أمطرت في طهران ففتح لبنان المظلّة

في مقهى صغير على ناصية شارع مزدحم في بيروت، بدا المشهد لافتاً. طاولات خشبية قديمة، كراسٍ غير متشابهة، ورائحة قهوة تختلط بدخان سجائر لا ينقطع. الشاشة المعلّقة فوق ماكينة القهوة لا تبثّ مباراة ولا كليباً غنائياً، بل أخباراً عن إيران، ومذيع يتحدّث بصرامة توحي بأن القادم قاتم.

أبو علي، صاحب المقهى، يمدّ يده إلى جهاز التحكّم ويخفّض الصوت قليلاً. لا يطفئ الشاشة. يتركها “عالخفيف”، كما يقول، قبل أن يلتفت إلى الزبائن، ويقول: “الله يستر… كل ما تولّع هونيك، بتوصل شرارة النار لعنا”.

الجملة لا تحتاج إلى شرح. في هذا المقهى، كما في عشرات المقاهي البيروتية، يعرف الجميع ماذا يقصد.

على الطاولة القريبة من الشاشة، جلس ثلاثة شبّان في أواخر العشرينيات. فناجين قهوتهم بردت، لكن عيونهم لا تزال معلّقة على الأخبار. يطلق أحدهم ضحكة قصيرة، أقرب إلى السخرية منها إلى المزاح ويقول: “يعني إذا سقط النظام بإيران، حزب الله بدّو يجنّ علينا”.

الثاني لا يرفع رأسه عن هاتفه، يمرّر إصبعه بسرعة على منصة “إكس”، ويعلّق: “مش فارقة… بالنهاية الحزب ما رح يسلّم سلاحه شمال الليطاني وما منصدق أنه سلّمه جنوبه”.

الثالث صامت. يهزّ قدمه بعصبية تحت الطاولة، ثم يقول بعد لحظة “نحنا دايماً اللي مندفع الثمن”.

في لبنان، لا تُتابَع أخبار إيران بوصفها شأناً خارجياً. لم تعد خبراً بعيداً في الصفحات الدولية، بل تحوّلت إلى مادة داخلية بامتياز. منذ اندلاع الاحتجاجات هناك، ومع التلويح بضربة أميركية محتملة ضد النظام، بات اللبناني يتعامل مع أيً تطوّر في إيران باعتباره مؤشر خطر مباشر.

ليس لأن اللبناني يرغب بإضافة همّ جديد إلى يومياته الثقيلة، بل لأنه يدرك أن ملف حزب الله في لبنان مرتبط عضوياً بملف إيران. الخشية، كما يقول مراقبون، هي أن يلجأ النظام الإيراني، حين يشعر بأن سقوطه بات وشيكاً أو بأن الضغط يشتدّ عليه، إلى تحريك أذرعه في المنطقة.

حين تمطر في طهران، لا يسأل اللبناني عن كمية الأمطار، بل عمّا تعنيه له. فكل تطوّر هناك يُقرأ هنا بميزان القلق. وحين ترتفع نبرة التهديد ضد النظام الإيراني، لا ينشغل معارضو حزب الله بسؤال بقاء النظام أو سقوطه بقدر انشغالهم بسؤال واحد: هل سندفع نحن الثمن مجدداً؟ في المقابل، يراقب مؤيدو الحزب المشهد من زاوية مختلفة، حيث يتقدّم الخوف على مصير النظام الإيراني بوصفه الداعم الأساسي للحزب وضمانة استمراره، ما يجعل أيّ اهتزاز في طهران مصدر قلق وجودي لهم.

لا سيناريو بعيداً بعد اليوم

هادي، شاب في منتصف الثلاثينيات يعمل في شركة خاصة، يجلس مع أصدقائه على رصيف في منطقة الطريق الجديدة في بيروت. يضع هاتفه على الطاولة، شاشته مليئة بالعناوين العاجلة، ويقول: “ما فينا نفصل. وجود حزب الله خلّى أي خبر عن إيران وكأنه خبر عن لبنان. إذا صار شي هونيك، تلقائياً بتفكّر: هل الحزب رح يفتح جبهة؟ هل إسرائيل رح تنتهز الفرصة وترجعنا مئة سنة لورا؟ وهل لبنان جاهز؟ أكيد لا”.

يرفع كتفيه ويضيف “المشكلة إنو ما عاد في سيناريو بعيد. كل السيناريوهات قريبة ومخيفة”.

القلق اليومي لدى اللبنانيين يمكن تفسيره من زوايا عدة مترابطة، كما تقول الباحثة الاجتماعية والأستاذة الجامعية وديعة الأميوني لموقع “الحرة”، “الضغوط الاقتصادية والسياسية الطويلة وضعف الثقة بالمؤسسات، اعتماد نحو نصف اللبنانيين على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر أساسي للأخبار، وضعف الثقة في الإعلام التقليدي وسط بيئة معلومات غير منظمة تجعل الناس سريعي التأثر بالأخبار، خصوصاً إذا تم تقديمها بعبارات عاطفية أو تهديدية”.

مشهد الحرب لا يتوارى

القلق ليس وليد اللحظة. اللبنانيون يحملون ذاكرة حروب ثقيلة لا تزال حاضرة في حياتهم اليومية: نزوح، قصف، موت ودمار. آخر هذه الفصول كان عام 2023، حين بدأ حزب الله ما أسماها “حرب إسناد غزة”، قبل أن تتوسع في سبتمبر 2024، مخلفة تداعيات أمنية واقتصادية واجتماعية ما زالت مستمرة.

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع في نوفمبر 2024، لا يزال القصف يطال مناطق من لبنان، في ظل رفض حزب الله تسليم سلاحه شمال الليطاني، ما يكرّس حالة التصعيد الأمني المستمر.

في مقهى آخر في شارع فرعي في الحمرا، تجلس رنا، موظفة في الأربعين من عمرها. أمامها كوب نسكافيه لم تلمسه بعد. حين تُسأل عمّا إن كانت تتابع ما يجري في إيران، تجيب بسرعة، كأنها تفرغ ما في صدرها: “كان ناقصنا نتابع شو عم يصير بإيران. بس للأسف ربطنا حزب الله بمصيرن. صرنا نعيش على انتظار: هل رح يسقط النظام؟ وإذا سقط أو ما سقط، شو رح يصير بلبنان؟”.

تضحك بمرارة وتضيف: “حتى مع سقوط النظام أو بقائه… ما في سيناريو مريح إلنا”.

في الزاوية، رجل خمسيني بشعر رمادي يتحدث مع صديقه، وعند سؤاله عما إن كان يخشى أن تتمدد أحداث إيران إلى لبنان يجيب “صرنا متعوّدين نخاف… بلا ما نعرف ليش”.

“السوشال ميديا” تسبق الحرب

ندى، شابة في أواخر العشرينيات، ترسل لصديقتها الرسالة نفسها عدة مرات في اليوم: “شفتي الخبر يلي حطته المجموعة الإخبارية على واتساب؟”.

وسائل التواصل الاجتماعي تضخّ أخباراً توحي وكأن الحرب اندلعت فعلياً أو على وشك الوقوع: تغريدات عن قصف أميركي “وشيك”، إشاعات، تحليلات متضاربة، ومصادر “خاصّة” لا يعرفها أحد. منشورات من نوع “لا تناموا الليلة الضربة خلال ساعات“، أو “حزب الله متأهّب ولن يترك إيران تسقط بلا رد”، تنتقل بسرعة من منصة “إكس” إلى “واتساب”، ومنها إلى أحاديث البيوت.

