتذهب مصادر أخرى إلى تقديرات أعلى من ذلك.
لكن حتى لو جاء الرقم النهائي أقل من تلك التقديرات، فإن المؤشرات المتزايدة توحي بأن الآلاف قد لقوا حتفهم. فقد نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول حكومي إيراني قوله إن حصيلة القتلى بلغت ألفي شخص، بينما تقول “وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان” ومقرها الولايات المتحدة إن ما لا يقل عن 2,571 شخصًا فقدوا حياتهم. ويُعد هذا قتلًا منظمًا على يد الدولة على نطاق يوازي ما شهدته إيران خلال ثورة عام 1979 التي أطاحت بالشاه ومهّدت الطريق لوصول آية الله الخميني إلى السلطة.
لا أجد سببًا كبيرًا للتشكيك في الرواية التي وصلتني من مشهد. ففي الأيام القليلة الماضية، تمكن نشطاء من إرسال مقاطع فيديو مروعة من مركز كهريزك للطب الشرعي على أطراف طهران. وتُظهر اللقطات عشرات الجثث داخل أكياس سوداء موضوعة بشكل عشوائي على أرضية قاعة كبيرة، بينما تتنقل عائلات باكية تصرخ وتنوح من جثة إلى أخرى بحثًا عن أقاربها. ويُظهر مقطع آخر من المنشأة نفسها أكياس الجثث مكدسة على الأرصفة خارج المشرحة.
ويقول كثير من مصادري داخل البلاد إن السلطات تبدو وكأنها تحاول التخلص من الجثث بأسرع وقت ممكن. وإذا لم تُطالب العائلة بالجثمان خلال 24 ساعة، كما أُبلغت، تقوم السلطات بمصادرته ودفنه باعتباره “مجهول الهوية”. وأحد الأسباب هو عدم قدرة المشارح على استيعاب كل الجثث واستكمال الإجراءات القانونية والإدارية. وقد تبدأ الجثث في التحلل أو إصدار روائح كريهة أو التحول إلى مصدر للأمراض. لكن المسؤولين، في الوقت نفسه، يخشون بوضوح أن يتم العثور على القتلى وتوثيقهم من قبل مصادر مستقلة — ما قد يضاف إلى لائحة اتهام متنامية ضد النظام.
وأفادت عائلات كثيرة بأن السلطات طالبتها بدفع مبالغ مالية مقابل تسليم الجثث. وذُكرت مبالغ تتراوح بين 100 مليون تومان (نحو 670 دولارًا) ومليار تومان (نحو 6,700 دولارات). وقال مصدر داخل إيران لشبكة “سي بي إس” التلفزيونية الأميركية إن امرأة من مدينة كرمانشاه سافرت إلى إيران لاستعادة جثمان ابنة شقيقتها البالغة 17 عامًا، قبل أن تقوم في النهاية “بسرقته” وتهريبه من إحدى المشارح.
وتغص منصات التواصل الاجتماعي الناطقة بالفارسية الآن بروايات ينشرها مستخدمون عن أقارب وأصدقاء قُتلوا بالرصاص. وتحكي هذه الرسائل قصصًا مروعة من العنف، لكنها لافتة أيضًا بتعبيرها الصريح عن الكراهية والمرارة تجاه الحكومة. ورغم عمليات القتل الجماعي، لا يزال كثير من الإيرانيين متمسكين على نحو غريزي بتحدي النظام.
ونتيجة لهذه المجازر، يبدو أن الاحتجاجات التي شارك فيها نحو مليون شخص في أنحاء إيران قد خفت حدتها. ويقول سكان في طهران إن المدينة خيّم عليها صمت ثقيل. وقال شاهد في العاصمة: “قد لا تصدق ذلك، لكن الناس خائفون إلى درجة كبيرة، والوجود الأمني خانق إلى حد أنهم بالكاد يستطيعون التحدث إلى بعضهم في الشارع”.
في هذه الأثناء، يقول كثير من الشباب إن أصحاب عملهم أبلغوهم بأن “الإنترنت لن يعود في الوقت الراهن”. ويبدو أن الجمهورية الإسلامية قررت الإبقاء على قطع الإنترنت، وربما إلى أجل غير مسمى، مع الاكتفاء بشبكة داخلية محلية معزولة عن العالم الخارجي. وسيكون لذلك عواقب خطيرة على الاقتصاد الإيراني. ومع ذلك، يبدو أن السلطات مستعدة لتحمل خسائر تُقدّر بملايين الدولارات مقابل ضمان بقائها.
وفي الوقت الحالي، لم يبق أمام الإيرانيين في المنفى سوى إرسال رسائل يائسة إلى أحبائهم عبر تطبيقات المراسلة. غير أن عددًا كبيرًا جدًا من تلك الرسائل — أكثر مما ينبغي — لا يتلقى أي رد.
نُشر هذا المقال مترجمًا عن النسخة الانجليزية الأصلية.

مهتاب غولي زاده
مهتاب غولي زاده صحفية إيرانية في المنفى، تعمل مع «إيران إنترناشيونال» ووسائل إعلام غربية مختلفة، واعتُقلت في إيران عام 2021.


