من الميدان إلى الجوع.. معارك السجناء الإسلاميين في لبنان

في زنزانة لا يكاد يتسلل إليها الضوء، اتخذ محمود، إلى جانب “السجناء الإسلاميين” في المبنى “ب” من سجن رومية، قراراً يدركون مسبقاً تبعاته القاسية: الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام.

وكان “السجناء الإسلاميون” قد أعلنوا، الأحد، قرارهم عبر مقطع فيديو، مؤكدين المضي في الإضراب رفضاً لما وصفوه بـ”العدالة الانتقائية”، واستمرارهم فيه إلى حين “تحقيق مسار العدالة الشاملة”، مع الدعوة إلى تحرّك احتجاجي في ساحة رياض الصلح يوم الجمعة.

وظهر في التسجيل أحمد الأسير، إمام مسجد بلال بن رباح السابق في صيدا، المعروف بمواقفه المؤيدة للثورة السورية والمعارضة لحزب الله، والمرتبط بأحداث عبرا عام 2013، حيث شنّت مجموعته هجوماً على أحد حواجز الجيش، ليصدر بحقه حكم بالإعدام عن المحكمة العسكرية. وقد أضفى ظهوره في الفيديو بعداً سياسياً على التحرك، وأعاد تسليط الضوء على ملف العفو العام.

الإضراب، الذي انطلق فعلياً يوم الاثنين، لا يندرج في إطار تحرّك احتجاجي عابر، كما يوضح محمود (الموقوف بسبب فيديوهات على هاتفه تتضمن أناشيد جهادية) لموقع “الحرة”، بل يشكّل، بحسب وصفه، خلاصة سنوات من الإهمال والمماطلة، وانتظار طويل خلف جدران “تدفن البشر وهم أحياء”. وفي هذا الواقع، لم يعد الجوع هو الخطر الأكبر، بل الإحساس بأن العدالة نفسها باتت امتيازاً بعيد المنال، كما يعتبر.

وجاء الإعلان عن الإضراب في ظل أنباء عن تقدّم في معالجة ملف السجناء السوريين بين السلطتين اللبنانية والسورية، وهي خطوة اعتبرها المضربون مجتزأة، إذ تقتصر، برأيهم، على فئة محددة، فيما تُترك بقية الملفات عالقة من دون مقاربة شاملة.

يذكر أن تسمية “السجناء الإسلاميين” أو ما يُعرف بـ”الموقوفين الإسلاميين”، تستخدم للدلالة على فئة من السجناء يشكّل اللبنانيون السنّة غالبيتها، إلى جانب سجناء من الجنسيتين السورية والفلسطينية، وقد أوقف هؤلاء على خلفية محطات أمنية بارزة، من بينها أحداث جرود الضنية عام 2000، والاشتباكات مع الجيش اللبناني، ولا سيما معركتا نهر البارد وعبرا، إضافة إلى جولات العنف التي شهدتها طرابلس في سياق تداعيات الحرب السورية والمشاركة في القتال داخل الأراضي السورية.

ويقضي عدد من هؤلاء السجناء أحكاماً مشدّدة وصلت إلى السجن المؤبّد أو الإعدام، في حين يمكث آخرون لسنوات طويلة خلف القضبان من دون محاكمات، الأمر الذي حوّل قضيتهم إلى واحد من أكثر الملفات القضائية والحقوقية إثارة للجدل في لبنان.

“العدالة لا تتجزأ”

بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، انطلق مسار تفاوضي رسمي بين بيروت ودمشق لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدّمتها ملف السجناء السوريين في لبنان. وقبل أيام، كشف وزير العدل عادل نصار عن مسار تقني متقدّم مع الجانب السوري لنقل السجناء السوريين لمتابعة أحكامهم في بلادهم، مؤكداً، عبر تلفزيون لبنان، أن الاتفاقية تميّز بين المحكومين نهائياً والملاحقين، وتهدف إلى تخفيف الاكتظاظ، وليست “عفواً عاماً”.

في هذا السياق، يرى مدير برنامج الدعم القانوني في مركز سيدار للدراسات القانونية، المحامي محمد صبلوح، أن “الدولة اللبنانية قرّرت فجأة، بعد سقوط النظام السوري، معالجة الملف السوري عبر اتفاقيات متتالية خارج أيّ مسار قانوني شامل، فيما تُرك السجناء اللبنانيون، يواجهون مصيراً معلّقاً”.

ويتساءل صبلوح، في حديث لموقع “الحرة”،: “هل يُعقل أن تضم القضية الواحدة سوريين ولبنانيين محكومين بالمؤبد أو الإعدام في ملفات شابها التعذيب والفبركة، وهي انتهاكات موثّقة في تقارير دولية، ثم يُفرج عن السوري فيما يبقى اللبناني خلف القضبان مدى الحياة؟”، محذراً من أن ذلك “سيشعل انفجاراً داخل السجون”.

الإضراب يتمدّد

لم يبقَ الإضراب عن الطعام محصوراً في المبنى “ب”، إذ سرعان ما اتّسع نطاقه ليشمل مبانٍ وسجوناً أخرى.

وأعاد هذا التطوّر واقع السجون مجدداً إلى الواجهة، في وقت يرى معنيّون بالشأن الحقوقي، ومنهم، صبلوح أن الإضراب عن الطعام “يكشف حجم اليأس الذي يواجهه السجناء”، محذراً من أن تتخذ الأمور “منحى تصاعدياً”.

من جانبه، يحذّر محمود من أن الإضراب قد يفضي إلى وفيات، “خصوصاً أن عدداً من المرضى توقفوا عن تناول أدويتهم”، مؤكداً أنه “لا سقف زمنياً للإضراب”، وأن أيّ مبادرة رسمية ستُقيَّم لاحقاً وفق جديتها.

ويبقى القلق من احتمال انزلاق تحرّك السجناء نحو مراحل أكثر خطورة، إذا لم يحظ بتجاوب رسمي، وفي هذا الإطار، أعرب مصدر في قوى الأمن الداخلي، في حديث لموقع “الحرة”، عن أمله بعدم الوصول إلى هذا السيناريو، مشدداً على أن العمل داخل السجون “يقوم على التعاون والتنسيق والحوار الدائم مع السجناء”، معتبراً أن هذا النهج “يشكّل عاملاً أساسياً في الحد من أيّ تصعيد محتمل”.

أرقام وصلاحيات

بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، “يضم سجن رومية نحو 3500 سجين، فيما لا تتجاوز طاقته الاستيعابية 1050 فقط، ما يحوّل الزنازين إلى مساحات عقاب جماعي لا تصلح للبشر”.

ويشير صبلوح إلى أن الاكتظاظ في السجون اللبنانية “تجاوز 300 في المئة، فيما يُقدَّر عدد السجناء السوريين بنحو ألفي شخص، غالبيتهم من دون أحكام قضائية. من بينهم نحو 160 محتجزاً بتهم مرتبطة بالإرهاب، لا سيما على خلفية أحداث عرسال عام 2014، حين شنّت جماعات مسلّحة، بينها جبهة النصرة وداعش، هجمات على الجيش اللبناني”.

ويتساءل صبلوح “إذا نجحت السلطة السورية في رفع الظلم عن السجناء السوريين في لبنان، فمن يرفع الظلم عن السجناء اللبنانيين الذين ناصروا الثورة السورية وأُلقوا في السجون؟”.

في المقابل يشدد المصدر الأمني على أن ملف المحاكمات وتسريعها “لا يدخل ضمن صلاحيات قوى الأمن الداخلي، بل يعود إلى السلطة القضائية”.

الأوضاع في السجن

يصف السجناء أوضاع السجون اللبنانية بأنها “مأساوية”، في ظل تزايد الوفيات وانعدام الرعاية الصحية، مؤكدين، وفاة 44 سجيناً خلال العام الماضي، إضافة إلى ست وفيات منذ مطلع العام الجاري، إحداها نتيجة انتحار.

وفي هذا الإطار، حذّرت هيئة رعاية السجناء وأسرهم، خلال اجتماع عقدته في دار الفتوى، من “كارثة إنسانية واجتماعية تتفاقم يوماً بعد يوم”، مطالبة بالإسراع في بتّ المحاكمات وإقرار قانون العفو العام. كما نظّمت أمهات وزوجات الموقوفين الإسلاميين وقفة احتجاجية، الاثنين، أكدن خلالها أن معاناة أبنائهن مستمرة منذ أكثر من 14 عاماً، “من فبركة الملفات والتعذيب، إلى القضاء العسكري الكيدي وظروف السجون القاسية”.

ويتجدّد طرح العفو العام بين الحين والآخر، غير أن الانقسامات السياسية حول نطاقه وحدوده ما زالت تحول دون إقراره.

من جانبه، يؤكد صبلوح أن معاناة السجناء في السجون ونظارات قصور العدل، “تطال مختلف الفئات، نتيجة تقصير الدولة في تأمين أبسط الحقوق، من استشفاء ودواء ورعاية صحية ونظافة وغذاء، إضافة إلى عدم انتظام نقل السجناء إلى جلسات المحاكمة، في ظل شلل شبه كامل في عمل القضاء بسبب اعتكاف المساعدين القضائيين”، ويشير إلى تسجيل وفيات متكررة ناجمة عن الإهمال الطبي وتأخر نقل المرضى إلى المستشفيات.

وفيما تتكرّر الاتهامات بالإهمال في مجالي الطبابة والتغذية، يفيد المصدر الأمني بأن أوضاع السجون “شهدت تحسّناً ملحوظاً مقارنة بسنوات سابقة”.

وكانت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي قد أكدت، في بيان صدر في 25 يناير، أن “حياة السّجناء وصحّتهم أمانة ومسؤولية لا يمكن التّهاون فيها، لهذا يتمّ اتّخاذ الإجراءات الطبّيّة عند الاقتضاء على نحو مباشر، بالتنسيق مع الجهاز الأمني والطبّي في كلّ السّجون اللبنانية، بحيث يتلّقى كلّ سجين الرعاية الصّحيّة التي يحتاجها بحسب حالته، في داخل السجن أو في المستشفى إذا لزم نقله إليه، مع الحرص على متابعته عند إعادته إلى داخل السجن”.

بين الجوع والانتظار

يشير صبلوح إلى وجود مشاريع قوانين عالقة منذ سنوات في أروقة المجلس النيابي، تتضمّن “تخفيض السنة السجنية لمرة واحدة، وتحديد سقوف للأحكام المؤبدة والإعدام، إضافة إلى إخلاء سبيل الموقوفين الذين أمضوا أكثر من 10 سنوات من دون محاكمة”. ويؤكد أن هذه المقترحات لا تندرج في إطار العفو العام، “بل تمثّل مدخلاً إلى عدالة انتقالية تهدف إلى حماية الحقوق الأساسية ومعالجة الاكتظاظ الخانق في السجون”.

ويحذّر صبلوح من أن السجون اللبنانية تقف اليوم على حافة الفوضى، مشدّداً على أن الحل يكمن في “إقرار مشروع قانون العفو الذي قدّمته كتلة الاعتدال الوطني في ديسمبر 2024، والذي يرمي إلى منح عفو عن بعض الجرائم وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي”.

اليوم، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام تحدٍّ حقيقي: إمّا التحرّك سريعاً لاحتواء الأزمة عبر إجراءات قضائية وقانونية وإنسانية عاجلة، وإمّا تركها تتفاقم بما ينذر بتداعيات أمنية وإنسانية قد يصعب السيطرة عليها.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading