بدأ كلّ شيء برسالتي إنذار عاجلتين اخترقتا سكون المساء. منشوران متتاليان، صادران عن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي عبر منصة “إكس”، وصلا إلى هواتف اللبنانيين الأربعاء الماضي، يطلبان من سكان مبانٍ سكنية في خمس بلدات جنوبية (شمال الليطاني) بالإخلاء الفوري. ثوانٍ قليلة كانت كافية لقلب الروتين اليومي رأساً على عقب.
عائلات خرجت على عجل، تحمل ما خفّ وزنه وثقل معناه. أبواب أُغلقت بسرعة ومن دون يقين، ونوافذ تُركت خلفها تفاصيل حياة معلّقة. أطفال يطرحون أسئلة بلا إجابات، ووجوه مشدودة على إيقاع الخوف. في تلك اللحظات، تحوّلت الدقائق إلى عبء ثقيل، وغدت الطرقات مسارات نزوح مكتظة بالقلق والسيارات.
لم تمضِ فترة طويلة حتى دوّت الغارات، مستهدفة المباني نفسها التي طُلب إخلاؤها، في تصعيد وُصف بأنه غير مسبوق منذ اتفاق وقف إطلاق النار. ومع انقشاع الدخان، بدأ حجم الدمار يظهر، كاشفاً مشهداً جديداً من الخراب في جنوب لبنان.
وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الغارات عن إصابة 19 شخصاً بجروح في بلدة قناريت من بينهم إعلاميون، في حصيلة أُضيفت إلى سجلٍ مفتوح للجرحى والقتلى، وسط تصعيد لا يزال مرشّحاً للتوسّع.
يأتي ذلك في وقت تتشابك فيه الضغوط العسكرية مع المسارات السياسية، فيما يقف لبنان أمام واحدة من أكثر أزماته السيادية تعقيداً وقابلية للاشتعال: ملف سلاح حزب الله شمال نهر الليطاني. فبين التصعيد الإسرائيلي المتواصل، والضغط الدولي المتزايد، والقرار الحكومي القاضي بحصر السلاح بيد الدولة، لا يزال الحزب متمسّكاً بسلاحه شمال النهر.
ومع اقتراب الموعد الذي يُفترض أن تتسلّم فيه الحكومة اللبنانية خطة الجيش المتعلقة بحصر السلاح شمال الليطاني وصولاً إلى نهر الأولي، تتعاظم المخاوف من أن تسبق الوقائع الميدانية أيّ مسار سياسي أو تفاوضي. فالغارات الأخيرة لم تكن معزولة عن هذا السياق، بل حملت رسائل مباشرة مفادها أن هامش الوقت المتاح للبنان يضيق بسرعة.
وفي هذا السياق، وصف رئيس الحكومة نواف سلام من دافوس، في مقابلة مع بلومبرغ، ما يجري في الجنوب بأنه “حرب استنزاف من طرف واحد”.
ومع انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، باستثناء النقاط الخمس التي لا تزال القوات الإسرائيلية متمركزة فيها، يبرز سؤال جوهري: لماذا يصرّ حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه شمال النهر، رغم ما يجرّه ذلك من تداعيات على لبنان عموماً وعلى بيئته الحاضنة خصوصاً؟ ولماذا يستمر التمسّك بهذا السلاح في مرحلة جرى فيها نزعه جنوب النهر، وباتت احتمالات المواجهة المباشرة مع إسرائيل هناك شبه معدومة؟
سلاح بلا ردع
مع انتقال الدولة والجيش اللبناني إلى مرحلة حصر السلاح شمال الليطاني، بدا واضحاً، برأي مراقبين، أن حزب الله اختار رفع منسوب التصعيد السياسي. هذا الخيار انعكس في مواقف قيادته، كما في حملة شنّها محسوبون عليه ضد رئيس الجمهورية جوزاف عون، أعقبت دعوة الأخير الحزب، في مقابلة مع تلفزيون لبنان، إلى “التعقّل والعودة إلى الدولة عبر تسليم سلاحه”، معتبراً أن بقاء هذا السلاح “أصبح عبئاً على بيئته ولبنان”.
وتصاعد الهجوم على عون بشكل ملحوظ بعد كلمته أمام أعضاء السلك الدبلوماسي، حيث أبدى حرصه على عدم الزجّ بلبنان في “مغامرات انتحارية”، دفع اللبنانيون ثمنها سابقاً كثيراً، مشيراً إلى أن الدولة اللبنانية أنجزت “تنظيف مناطق شاسعة من أيّ سلاح غير شرعي” في منطقة جنوب الليطاني.
في المقابل، ردّ الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، على دعوات تسليم السلاح شمال الليطاني بالقول: “طويلة على رقبتكم أن نتجرّد من السلاح”، معتبراً أن هذا الطرح يندرج ضمن مشروع إسرائيلي–أميركي يهدف إلى تطويق الحزب.
وبين الدعوات إلى تسليم السلاح والإصرار على التمسّك به، تتهم إسرائيل الحزب بالعمل على إعادة تسليح نفسه وتهريب الأسلحة عبر الحدود السورية. وفي هذا الإطار، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، تنفيذ غارات استهدفت أربعة معابر حدودية بين لبنان وسوريا في منطقة الهرمل، يستخدمها الحزب لتهريب وسائل قتالية.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل محمد عوضة في غارة بمنطقة صيدا جنوب لبنان، واصفاً إياه بتاجر ومهرّب أسلحة مركزي للحزب.
وظيفة داخلية؟
يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد جورج نادر أن ساحة المواجهة البرية المباشرة مع إسرائيل “محصورة جنوب الليطاني”، وأن السلاح الموجود شماله “لا يؤدي دوراً عسكرياً ضد إسرائيل”، معتبراً أن الاحتفاظ به لا يمكن تفسيره “إلا بوظيفة داخلية”.
ويشير نادر في حديث لموقع “الحرة” إلى أن خطاب الحزب نفسه يعكس هذا التحوّل، إذ قال قاسم صراحة إن “السلاح يحمينا، أي يحمي الحزب لا لبنان”، متسائلًاً: “ممن يحمي الحزب نفسه بهذا السلاح؟”.
ويضيف إن “قاسم أقرّ بأن السلاح لم يوفّر للحزب الحماية المطلوبة من الضربات الإسرائيلية، وبأن الحزب لا يريد المسّ بأمن المستوطنات الإسرائيلية، ما يُسقط الذريعة العسكرية للاحتفاظ بسلاحه”.
من جهته، يعتبر عضو تكتل “لبنان القوي” النائب أسعد درغام، في حديث لموقع “الحرة” أن سلاح حزب الله “أثبت عدم جدواه في المعادلة التي فرضتها حرب الإسناد وما تلاها من ردّ إسرائيلي واسع”، محذراً من أن “الخطاب التصعيدي قد يمنح إسرائيل ذرائع إضافية لتوسيع استهدافاتها”.
أما الباحث في الشأن السياسي نضال السبع، فيرى، في حديث لموقع “الحرة”، أن سلاح الحزب “تحوّل إلى الورقة الأخيرة المتبقية بيده لتحسين شروطه والدفاع عن بقائه”، لكنه يعتبر أن المعطيات نفسها التي فرضت تسليم السلاح جنوب الليطاني “ستفرض لاحقاً تسليمه شماله أيضاً”.
شروط الحزب
يستند حزب الله في موقفه الرافض لتسليم سلاحه إلى القرار 1701، الذي ينصّ على إقامة منطقة خالية من أيّ وجود مسلّح غير شرعي بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، لكن هذا القرار نفسه ينص على تطبيق القرار 1559، القاضي بنزع سلاح جميع الميليشيات من مختلف الأراضي اللبنانية.
وفي هذا السياق، يربط الحزب أيّ نقاش حول سلاحه شمال الليطاني بجملة شروط، أبرزها انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس التي لا تزال تتمركز فيها، ووقف الاستهدافات، وإطلاق سراح الموقوفين اللبنانيين. وفي معرض دفاعه عن موقف الحزب، يطرح قاسم سؤلاً: “من يضمن عدم استباحة إسرائيل لكلّ لبنان إذا لم يكن بيد الحزب سلاح؟”. ويربط الحزب كذلك احتفاظه بالسلاح بما يعتبره أخطاراً محتملة مصدرها الساحة السورية، ولا سيما من جماعات متطرفة.
ويشير السبع إلى مخاوف الحزب من استمرار استهدافه بعد تسليم سلاحه، قائلاً إن “التجربة السابقة تُظهر أن إسرائيل لا تُغلق ملفاتها الأمنية”. وبناءً عليه، يرى أن حزب الله “لن يكون في مأمن من الاستهداف، لا عسكرياً فحسب، بل سياسياً أيضاً، إذ سيُطرح مستقبل الحزب كتنظيم سياسي على بساط البحث، حتى لو أفضت الانتخابات إلى حصوله على أكثرية داخل الطائفة الشيعية”.
تحذيرات من الانزلاق الداخلي
لوّحت قيادات في حزب الله، في أكثر من مناسبة، بخطر الفتنة الداخلية. وقد شدد قاسم على إن “الحكومة اللبنانية تتحمّل كامل المسؤولية عن أيّ انفجار داخلي، وعن تخليها عن واجبها في الدفاع عن أرض البلاد”، كما قال.
وقد أثارت هذه المواقف ردود فعل رسمية، إذ علّق وزير العدل عادل نصّار على خطاب قاسم الأخير الذي هاجم فيه وزير الخارجية يوسف رجي، قائلاً، عبر حسابه على منصة “أكس”، إن “على كلّ من يلوّح بالحرب الأهلية لأجل الحفاظ على سلاحه، أن يتوقّف عن إعطاء دروس في الوطنية لوزير في الحكومة”.