اللبناني يقرأ، يشارك، ثم يغلق هاتفه ليواصل يومه، وكأن القلق أصبح جزءاً من الروتين اليومي. هذا الاعتياد على الخوف هو أخطر ما في المشهد: لم يعد الخوف حالة طارئة، بل صار خلفية ثابتة للحياة اليومية.

تأثير وسائل التواصل في لبنان غير محايد، وفق الأميوني “فمع استخدام 85-90% من الناس لها، تنتشر الأخبار بسرعة حتى قبل التحقق من صحتها. وغالباً يُعاد نشر الأخبار المخيفة بسبب العواطف السلبية كالخوف والغضب، والاستجابة السريعة للتهديدات، والتفاعل الواسع على المنشورات، والسعي لتقليل الغموض في الأزمات، حتى لو لم تكن الأخبار صحيحة. هذه الظاهرة تعكس تداخل علم النفس الاجتماعي مع بنية الشبكات الرقمية التي تسرع انتشار المعلومات”.

التاكسي… غرفة أخبار متنقّلة

مروان، سائق تاكسي في الأربعين من عمره، يتابع الأخبار عبر الراديو وهو يقود. يقول للركاب: “بدنا نعرف إذا أميركا رح تضرب إيران. كل دقيقة في خبر جديد. بطلنا نعرف وين الصح”.

يردّ أحد الركاب من الخلف: “ما في شي بيطمن. بالحالتين ما رح تمرق على خير بلبنان”.

يهزّ مروان رأسه ويضغط على المكابح قليلاً “إيه… إلنا ضربة قوية إذا سقط النظام الإيراني أو إذا بقي”.

سؤال يتكرّر بلا جواب

بعد منتصف الليل، تُغلق معظم المقاهي أبوابها وتهدأ الشوارع، لكن القلق لا ينام. في البيوت، وفي الرسائل الصوتية، يتكرر السؤال ذاته: “شو رح يصير؟”.

في مجموعات “واتساب”، تتغيّر  الأسئلة، ولكن يبقى المعنى نفسه “شو يعني هالخبر علينا، هل في حرب؟ وكيف لازم نتحضّر؟”.

لا أحد ينتظر جواباً دقيقاً، يكفي الإحساس العام بأن ما يحدث هناك سيصل صداه إلى لبنان عاجلاً أم آجلاً.

انتشار الأخبار المخيفة على وسائل التواصل خاصة إذا كانت غير موثوقة يمكن أن يعمّق، بحسب الأميوني، “الانقسامات، ويقلّص الثقة المجتمعية والمؤسساتية، كما يمكن أن يزيد التوتر ويضعف التعاون بين الناس. ومع استخدام نحو 85% من اللبنانيين لهذه المنصات أسبوعياً، يتحوّل الحدث الإقليمي إلى مصدر قلق يومي، ما يعكس بنية اجتماعية-نفسية رقمية تعيد إنتاج القلق باستمرار”.

أصوات القلق من الخارج

عبر الهاتف من مكتبها في الكويت، تتحدث ريان، اللبنانية المقيمة خارج بلادها، بصوت متوتر: “أنا مشوشة منذ اندلاع الأحداث في إيران، ما عم بقدر ركّز بالشغل… بخاف على أولادي وعيلتي بلبنان والخليج. كل شوي بفكر شو ممكن أعمل إذا اندلعت الحرب؟”.

وتتابع: “عندي خوف إنه يفتح حزب الله حرب إسناد هيدي المرة لإيران، مع إنه تبين من حرب إسناد غزة إنه كان بدو مين يسنده”.

هكذا تحوّلت إيران، في وعي كثير من اللبنانيين، من دولة بعيدة إلى مؤشر قلق يومي. لأنهم يعرفون أن أيّ اهتزاز إقليمي سينعكس فوراً على بلد هشّ، لا تزال سماؤه مفتوحة على القصف، وأرضه مثقلة بسلاح خارج الدولة.

في لبنان، لا ينتظر الناس العاصفة. يكفي أن تلوح غيومها.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading