قضت محكمة جنح القاهرة الجديدة بالتجمع الخامس، الأربعاء، بحبس الشاعر والناشط المصري أحمد دومة لمدة سنة مع الشغل والنفاذ، بعد إدانته بنشر أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة داخل البلاد وخارجها، في قضية ارتبطت بمقال رأي ومنشورات تناولت أوضاع الاحتجاز داخل السجون.
وقال المحامي خالد علي، عضو فريق دفاع دومة، إنه سيتقدم باستئناف على الحكم.
يأتي هذا الحكم بعد نحو شهرين من إعادة حبس دومة، على ذمة التحقيق، علما أنه كان قد خرج من السجن بعفو رئاسي في أغسطس 2023، بعد أن قضى قرابة عشر سنوات خلف القضبان في قضية “أحداث مجلس الوزراء”.
مقال عن السجون
بدأت القضية الحالية في 6 أبريل الماضي، حين استُدعي دومة للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة التي قررت حبسه وإحالته إلى المحاكمة.
ووفقًا للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ارتبطت التحقيقات بمقال كتبه دومة بعنوان “من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن”، نُشر على موقع “العربي الجديد»”، في 25 مارس الماضي، إلى جانب منشورات على حساباته الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي.
يتناول المقال أوضاع السجون والحبس المطول في عدد من الدول، وتأثير استمرار الاحتجاز لفترات طويلة على المجتمع وعلاقة المواطنين بالدولة.
وكتب دومة أن تطبيع المجتمع مع استمرار وجود أشخاص داخل السجون لسنوات طويلة قد يحول السجن من استثناء قانوني إلى جزء من الحياة اليومية، معتبرا أن المجتمع قد يتحول تدريجيًا إلى ما وصفه بـ”باحة سجن كبيرة”.
وتضمنت التحقيقات مع دومة كذلك، بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، منشورا تحدث فيه عن تشغيل الإضاءة بصورة مستمرة داخل أماكن الاحتجاز، وطالب بوقف هذه الممارسة.
وقالت المبادرة إن دومة أكد خلال التحقيقات إن ما كتبه يستند إلى تجربة شخصية عاشها خلال فترة سجنه السابقة.
ولم تُنشر حتى الآن حيثيات الحكم كاملة، أو العبارات المحددة التي اعتبرتها المحكمة أخبارا أو بيانات كاذبة.
خلاف قانوني
خلال جلسات تجديد الحبس، دفع فريق الدفاع بأن الواقعة تتعلق بالنشر وإبداء الرأي، وأن “الأصل هو عدم توقيع عقوبات سالبة للحرية في جرائم النشر إلا في حالات محددة”.
وتنص المادة 71 من الدستور المصري على عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي تُرتكب بطريق النشر أو العلانية، باستثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد.
في المقابل، يتضمن قانون العقوبات المصري نصوصا تجرّم نشر أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة إذا كان من شأنها تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس أو الإضرار بالمصلحة العامة.
استدعاءات متكررة
خرج دومة من السجن في أغسطس 2023 بعد صدور عفو رئاسي عن باقي العقوبة المحكوم بها عليه في قضية “أحداث مجلس الوزراء”، التي وقعت في محيط مجلس الوزراء وسط القاهرة في ديسمبر 2011.
وكان قد صدر بحقه حكم بالسجن لمدة 15 عامًا في القضية، قبل خروجه بعد ما يقارب عقدًا كاملًا داخل السجن.
وبحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، خضع دومة لسلسلة من الاستدعاءات والتحقيقات خلال أقل من عامين، ارتبط عدد منها بمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو كتابات عامة، وبلغ مجموع الكفالات المالية التي دفعها في قضايا مختلفة 230 ألف جنيه مصري.
كما أشارت مؤسسة حرية الفكر والتعبير إلى أن دومة واجه قيودًا على السفر وصعوبات في استخراج بعض الأوراق الرسمية، إلى جانب استدعائه للتحقيق في يوليو 2025 على خلفية ديوان شعري.
وكان دومة قد أصدر خلال فترة سجنه ديوان «كيرلي»، الذي عُرض في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2021 قبل سحبه من المعرض، وفقًا لما ذكرته منظمات حقوقية.
الحكم في مرمى الانتقادات
أثار الحكم ردود فعل من منظمات معنية بحرية الرأي والتعبير.
وقالت منظمة PEN America، المعنية بالدفاع عن حرية الكتابة، إن الحكم الصادر بحق دومة لا يمكن النظر إليه باعتباره واقعة منفصلة.
ووصفت أسماء لعويرة، مسؤولة الأبحاث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمركز حرية الكتابة التابع للمنظمة، الحكم بأنه “مخزٍ”، قائلة إنه “ليس حادثة معزولة”، ومعتبرة أن قضية دومة تعكس “تضييقًا متصاعدًا على الكتّاب في مصر، حيث تُوظَّف القصائد والمقالات بشكل ممنهج أدلةً في قاعات المحاكم”.
وطالبت لعويرة بالإفراج عن دومة فورًا ومن دون شروط.
الكتابة في قلب القصة
لم تكن الكتابة لدى دومة منفصلة عن سنوات سجنه السابقة.
إلى جانب نشاطه السياسي، نشر عددًا من القصائد والنصوص التي تناولت تجربة الاحتجاز وآثارها النفسية والجسدية على المحتجزين. كما كتب عن قضايا سياسية وحقوقية داخل مصر وخارجها.
وفي مقال نشره الكاتب والمترجم عبد الرحمن الجندي بعد إعادة حبس دومة في أبريل الماضي، قال إنه عمل معه خلال السنوات الماضية على ترجمة قصائده إلى الإنجليزية.
ويروي الجندي أن دومة تقاسم في إحدى فترات احتجازه السجن مع الشاعر جلال البحيري، وأنهما استغلا لقاءات محدودة داخل عيادة السجن لتبادل القصائد.
وبحسب الجندي، احتاج دومة إلى ثلاثة لقاءات متفرقة ليستمع إلى إحدى قصائد البحيري كاملة، قبل أن تُنقل بعض النصوص لاحقًا بخط اليد عبر أحد السجناء.
وقضى البحيري بدوره عقوبة بالسجن لمدة ثلاث سنوات انتهت في عام 2021، قبل أن يستمر حبسه احتياطيًا على ذمة قضايا عدة، وفقًا لمنظمات حقوقية.