وفي السياق نفسه، ورداً على سؤال حول احتمال اندلاع حرب داخلية، يشدّد درغام على خطورة زجّ الجيش اللبناني في أيّ صراع داخلي، محذراً من أن “أضرار ذلك على لبنان أكبر بكثير من الحرب مع إسرائيل”.
يضيف درغام: “اليوم حزب الله شريك في الحكومة اللبنانية، وشارك في انتخاب رئيس الجمهورية، فلماذا لا يضع هذا الملف في عهدته، ليتم حلّه بالطريقة التي تحفظ مصلحة لبنان وتحميه داخلياً وخارجياً بعيداً عن التهديد والتصعيد”، مشيراً إلى ضرورة أن يسلّم الحزب سلاحه إلى الجيش اللبناني.
رهانات داخلية وضغوط إقليمية
اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في كلمته خلال منتدى دافوس أمام قادة الدول المنضوية في “مجلس السلام”، أن “حزب الله في لبنان بات بقايا صغيرة مقارنة بما كان عليه سابقاً”، مضيفاً: “لا بدّ من القيام بشيء حيال ذلك”.
في هذا السياق، يرى نادر أن حزب الله قد يسعى إلى توظيف سلاحه شمال نهر الليطاني لفرض معادلة جديدة ذات طابع سياسي–دستوري، مستعيداً دعوات سابقة للأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله لإعادة صياغة العقد الاجتماعي من خلال مؤتمر وطني.
وبرأيه، قد تهدف هذه الطروحات إلى تحقيق مكاسب تتجاوز الحصص الحكومية التقليدية، وصولاً إلى مواقع سيادية وأمنية حساسة، مثل “استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة، إضافة إلى السعي نحو مواقع أمنية كقيادة الجيش أو إدارة المخابرات”. ويشير نادر إلى أن هذه الأفكار “جرى تداولها في الكواليس السياسية ولم تُنفَ”.
في المقابل، يعرب درغام عن خشيته من أن يكون قرار حزب الله المتعلق بالسلاح مرتهناً لحسابات إقليمية وضغوط خارجية، معتبراً أن هذا الملف قد يرتبط مباشرةً بطبيعة العلاقة بين حزب الله وإيران.
وفي هذا الإطار، قال سلام: “لا أظن أن العلاقة بين حزب الله والنظام الإيراني قد ضعفت. رسالتي الدائمة إلى حزب الله هي أن يتصرّف كحزب لبناني، وأن يعطي الأولوية لدوره الوطني على أيّ أجندة إقليمية أخرى”.
سيناريوهات مفتوحة على المخاطر
رغم التصعيد السياسي والتهديدات الضمنية، تؤكد الدولة اللبنانية التزامها تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الشرعية، حيث شدّد سلام، على أن الدولة ماضية في تنفيذ قرارها شمال نهر الليطاني.
وبين خيار التسوية وخطر التصعيد، يرى السبع أن “حزب الله يمرّ بمرحلة دقيقة، في ظلّ رفع الغطاء السياسي عنه من قبل حلفائه، وسقوط حليفه في سوريا، بشار الأسد، ما يضيّق هامش خياراته بين القبول بتسليم سلاحه، بما يعنيه ذلك من فقدان عامل قوته الأساسي، أو الدخول في مواجهة مع الجيش، وهو خيار لا يرغب فيه”.
أما نادر فيطرح ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الأزمة.
السيناريو الأول أن يقبل الحزب بتسليم سلاحه، متحوّلاً إلى حزب سياسي يعمل ضمن مؤسسات الدولة ويخضع لقواعدها الدستورية.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على لجوء الدولة اللبنانية إلى نزع سلاحه بالقوة، وهو خيار يحمل في طيّاته مخاطر داخلية جسيمة.
في المقابل، يُعدّ السيناريو الثالث الأخطر، ويتمثّل بعجز الدولة عن فرض سلطتها، ما قد يفتح الباب أمام تدخل إسرائيلي مباشر لتدمير البنية العسكرية لحزب الله وفرض وقائع ميدانية جديدة، تشمل “إنشاء منطقة عازلة اقتصادية في الجنوب، وتهجير سكانها، وتدمير مخازن السلاح والبنية التحتية العسكرية للحزب، وسط حديث إسرائيلي عن رصد أكثر من 240 هدفاً تابعاً له في مختلف المناطق اللبنانية”.
ويحذّر نادر من أن “لبنان يقف عند مفترق بالغ الخطورة”، مشيراً إلى أن “الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة”، وأن المؤشرات الراهنة “توحي بالانزلاق نحو السيناريو الثالث”.



