يعيش الشرق الأوسط على وقع توتر جديد، مع تصاعد الحديث عن ضربة إسرائيلية محتملة ضد مواقع نووية في إيران.
قالت طهران إن دولة صديقة حذرتها، وبدأت تدريبات عسكرية.
بالتوازي، سحبت واشنطن موظفين دبلوماسيين وأسر جنود من الشرق الأوسط. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن المنطقة “قد تكون مكانا خطيرا“، مجددا رفضه امتلاك إيران للسلاح النووي.
وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدورها أن إيران تنتهك التزاماتها المتعلقة بمنع الانتشار النووي.
أعاد هذا التوتر والضربة الإسرائيلية المحتملة إلى الأذهان تفاصيل آخر مواجهة مباشرة بين البلدين، حيث تبادلت إيران وإسرائيل مرتين إطلاق النار المباشر بالصواريخ والطائرات المسيرة.
لكن العلاقة بين البلدين لم تكن دائمًا عدائية. قبل “الثورة الإسلامية“ عام 1979، تعاونت طهران وتل أبيب أمنيًا وعسكريًا، وكان بينهما علاقات استراتيجية. بعد ذلك، قلبت الثورة المعادلة، لتتحول العلاقة إلى صراع مفتوح بالوكالة والتهديدات المستمرة.
ما الذي تغيّر منذ الثورة؟ وكيف تطور العداء بين الطرفين؟
زمن الشاه.. حليف أمني وعسكري
في بدايات القرن العشرين، عاشت في إيران جالية يهودية كبيرة. وكانت الأكبر عدداً في الشرق الأوسط. في تلك الفترة، حظي اليهود الإيرانيون بمكانة خاصة في المجتمع الإيراني. ونُظر إليهم باعتبارهم أقلية تتمتع بكافة الحقوق الدينية والمدنية.
في سنة 1947، وبالتزامن مع انسحاب القوات البريطانية من فلسطين، كانت إيران واحدة من 13 دولة صوتت ضد خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين. وأعلن نظام الشاه الحاكم في إيران رفضه تأسيس دولة يهودية. لكن، سرعان ما تغير ذلك الموقف بعد إعلان تأسيس إسرائيل سنة 1948. وكانت إيران ثاني دولة ذات غالبية مسلمة -بعد تركيا- تعترف بها.
بحسب ما يذكر الباحث شموئيل سيجف في كتابه “المثلث الإيراني – العلاقات الإسرائيلية الإيرانية الأميركية”، فإن العلاقات بين طهران وتل أبيب كانت طبيعية وممتازة طوال فترة حكم الشاه. جرى تبادل الزيارات بين زعماء الدولتين. واعتمدت إسرائيل نفطياً بشكل شبه كامل على إيران. وفي سنة 1968، تم افتتاح أنبوب النفط الإيراني الإسرائيلي، والذي اُستخدم في نقل النفط الخام من إيران إلى البحر المتوسط. وامتد الأنبوب من ميناء إيلات على البحر الأحمر إلى ميناء عسقلان على البحر المتوسط.
ألقت العلاقات الجيدة بين طهران وتل أبيب في تلك الفترة بظلالها على التنسيقات الأمنية والعسكرية بين البلدين.
,يذكر الباحث روافد جبار شرهان في دراسته “نشاط جهاز المخابرات الإيرانية 1957- 1979” أن جهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد” شارك استخبارات الولايات المتحدة الأميركية في تدريب عناصر جهاز السافاك الإيراني، والذي كان يُعد اليد الأمنية الباطشة لنظام الشاه ضد معارضيه.
من جهة أخرى، شهدت سنة 1977 تعاوناً مهماً بين إيران وإسرائيل في المجال العسكري، عندما اشتركت الدولتان في إنتاج وتطوير معدات عسكرية، في إطار مشروع عُرف وقتها باسم “مشروع الوردة”.
التحول العدائي عقب “الثورة“
في سنة 1979، انتصرت “الثورة الإسلامية” في إيران. وتمكن الثوار بقيادة رجل الدين الشيعي روح الله الخميني من الوصول للسلطة بعدما أطاحوا بالشاه محمد رضا بهلوي. وتسببت الثورة في قلب العلاقات الإيرانية الإسرائيلية رأساً على عقب.
كانت علاقة الشاه الوطيدة بالغرب وبإسرائيل سبباً في انتقاده من جانب خصومه المنتمين للتيار الإسلامي. وكان من الطبيعي أن يعلن النظام الإيراني الجديد قطع العلاقات الرسمية مع إسرائيل، كما تم إغلاق السفارة الإسرائيلية في طهران.
في الوقت نفسه، وجه الخميني انتقاداته اللاذعة لإسرائيل فوصفها في خطاباته بـ”الشيطان الأصغر”، وطالب بإزالتها من الوجود، كما أعلن رفضه بيع النفط الإيراني لتل أبيب.
من جهتها، رفضت إسرائيل الاعتراف بـ”الثورة“ في إيران. واعتبرتها وجهاً من أوجه الأصولية الإسلامية الراديكالية التي ينبغي محاربتها. وفي السياق نفسه، رفضت إسرائيل دفع ديونها المتأخرة من واردتها النفطية الإيرانية.
على الرغم من العداء السافر المتبادل بين الدولتين، شهدت سنة 1985 تعاوناً ملفتا فيما عُرف باسم صفقة “إيران غيت” أو “إيران كونترا“. بموجب تلك الصفقة عُقد اتفاق سري بين الإدارة الأميركية وطهران لتزويد الجيش الإيراني بأسلحة متطورة أثناء حرب الخليج الأولى ضد العراق في الفترة 1980-1988. لعبت تل أبيب دوراً رئيساً في تلك الصفقة بعدما سلمت طهران مئات الصواريخ من نوعي “تاو”، و”هوك”. وذلك مقابل الإفراج عن مجموعة من الرهائن الأميركيين المحتجزين في لبنان.
العنف لغة الحوار
في السنوات الأولى من القرن العشرين، تزايدت وتيرة العنف المتبادل بين الدولتين بالتزامن مع وصول الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للسلطة.
في سنة 2005، أنكر نجاد المذابح التي تعرض لها اليهود في الحرب العالمية الثانية. ووصف الهولوكوست بأنها “خرافة”. بعد سنة واحدة، نظمت الحكومة الإيرانية مؤتمراً دولياً في طهران لمنكري الهولوكوست، وهو الأمر الذي قوبل برفض واسع من قِبل الحكومة الإسرائيلية وحلفائها.
في 2006، اضطلع خبراء من الحرس الثوري الإيراني بتدريب قوات حزب الله اللبناني أثناء الهجوم على القوات الإسرائيلية في منطقة جنوب لبنان. وقيل وقتها إن بعض عناصر الحرس الثوري شاركت بشكل مباشر في تلك الهجمات.
في 2015، رفضت إسرائيل الاتفاق الذي توصلت له إيران مع الدول الكبرى بهدف مراقبة برنامجها النووي. وأعرب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن قلقه الشديد إزاء الاتفاق واصفاً إياه بأنه “يهدد وجود إسرائيل”.
بعد 3 سنوات فحسب، سارعت الحكومة الإسرائيلية لتأييد انسحاب الجانب الأميركي من الاتفاق. رد قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي على ذلك التأييد بدعوته مجددا لمحو إسرائيل من الخارطة.
في سنة 2020، تزايدت الأعمال العدائية بين البلدين. أشارت بعض التقارير الإخبارية الأميركية إلى الدور الذي اضطلعت به إسرائيل لمساعدة الولايات المتحدة في عملية اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني في يناير من تلك السنة.
في المقابل، أعلن الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني في شهر مايو عن قانون لمواجهة الأعمال العدائية الإسرائيلية. بموجب القانون فإن “كافة الأجهزة التنفيذية في البلاد ملزمة بالتصدي للأعمال العدائية الإسرائيلية ضد البلاد وفلسطين والدول الإسلامية في إطار السياسات العامة للنظام”.
وفي نوفمبر 2020، تصاعدت الأزمة بين الدولتين مرة أخرى بعدما اتهمت إيران إسرائيل بالضلوع في اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، المسؤول الأول عن برنامج التسلح النووي في إيران.
من جهة أخرى، تسببت الأحداث المتتالية في منطقة الشرق الأوسط في تأجيج نيران الصراع بين طهران وتل أبيب. في مايو 2021، حافظت إيران على سياستها المؤيدة لحركة حماس. وقدم النظام الإيراني مساعدات عسكرية مهمة للحركة في عمليتها العسكرية، بين 10 و20 مايو 2021، والتي أطلقت فيها رشقات صاروخية مكثفة على إسرائيل. حينها، وجه رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية الشكر لإيران بشكل رسمي ومعلن بعد انتهاء المواجهة مع القوات الإسرائيلية.
ردت إسرائيل على ذلك التأييد في مايو 2022، وظهرت تسريبات تشير إلى أنها هي من قامت باغتيال العقيد بالحرس الثوري حسن صياد خدايي في طهران. وفي 2023، هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق الأميركي الإيراني الذي قضى بالإفراج عن مليارات الدولارات المجمّدة لإيران، مقابل تبادل للسجناء بين البلدين.
في سياق آخر، كانت سوريا تعد ميدان المنافسة الأكثر بروزاً بين تل أبيب وطهران في السنوات الأخيرة. وذلك بعدما شاركت قوات الحرس الثوري الإيراني في الدفاع عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد، قبل أن ينهار نهاية 2024.
في نهاية العام 2023، اتهمت إيران إسرائيل بقتل القيادي العسكري البارز، سيد رضي موسوي، في ضربة صاروخية بالأراضي السورية. تكرر الهجوم مرة أخرى في الأول من أبريل الحالي، عندما قامت إسرائيل بتوجيه ضربة جوية إلى القنصلية الإيرانية بدمشق. وأسفرت عن مقتل سبعة مستشارين عسكريين، من بينهم محمد رضا زاهدي القيادي في فيلق القدس، وهو ما تسبب في اندلاع توتر حاد العام الماضي تبادل على إثره البلدان القصف.



