اللاجئون السوريون في لبنان.. العائدون والوافدون الجدد

أمام أحد مراكز التسجيل التابعة لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيروت، تقف عشرات العائلات السورية في طوابير صامتة. لا أحد هنا يتحدث عن “حلم” أو “مستقبل”، بل عن سؤالين يتكرران منذ سنوات:  هل البقاء ممكن؟ وهل العودة آمنة؟

هذه الحالة، التي تتكرر يوميًا في أكثر من منطقة لبنانية، تختصر مأزقًا أوسع لا يقتصر فقط على مصير اللاجئين كأفراد والظروف المعيشية التي تحيط ببقائهم في لبنان، في ظل فقر مدقع يعيشه تسعة من أصل عشرة سوريين، بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بل يعكس صراع سياسات ومقاربات وسط غياب حلّ حقيقي شامل ومستدام.

أزمة ممتدة منذ 2011

أربعة عشر عاما مرّ على استقبال لبنان ما يزيد عن نحو1.8  مليون سوري بحسب تقديرات السلطات اللبنانية. حوالي880  ألفًا فقط منهم مسجلين رسميًا لدى مفوضية اللاجئين، ما يجعل لبنان الدولة الأعلى عالميًا من حيث نسبة اللاجئين إلى عدد السكان، الذين لا يتجاوز عددهم 4.04 مليون شخص، وفق بيانات حكومية.

ويقول مسؤولون لبنانيون إن لبنان لم يعد قادرًا على تحمّل العبء الاقتصادي والاجتماعي، الناجم عن تفاقم أزمة النزوح السوري وإن البنية التحتية والخدمات الأساسية في لبنان لم تُصمَّم لاستيعاب هذا العدد الكبير من المستخدمين.

وفيما تشير أرقام الأمم المتحدة الى أنه لا يزال نحو مليون سوري يقيمون في لبنان كلاجئين منذ اندلاع الحرب عام 2011، تشير تقارير حقوقية الى أن هؤلاء يعانون بدورهم من أزمات معيشية في لبنان. وقد أكدت الناطقة باسم مفوضية اللاجئين في لبنان UNHCR دلال حرب لموقع “الحرة” أنه “لغاية الساعة، قارب تمويل المفوضية في لبنان نحو 10% فقط من إجمالي الدعم المطلوب، مع استمرار وجود تحديات كبيرة تلوح في أفق 2026”. مشيرة الى أن تخفيضات التمويل في عام 2025 أدت إلى آثار خطيرة، “حيث فقد أكثر من 15 ألف طفل الدعم التعليمي. ولم يتمكن أكثر من 64 ألف لاجئ من الحصول على المساعدات النقدية الطارئة للحماية. فيما تم ايقاف 347 ألف لاجئ من برنامج المساعدات النقدية. وخُفِّضت المساعدات النقدية للمأوى بنسبة 90%، ما يجعل 83 ألف لاجئ بدون دعم. وفقد 40 ألف لاجئ إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية و45 ألفاً لم يعودوا يتلقون دعماً للرعاية الصحية الثانوية”.

تنسيق لبناني – سوري

في يونيو 2025، أعلنت الحكومة اللبنانية خطة جديدة متعددة المراحل لعودة السوريين إلى بلادهم. وفي هذا الإطار، أعلنت وزيرة الشؤون الإجتماعية في الحكومة اللبنانية حنين السيد في مطلع يناير 2026، مغادرة أكثر من نصف مليون نازح سوري لبنان بطريقة آمنة ومستدامة خلال عام 2025 وشطب أسمائهم من سجلات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

‏مصادر من وزارة الشؤون الاجتماعية أكدت لـ”الحرة” أن الوزارة تعمل من خلال اللجنة الحكومية لمتابعة تنفيذ العودة المنظّمة والمستدامة خلال عام 2026، على “التنسيق مع الحكومة السورية والشركاء الدوليين، لضمان العودة الآمنة بما يحفظ كرامة العائدين ويخدم المصلحة الوطنية اللبنانية”.

وتشير المصادر الى أن الحكومة اللبناية تستند إلى أرقام رسمية تُظهر أن أكثر من80%  من اللاجئين السوريين لا يملكون إقامة قانونية، نتيجة كلفة الرسوم وتعقيد الإجراءات، ما جعل شريحة واسعة منهم عرضة للملاحقات الأمنية والترحيل.

وفيما تعتبر منظمات حقوقية  أن السياسات التي تفرضها السلطات اللبنانية على اللاجئين لتقنين وجودهم، عبر تشديد منح الإقامات والمداهمات الأمنية، تشكّل ضغطًا غير مباشر يدفعهم إلى العودة حتى في غياب شروط الأمان.

وتُشير مصادر الوزارة الى “عدم رغبة الدولة اللبنانية باللجوء الى الترحيل القسري”، مؤكدة أن “الوجود السوري غير القانوني يصعّب عملية احصاء العودة بشكل دقيق في حين تعمل الوزارة على تأمين العودة المنظمة خصوصًا بعد التغيرات الحاصلة داخل سوريا”.

وفي هذا الإطار، تؤكد الناطقة الرسمية باسم مفوضية اللاجئين في لبنان للحرة أن “المفوضية تيسّر العودة الطوعية بالتنسييق الوثيق مع السلطات اللبنانية”. كما تتمّ هذه العودة الطوعية بالتنسيق مع فرق المفوضية في سوريا والسلطات السورية، بحيث تستقبل العائلات العائدة، وتقدّم الدعم والمشورة لهم، ويتضمّن ذلك مساعدات نقدية بقيمة 600$ من المفوضية يمكن أن تمنح للعائلات الأكثر حاجة.”

موقف “سوريا الجديدة”

من جهتها، تكثّف الحكومة السورية الجديدة خطابها الداعي إلى عودة اللاجئين، معتبرة أن “المرحلة العسكرية انتهت” وأن البلاد دخلت مسار التعافي وإعادة الإعمار.

وكانت السلطات في دمشق قد أكدت أن “الدولة مستعدة لاستقبال جميع أبنائها”، مع وعود بتسهيل الإجراءات الإدارية وتأمين الحد الأدنى من الخدمات.

لكن تقارير أممية وحقوقية تشير إلى أن مناطق واسعة في سوريا لا تزال تعاني من دمار كبير، وانهيار اقتصادي، ونقص في الخدمات الأساسية، فضلًا عن مخاوف أمنية وقانونية، ما يجعل مسألة العودة أكثر تعقيدًا من الخطاب السياسي.

وفي هذا الإطار، أكدت حرب أنه “رغم شعور العديد من العائلات بالارتياح لعودتها، لا تزال ظروف إعادة الاندماج في سوريا صعبة للغاية بسبب الدمار الواسع، ونقص فرص العمل، وتضرر البنية التحتية، وضعف تأمين الخدمات والتعليم”، مضيفة أنه “بعد 14 عاماً من النزاع، هناك حاجة ملحّة لاستثمارات واسعة النطاق لدعم التعافي المبكر وإعادة الإعمار والإنعاش الاقتصادي لضمان عودة مستدامة ومنع اللجوء مجدداً”.

ما بعد ديسمبر 2024

“الوافدون الجدد”، هذا ما اتفقت الجهات الرسمية اللبنانية على تسميته مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

فعلى الرغم من أن النقاش العام حول اللاجئين في لبنان كان يركز تقليديًا على وجود السوريين المعارضين لنظام بشار الأسد منذ بداية النزاع عام 2011، الا أن التدفّق السوري إلى داخل الأراضي اللبنانية لا يزال قائما رغم سقوط هذا النظام في ديسمبر 2024.

تشير معلومات لمفوضية اللاجئين في لبنان إلى أنه “منذ 8 ديسمبر 2024، وصل إلى لبنان نحو 115 ألف سوري. وقد قدم العديد منهم في ظروف بالغة الصعوبة وباحتياجات إنسانية حادة بعد فرارهم تحت الإكراه.”

لكن، وفي وقت تنظّم السلطات اللبنانية عمليات العودة الآمنة الى سوريا، تُظهر البيانات أن التدفّق الجديد لا يتم دائمًا ضمن آليات تسجيل الأمم المتحدة، ما يجعل التقديرات الرسمية قابلة للتغيّر مع استمرار التحرك السكاني على الحدود. وتشير التقارير أيضًا إلى أن حركة الدخول والخروج بين لبنان وسوريا تبقى مرتفعة، فيما يتخوّف متابعون للملف من خلفيات سياسية قد تكون وراء هذا التوافد الجديد.

الكاتب المتخصص في ملف النزوح السوري إلى لبنان آلان سركيس قال لـ”الحرة” إن “التمركز الأساسي لمخيمات الوافدين الجدد يكمن في الهرمل وبعلبك في البقاع على الحدود الشرقية مع سوريا”.

وباعتبار أن هذه المناطق بغالبيتها الساحقة موالية لحزب الله، ينقل سركيس تخوفاً مما وصفه بـ”التحركات المشبوهة داخل مخيمات غير خاضعة لرقابة الدولة”، مشيراً إلى أن “مخيمات النازحين التي نشأت منذ عام 2011، كانت تخضع لرقابة أمنية مشددة، فيما تبقى المخيمات الجديدة، التي بناها حزب الله، خارجة عن رقابة الدولة، خاصة، في ظل ورود أخبار عن تحركات سياسية داخلها من موالين للنظام السوري السابق لزعزعة أمن سوريا والتحريض ضد النظام الجديد”.

وبحسب سركيس، فإن الأزمة في لبنان ستستمر في ظل غياب خطوات لبنانية واضحة ومدروسة في ما يتعلق بملف النزوح السوري، معتبراً أن “السلطة في لبنان لم تمسك الوضع على الأرض ولا تزال متساهلة بقضية النزوح، في ظل استمرارالمنظمات الدولية في مساعدة النازح السوري، وسط عدم انطلاق عجلة اعادة الاعمار في سوريا بشكل كبير”.

وبناء على كل ما سبق يرى خبراء أن الجدل حول بقاء اللاجئين أو عودتهم سيبقى ورقة سياسية لبنانية داخلية، أكثر منه خطة قابلة للحياة، فيما تستمر الأزمة، بفروعها كافة… بلا أفق واضح.

Unknown's avatar
جويل الحاج موسى

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading