“أجبرتمونا على الاستيقاظ في ساعات الفجر الأولى، والخروج بملابس النوم من دون استعداد أو وجهة واضحة. معي في السيارة امرأة تعاني من الديسك، وعائلة كاملة، والوقود يوشك على النفاد… ما ذنبنا نحن فيما يجري؟”.
بهذه الكلمات وثّق نازح لبناني لحظة هروبه، في مقطع فيديو صوّره من داخل سيارته العالقة في زحمة سير خانقة. لم يكن يوجّه صرخته إلى شخص بعينه، بل إلى مشهد كامل بدا وكأنه ينهار فوق رؤوس أصحابه. صوته اختلط بأصوات أبواق السيارات، فيما الطريق التي اعتاد سلوكها تحوّلت فجأة إلى ممر نجاة.
جاء النزوح الجماعي من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت عقب إعلان حزب الله إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، وهو ما ردّت عليه الأخيرة بغارات جوية على الضاحية ومناطق لبنانية أخرى.
ولم ينتظر السكان تحليلات سياسية أو بيانات رسمية. لقد سبقهم الخوف إلى الطرقات، وسبقتهم صور النزوح إلى منصات التواصل الاجتماعي.
يسأل الرجل في الفيديو “إلى أين نذهب؟ معي عائلة… معي أطفال”. ومن المقعد الخلفي، يأتي سؤال آخر من امرأة “مع مين عم تحكي يا حسين؟” فيجيب من دون أن يلتفت “مع اللي كانوا السبب”.
وراء قصة هذا الرجل، تتشكل صورة أوسع لمزاج يتبدّل داخل البيئة الحاضنة لحزب الله. تململٌ لم يعد يُخفى، وجرأة متزايدة في التعبير عن الغضب. أسئلة كانت تُهمس في المجالس الضيقة باتت تُقال علناً: ما الجدوى؟ ومن يدفع الثمن؟
على طرقات الهروب
تحوّلت الهواتف المحمولة إلى منصّات لبثّ وجعٍ علني. مقاطع مصوّرة انتشرت تباعاً لأشخاص يخرجون من بيوتهم على عجل، يحمّلون ما تيسّر من حاجيات، ويغادرون تحت وطأة تصعيدٍ لا يملكون حياله سوى الكاميرا وصوتهم المرتجف.
في تلك التسجيلات، لم يكن الغضب موارباً. تحدّث مواطنون بلهجة مباشرة عن “زجّهم في حروب الآخرين”، معتبرين أن الحزب أخذهم إلى مواجهة “من أجل إيران”. وأشار بعضهم إلى أن الحزب لم يفتح جبهة رغم تعرضه للقصف وعمليات الاغتيال على مدى الأشهر السابقة، “لكن هذه المرة أتت الأوامر من طهران”، وفق ما قاله أحد المواطنين في مقطع متداول.
الكلمات بدت أثقل من أصحابها. بعضهم أقرّ أنه لم يعد قادراً على احتمال نزوح جديد، بعدما استنزفتهم موجات النزوح السابقة وراكمت فوق أكتافهم أعباءً معيشية خانقة. ومع اشتداد موجة بردٍ قارسة وتزامن التصعيد مع شهر رمضان، تضاعف الإحساس بالقسوة: صيامٌ في العراء، وقلقٌ على المأوى، وخشية من غدٍ مجهول.
لم تعد الحرب بالنسبة إليهم شعارات أو حسابات سياسية، بل كلفة يومية تُدفع من البيوت والأرزاق والأعصاب. كلفة يقولون إنها لم تعد تُحتمل، لا معنوياً ولا مادياً.
في هذا السياق، يؤكد رئيس تحرير موقع “جنوبية” الصحافي علي الأمين أن المزاج العام في لبنان يشهد تحولاً ملحوظاً، ولا سيما داخل البيئة التي لطالما اعتُبرت حاضنة لحزب الله، “بعدما انقلبت معادلة الأمان التي شكّلت لسنوات مبرراً لدعمه، إلى مصدر قلق وخوف لدى شريحة واسعة من أبناء هذه البيئة نفسها”.
ويوضح الأمين في حديث لموقع “الحرة” أن “منسوب الانتقادات للحزب ارتفع إلى مستويات غير مسبوقة عقب إطلاقه الصواريخ وما تلاه من ردود إسرائيلية وهجمات مكثفة، رافقها تهجير ونزوح ومخاوف جدية من اجتياح بري”. وبحسب تقديره، فإن “شريحة كانت تُظهر تعاطفاً مع الحزب بدأت اليوم تبتعد عنه وتوجّه له انتقادات حادة، في ظل شعور متزايد بأن كلفة خياراته العسكرية باتت أثقل من أن تُحتمل”.
ويستثني الأمين من هذا التحول “الفئات المرتبطة بالحزب معيشياً”، معتبراً أنها ستبقى إلى جانبه دفاعاً عن مصالحها.
هروب نحو المجهول
مروان (38 عاماً)، من صور، يختصر لحظة الخروج المتعجل بكلمات قليلة تختزن كل الفوضى التي عاشها “هربنا قبل أن نفهم ماذا يحدث”، يقول لموقع “الحرة”. لم يكن هناك متسع لتحليل أو انتظار “حين وصلنا خبر إطلاق الصواريخ، لم أفكر كثيراً. نظرت إلى زوجتي، ففهمت من عينيها أننا سنعيد المشهد نفسه”.
لم يخطط لوجهة، ولم يسأل عن المسار. التصرف كان غريزياً أكثر منه عقلانياً “وضعت بعض الثياب في حقيبة صغيرة، حملت هوياتنا وجوازات السفر، وأخذت أطفالي إلى السيارة. لم أكن أعرف إلى أين سنذهب، فقط أردت أن نبتعد عن الجنوب”.
الطريق إلى بيروت، التي لا تستغرق عادة أكثر من ساعة ونصف، تحوّلت إلى رحلة استنزاف امتدت لأكثر من 15 ساعة. زحمة خانقة، أبواق متقطعة، ووجوه شاحبة “الشعور ذاته بأننا نهرب من قدر لا نملك تغييره”، يقول مروان، مستعيداً إحساس العجز الذي يرافق كل موجة تصعيد.
اليوم، يقيم الرجل مع نحو عشرين شخصاً تحت سقف واحد في منزل أحد أقاربه. “ننام على الأرض. نتقاسم الوسائد والبطانيات. نحاول أن نُشعر الأطفال أن الأمر مؤقت، أن العودة قريبة”.
العبء لا يقتصر على القلق والخوف. الضغوط المعيشية تحضر بقسوة أيضاً، ويشتكي كثيرون من ارتفاع كبير في “إيجارات الشقق السكنية”.
ويعتبر مروان أن قرار الحرب لا يجب أن يُتخذ بمعزل عن الثمن الذي يدفعه الناس. ويقول بوضوح “لم يعد يهمني سوى أطفالي وسقف يحميهم، لا شعارات حزب الله ولا حساباته”.
“بيوت” فوق سقف شاحنة
وسط زحمة السير الخانقة التقطت صورةٍ على عجل. بدت شاحنة صغيرة كأنها تحمل أكثر من قدرتها على الاحتمال. لم تكن محمّلة بأثاثٍ، بل بحياة كاملة وُضعت فوق سقفها على استعجال: أكياس ممتلئة مربوطة بحبال وحقائب متكدّسة.
في صندوق المركبة مراهقة تحدّق بصمت إلى الخارج، ورجل يحاول أن يخلق مساحة إضافية لجسدٍ لا يجد موطئاً له. الأضواء الحمراء المنعكسة من السيارات المحيطة تصبغ المشهد بلون الطوارئ، فيما المحركات تئنّ تحت ضغط الانتظار.
في تلك الليلة، امتدت طوابير السيارات من الضاحية الجنوبية لبيروت إلى مداخل العاصمة، ومن قرى الجنوب والبقاع نحو مناطق اعتُبرت أكثر أماناً. في نقاط عدة، تحوّلت الطرقات إلى مواقف مفتوحة: سيارات نفد منها الوقود، وأخرى تعطّلت تحت وطأة الرحلة غير المخططة. عائلات نامت داخل مركباتها، وأخرى افترشت الأرصفة.
مدارس فُتحت على عجل لاستقبال النازحين، وسرعان ما امتلأت. في ساحاتها تراكمت حقائب صغيرة ووجوه مرهقة تبحث عن زاوية أمان.
غضب يتجاوز الصواريخ
أبو فادي (60 عاماً) لا يتحدث بلغة بيانات ولا يستعير مفردات السياسة. يقول لموقع “الحرة” “ماذا استفدنا من إطلاق الصواريخ؟ في النهاية نحن من يدفع الثمن”. يتوقف قليلاً، كأنه يستعرض في ذاكرته صوراً لم تُرمّم بعد. “بيوتنا في الجنوب ما زالت مهدّمة منذ الحرب السابقة، لم نلتقط أنفاسنا بعد… والآن لا نعلم إن كانت منازلنا في الضاحية ستبقى”.
أما أم هادي، فتتحدث عن أطفالها الثلاثة الذين أجبروا على مغادرة منزلهم بعد منتصف الليل. تقول لموقع “الحرة” “كيف أشرح لطفل في السابعة لماذا علينا أن نغادر بلدتنا في البقاع فجأة؟ ماذا أقول له؟ إن حزب الله قرر إن يزجنا في حرب جديدة”.
في خضمّ التصعيد، لم يقتصر غضب اللبنانيين من حزب الله حيث ارتفعت الأصوات في وجه السلطة التنفيذية.
في هذا السياق، تقول منى لموقع “الحرة” “لو كانت الحكومة اللبنانية حازمة في تنفيذ قرارها بنزع سلاح حزب الله، لما أُطلقت الصواريخ، ولما وُرّطنا في حرب جديدة، ولما اضطررنا للهروب. ما ذنبنا أن نبقى معلّقين من حرب إلى أخرى؟”.
في المقابل، يرى الأمين أن قرار الحكومة الصادر أمس الاثنين، والقاضي برفع الغطاء عن الحالة العسكرية والأمنية للحزب، “يشكّل خطوة مفصلية يفترض أن تُترجم عملياً عبر تكريس مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة”. ويشدد على أن “الجيش اللبناني يحظى اليوم بحالة التفاف ودعم شعبيين غير مسبوقين، ما يمنحه غطاءً واسعاً لتنفيذ أي قرار من شأنه تعزيز موقعه كمرجعية وحيدة للقرارين العسكري والأمني في البلاد”.
وبين سيارة عالقة على الطريق ومدرسة لم تعد تتسع لنازحين جدد، يتشكل “تسونامي غضب في وجه حزب الله” داخل “بيئته الحاضنة”.



