الأزمة الأميركية–الإيرانية: ماذا تكشف الوساطة الدبلوماسية؟

عادةً ما يمرّ منتصف كانون الثاني يناير بهدوء في واشنطن. هذا العام لم يكن كذلك. ففي الفترة بين 13 و15 من هذا الشهر، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب علناً باستخدام القوة العسكرية ضد إيران، في وقت كانت فيه السلطات الإيرانية تقمع بعنف احتجاجات واسعة النطاق في ظل تعتيم كامل على الإنترنت، ما أسفر عن مقتل الآلاف.

غير أن القصة الأكثر دلالة لا تكمن في سبب تهديد ترامب باستخدام القوة، بل في فهم سبب امتناعه عن تنفيذ ذلك، وما يكشفه هذا التريث عن حدود القوة الأميركية، وعن التحوّل في دور الفاعلين الإقليميين.

خلال نافذة زمنية لم تتجاوز 48 ساعة، انخرطت السعودية وقطر وعُمان ومصر وتركيا في دبلوماسية مكوكية عاجلة، تمحورت بشكل مباشر حول واشنطن.

وقال مسؤول مصري في واشنطن لـ«MBN»:
«دول الخليج أرادت إيصال رسالة حاسمة: أي هجوم أميركي لن يبقى محصوراً. سيتجاوز الحدود، ويهز أسواق الطاقة، ويهدد القواعد الأميركية، وفي نهاية المطاف سيرتد على المصالح الأميركية نفسها».

وفي الوقت ذاته، أوضح دبلوماسي رفيع في وزارة الخارجية الأميركية أن الرسالة الموجّهة إلى طهران كانت واضحة بالقدر نفسه:
«هذه الحكومات نفسها حذّرت طهران من أن أي ردّ يستهدف أصولاً أميركية في الخليج سيقوّض ما وصفه مسؤولون بـ“إعادة الضبط الإقليمية الهشّة”، وسيترك إيران أكثر عزلة مما كانت عليه».

تحوّل على مرأى من الجميع

وأوضح الدبلوماسي الأميركي لجو الخولي من «MBN» أن «هذا يمثّل افتراقا واضحا عما كانت عليه الأمور في يناير 2020. وقتها قدّمت عواصم إقليمية دعماً ضمنياً لضربة اغتيال قاسم سليماني. هذه المرة، تموضعوا بين واشنطن وطهران، في إشارة إلى أن اللجوء على التصعيد لم يعد الخيار الأساسي المقبول».

وقد حكم هذا التحوّل عاملان رئيسيان.

الأول، عامل الجدوى. وقال الدبلوماسي: «نعلم أن البنتاغون عرض خيارات لضربات في 13 يناير، لكن التقييم الداخلي خلص إلى أن العمليات السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية للأمن الداخلي الإيراني أكثر قابلية للتنفيذ من عمل عسكري صاروخي. ولا أعتقد أن شركاءنا كانوا مستعدين لتصعيد إقليمي كان من شبه المؤكد أن تسببه الضربات العسكرية».

الثاني، عامل الهشاشة. «قدّرت الاستخبارات الأميركية أن الرد الإيراني سيركّز على الأرجح على المنشآت الأميركية في الخليج، بما في ذلك قاعدة العديد الجوية. وبالنسبة لحكومات مضيفة تقوم استراتيجياتها الاقتصادية على الاستقرار وجذب الاستثمار الأجنبي، كان هذا الخطر غير مقبول».

وعند سؤاله عن دور السعودية، أضاف الدبلوماسي: «ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أثار هذه المخاوف شخصياً مع ترامب، وهو تدخل كان من المستحيل تصوّره خلال السنوات الأولى من رئاسته».

إخضاع استراتيجي لا تغيير للنظام

هل كان تغيير النظام هدفاً مطروحاً؟ قال الدبلوماسي الأميركي: «الهدف ليس تحولاً ديمقراطياً على النحو الذي شهدناه سابقاً، لأننا يفترض أننا تعلّمنا من ذلك. الهدف هو إيران براغماتية تعمل ضمن نظام جيو-اقتصادي إقليمي، وتحدّ من طموحاتها النووية والصاروخية، وتقلّص اعتمادها على الصين مقابل إعادة دمج اقتصادي». هذا هو الإطار الذي يختبره ترامب: ضغط بلا حرب.

العقوبات كورقة ضغط

في 12 يناير، أعلن ترامب أن أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران ستواجه رسوماً جمركية فورية بنسبة 25 في المئة على كامل تجارتها مع الولايات المتحدة. ظاهرياً، بدا التهديد جامعا مانعاً. لكن عملياً، يكتنف التنفيذ غموض متعمد. فالصين والإمارات وتركيا والبرازيل وروسيا جميعها تحافظ على علاقات تجارية مع طهران، وتطبيق حرفي للعقوبات قد يؤدي إلى اضطرابات تجارية أوسع. وهذا الغموض هو جوهر الاستراتيجية.

وقال الدبلوماسي الأميركي لـ«MBN»: «الآلية المتبعة حاليا هي حرب اقتصادية بالوكالة. فبدلاً من معاقبة إيران مباشرة، تستخدم الولايات المتحدة الحاجة إلى الوصول إلى أسواقها كرافعة لإجبار دول أخرى على وقف التعامل مع طهران».

وعند تبسيط المعادلة، قال:
«تجميد الأموال الإيرانية بالإضافة إلى التهديد بفرض رسوم على الدول المتعاملة مع إيران سيؤدي إلى تخلي الدول عن إيران كشريك تجاري، من دون أن تطلق الولايات المتحدة رصاصة واحدة».

جو الخولي

جو الخولي صحافي مختص في الشؤون الدولية، يتمتع بخبرة ميدانية تمتد لأكثر من عقدين بين واشنطن العاصمة والشرق الأوسط. وهو خريج جامعة جورجتاون وشارك في برنامج الزمالة الصحافية لشبكة CNN. تتركز أعماله على السياسة الخارجية الأميركية، والسياسة في العالم العربي، والدبلوماسية. بفضل معرفته بالمنطقة وأسلوبه الواضح، يقدّم تغطية تجعل القضايا العالمية المعقدة سهلة الفهم وقريبة من الناس.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading