مصير سجناء داعش بعد نقلهم للعراق

قبل أيام، بدأت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تنفيذ خطوة لافتة للغاية، تمثلت في إخلاء الآلاف من عناصر تنظيم داعش من سجون شمال شرقي سوريا ونقلهم إلى العراق.

وقد كشفت القيادة المركزية الأميركية في تصريحات خاصة لـ”الحرة” أن عملية نقل ما يقرب من 7 آلاف من معتقلي داعش في سوريا للعراق ستستغرق أياما فقط.

وتثير الخطوة جدلاً في العراق وخارجه.

في الخارج، ثمة من يتساءل عن توقيت الخطوة وأبعادها، ويبدي مخاوف تجاه مصير سجناء في بلد يطبّق عقوبة الإعدام.

أما في الداخل، فالقلق الأكبر ينصبّ حول ما إذا كان العالم قد رمي بـ”كرة نار” بين أيدي العراقيين، بعد أن تهرّب لسنوات من البحث عن حلّ جذريّ للمشكلة.

قلق أميركي

توقيت الخطوة، وفق خبراء، ليس تفصيلاً. التغيرات السياسية المتسارعة في سوريا أعادت خلط الأوراق في شمال شرقي البلاد، حيث تحتجز قوات سوريا الديمقراطية (قسد) آلافاً من عناصر التنظيم.

وتعتقد د. ديفورا مارغولين، كبيرة باحثين في معهد واشنطن، أن قرار نقل ما يصل إلى سبعة آلاف سجين يعكس قلقاً أميركياً حقيقياً من الوضع الأمني في شمال شرقي سوريا.

تقول مارغولين إن مظاهر الفوضى، وانعدام التنسيق بين “قسد” والجيش السوري توحي بأن أيّ انتقال سياسي أو أمني لن يكون سلساً. ورغم أن وقف إطلاق النار خفف بعض المخاوف، إلا أنه، برأيها، “لم يعالج جذور الأزمة، بدليل الفوضى التي رافقت عمليات نقل سابقة في معسكرات الاحتجاز”.

وكانت قسد قد طالبت الدول المعنية باسترداد مواطينها المتورّطين في قضايا الإرهاب من السجون، إلا أن دولاً قليلة فعلت ذلك.

ووفقاً لتقدير مارعولين، فإن المعتقلين يشكّلون تهديداً أمنياً فعلياً، ما دفع الولايات المتحدة والتحالف الدولي إلى اعتبار أن تأمينهم داخل العراق هو الخيار الأقل خطورة في هذه المرحلة.

القراءة العراقية

في الجانب العراقي، لا تغيب المخاوف من تبعات الخطوة على الأمن، في بلد لطالما عانى من الإرهاب.

لكن أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، إحسان الشمري، يعتبر أن نقل هذا العدد الكبير من السجناء يأتي ضمن رؤية تهدف إلى منع سيناريو أكثر كلفة، وهو “فرار آلاف الدواعش من سجون قسد”. مثل هذا السيناريو، برأي الشمري، كان سيكلّف العراق أمنياً وعسكرياً واقتصادياً أضعاف ما قد يكلفه احتجازهم على أراضيه، خصوصاً أن التنظيم قد يجد في الجغرافيا العراقية بيئة هشة تسمح بإعادة التسلل والنشاط.

لكن الشمري لا يقلل من حجم التحدي، بل يصفه بـ”المزدوج”: أمني ومالي. فالعراق، كما يؤكد، يدخل مرحلة اختبار جديدة أمام المجتمع الدولي، لا سيما أن الغالبية العظمى من هؤلاء السجناء يحملون جنسيات دول أخرى، ما يجعل بغداد في مواجهة مباشرة مع عواصم ترفض تحمّل مسؤولياتها.

المسألة لا تتوقف عند البعد الأمني، بل تمتد إلى المربع القانوني والسياسي.

كذلك، ترى مارغولين أن نقل المعتقلين إلى العراق ووضعهم تحت سلطة دولة معترف بها دولياً، يخلق فرصاً قانونية لم تكن متاحة سابقاً. “قسد” لا تملك، كما تقول مارعولين، صلاحيات المحاكمة أو الترحيل، بينما يستطيع العراق، كدولة، القيام بهذين الإجرائين. ومع ذلك، تلفت مارغولين إلى أن الحكومة العراقية أوضحت أن استقبال هؤلاء هو حلّ مؤقت، وأن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية تبقى أولوية.

من جهته، يعتبر الشمري أن هذا الملف قد يتحول إلى أداة ضغط حقيقية على الدول الرافضة لاستعادة رعاياها. فمع استمرار احتجازهم، قد تجد تلك الدول نفسها مضطرة إلى تقديم دعم مالي للعراق، في ظل الأعباء الاقتصادية التي يفرضها هذا الملف على بغداد

عقوبة الإعدام

تبدي منظمات دولية قلقها من احتمال لجوء العراق إلى تنفيذ عقوبة الإعدام بحق المعتقلين الأجانب، بناء على أحكام قضائية.

ويقول الشمري إن “القضاء العراقي، بحسب الدستور والقوانين النافذة، يملك الحق الكامل في تطبيق عقوبة الإعدام على الأجانب، ولا يوجد نص دولي مُلزم يمنع ذلك أو ضغوط محتملة”. يؤكد: “الضغوط يمكن أن تكون سياسية لكنها ليست قانونية”.

ويجيز قانون العقوبات العراقي محاكمة الأجانب عن الجرائم التي تمس أمن الدولة، بما في ذلك الانتماء إلى تنظيم إرهابي استهدف العراق، حتى لو وقعت بعض الأفعال خارج أراضيه، كما يوضح الشمري.

أما مارغولين، فترى أن الصورة ما تزال غير واضحة. فالعراق أعلن نيته محاكمة المعتقلين، لكنه سبق أن أصدر أحكام إعدام بحق أجانب، بينهم فرنسيون، “ما يفتح باباً واسعاً للتساؤلات القانونية والأخلاقية”. وتشير إلى وجود ضغوط كبيرة على “التحالف الدولي” لضمان محاسبة هؤلاء على جرائمهم، بما فيها الجرائم الدولية الجسيمة، دون أن يكون الإعدام الخيار الحتمي.

وعلى هذا النحو، يشكل ملف سجناء داعش اختبارا لكلّ الأطراف المعنية أو المنخرطة فيه، والكلمة الفصل تبقى لمدى قدرتها على إيجاد حلّ جذريّ للمسألة، بما يسهم في منع انبعاث التنظيم مجدداً.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading