القمع الإيراني بنكهة صينية

تذكرنا الاحتجاجات التي اجتاحت شوارع إيران منذ نهاية ديسمبر الماضي، بموجة الغضب التي انفجرت بعد وفاة الفتاة الكردية مهسا أميني عام 2022، مع اختلاف واضح في الزخم وفي وسائل قمع المحتجين.

عقب احتجاجات 2022، أعلنت السلطات أنها ستعتمد على كاميرات “ذكية” في الأماكن العامة لتحديد النساء “غير الملتزمات بالحجاب” وإرسال إنذارات وعقوبات بأقل تدخل بشري ممكن. وكان هذا الإعلان إشارة صريحة إلى تحول في الأدوات، من الدوريات الراجلة إلى الخوارزميات، ومن الشرطة الميدانية إلى البنية التحتية الرقمية.

وفي موجة الاحتجاجات الحالية، أخذ هذا التحول بعدا أكثر قسوة مع قطع الإنترنت – منذ 8 يناير 2026 – في محاولة لعزل الشارع عن بعضه وعن العالم، وتقليل كلفة القمع سياسيا عبر تقليص التوثيق والانتشار.

يقف خلف هذا التحول شريك تقني معروف: الصين.

وعلى مدى أكثر من عقد، نسجت بكين شراكة أمنية مع طهران تقوم على ثلاثة مرتكزات، وهي التدريب الشرطي، وتصدير”النموذج”، وتوريد تكنولوجيا مراقبة متقدمة.

قطع الإنترنت في إيران منذ 8 يناير 2026 عقب الاحتجاجات (رويترز)

التدريب الشرطي

بدأ التعاون الأمني والمؤسسي بين بكين وطهران بشكل فعلي في عام 2015، وكان أبرز مظاهره برامج تدريب الشرطة الإيرانية على يد نظرائها الصينيين. وشملت برامج التدريب تكتيكات متقدمة في السيطرة على الحشود وتقنيات المراقبة الصينية لقمع الاضطرابات الداخلية. أبرزها تلك التي تقيمها جامعة الأمن العام الصينية منذ عام 2015، عندما استضافت الجامعة، التي  تعد من أبرز الأكاديميات الشرطية في الصين، ورشة عمل متقدمة لضباط إيرانيين رفيعي المستوى في مجال إنفاذ القانون.

تبع ذلك في مايو 2016، زار وفد رسمي إيراني برئاسة نائب وزير الداخلية مقر الجامعة في بكين للاطلاع على أساليب التدريب والتجهيز. 

وفي عام 2017، زار ضباط من الشرطة الإيرانية الجامعة لبحث سبل التعاون، كما أرسلت الصين كبار مدربيها لعقد دورة متقدمة لـ 19 ضابطا إيرانيا من القيادات الوسطى والعليا.

استمرت هذه الزيارات المنتظمة لتعزيز التعاون الشرطي، وشملت زيارة وفد من وزارة الداخلية الإيرانية للجامعة في أبريل 2018، تلتها زيارة وفد من جامعة الأمن العام إلى كل من إيران وتركيا في يوليو من العام نفسه.

بلغت هذه التبادلات ذروتها في 28 ديسمبر 2025 بعد أيام من اندلاع الاحتجاجات، تمثلت بزيارة السفير الإيراني لدى بكين إلى الجامعة. 

وبالتوازي مع التدريب العملي، عملت بكين على تصدير نموذجها الفكري إلى طهران.

تصدير النموذج

يقوم هذا النموذج على عقيدة صينية تعرف باسم “حفظ الاستقرار” والتي تعطي الأولوية القصوى لاستتباب النظام وحماية أمن النظام الحاكم على أي اعتبارات أخرى.

 تشير تحليلات مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى أن مفهوم “حفظ الاستقرار” في الخطاب الصيني يعني عمليا قمع أي بوادر لعدم الاستقرار أو تحركات جماعية أو احتجاجات شعبية باستخدام أجهزة الشرطة والأمن.

 بكين نفسها طبقت هذه العقيدة بصرامة داخل حدودها في إقليم شينجيانغ، حيث أقامت السلطات منظومة مراقبة شاملة تخضع ملايين الأفراد لمتابعة مستمرة.

وتعزو الصين نجاحها في ضبط مناطق مضطربة مثل شينجيانغ والتبت إلى المزج بين التقنيات المتقدمة و”النموذج الأمني”. وهو النموذج الذي بدأت في تصديره للخارج، بما في ذلك إيران.

 إلى جانب ذلك، أصبحت الصين المزود الأول عالميا بتكنولوجيا المراقبة للدول الأخرى، وتواجه اتهامات بأنها تساعد حكومات مثل إيران وباكستان على قمع المعارضة.

وتمثلت عملية نقل النموذج الصيني إلى إيران أيضا في تبني مفاهيم مثل “المدينة الآمنة”، وهو مفهوم روجت له حسب مصادر صحفية شركة هواوي الصينية. ويعتمد بدرجة رئيسية على نشر واسع النطاق للكاميرات الذكية وتقنيات التعرف على الوجوه في الأماكن العامة، بهدف ردع المخالفين وتحقيق الضبط الأمني بشكل آلي.

 وقد أقرّ مسؤولون إيرانيون علانية بمفهوم “المدينة الآمنة” الخاص بهواوي، لدرجة أن مدنا كبرى مثل طهران وكاشان استضافت مؤتمرات لمناقشة تطبيقه في عام 2017.

ورغم أن إيران لا تنسخ إجراءات الصين حرفيا، فهي تستورد المفهوم الصيني للعلاقة بين الأمن والتكنولوجيا، أي أن السيطرة على المجتمع في عصر المعلومات تتطلب بنية مراقبة متكاملة وقدرات تحليلات بيانات آنية.. وهذا ما يمكن فهمه في المرتكز الثالث.

جناح شركة تياندي خلال معرض “سيكيوريتي تشاينا 2018” في بكين. (رويترز)

تكنولوجيا المراقبة

تدفق تقنيات المراقبة الصينية إلى إيران يمثّل المرتكز الأبرز في هذه الشراكة، إذ ساهم في بناء البنية التحتية لـ”الدولة المُراقِبة” الإيرانية على مدى العقدين الماضيين.

 ومنذ عام 2003، دخلت إلى السوق الإيرانية ما لا يقل عن ثماني شركات صينية متخصصة في تقنيات المراقبة بينها شركات خضعت لاحقا لعقوبات أميركية ودولية.

ومن بين هذه الأسماء تبرز تياندي (Tiandy)، المتخصصة في أنظمة المراقبة بالفيديو، بوصفها لاعبا رئيسيا في إيران منذ عام 2007. وتُسوّق الشركة كاميرات بقدرات تصوير ليلي متقدمة مثل تقنية ستارلايت (Starlight) لالتقاط صور ملونة وواضحة في ظروف الإضاءة المنخفضة، وهي ميزة تُعزّز فعالية تتبّع الأفراد في الشوارع أثناء الاحتجاجات.

 وتقدّم وفق موادها التسويقية خوارزميات تحليل فيديو قادرة على رصد التجمعات والأنماط “غير الاعتيادية” وإطلاق تنبيهات فورية للجهات الأمنية. 

وكانت الشركة قد أشارت في وقت سابق إلى الحرس الثوري ضمن قائمة عملائها، بما يعكس تداخلا مباشرا مع البنية الأمنية الإيرانية.

 ورغم إدراج تياندي على القائمة السوداء الأميركية عام 2022، فإن حضورها التجاري في إيران بحسب تقارير وتتبّع شحنات لم يتوقف. 

تأتي في المرتبة التالية شركة هيكفيجن (Hikvision)، وهي بدورها متخصصة في أنظمة المراقبة بالفيديو. بدأت هيكفيجن نشاطها في إيران عام 2008 واستمرت فيه حتى عام 2021.

لم يقتصر دور هيكفيجن على بيع كاميراتها في طهران فحسب، بل إن لها أدوارا موثقة في تأسيس منظومة مراقبة واسعة النطاق في إقليم شينجيانغ بالصين. وأثار هذا السجل قلقا دوليا كبيرا بشأن استخدام تقنيات الشركة في عمليات القمع الجماعي.

كما لعبت شركات اتصالات صينية كبرى دورا مماثلا، متجاهلة بذلك العقوبات الغربية المفروضة عليها. تشمل هذه الشركات:

هواوي (Huawei): بدأت العمل في إيران منذ عام 2006، وقامت بتركيب معدات مراقبة استُخدمت من قِبل الأجهزة الأمنية الإيرانية لاعتقال المعارضين، واستمر تواجدها حتى عام 2022.

وشركة زد تي إي (ZTE): دخلت الشركة السوق الإيرانية مبكرًا في عام 2003، حيث زوّدت شركة الاتصالات الحكومية بنظام تنصت ضخم. علاوة على ذلك، لعبت تقنياتها دورا محوريا في قمع تظاهرات عام 2010. نتيجة لذلك، أُدرجت الشركة لاحقًا على قوائم العقوبات بسبب تحايلها عليها.

وداهوا (Dahua): متخصصة في كاميرات المراقبة الذكية، بدأت عملها في عام 2013 وما زالت تورّد كاميرات متطورة للتعرف على الوجوه وتتبع الأشخاص، على الرغم من إدراجها على قوائم العقوبات منذ عام 2019.

إلى جانب هذه الأسماء البارزة، تنشط أيضا شركات صينية أخرى مثل تنسنت (Tencent) المزودة بتطبيقات تواصل ومراقبة رقمية منذ 2008، ويوني‌ فيو (Uniview) ثالث أكبر مصنّع صيني للكاميرات والمشهود بتقنيات التتبع العرقي التي استُخدمت ضد الإيغور، وفايبرهوم (FiberHome) المزودة بأنظمة اتصالات ضوئية ومراقبة للشبكات منذ 2008.

كاميرات مراقبة من شركة تياندي (رويترز)

سوق غير مجدية.. ومستمرة؟

الحضور الصيني في إيران رغم العقوبات الأمييكية، لا يفسَّر بمنطق السوق. فصادرات معدات المراقبة الصينية لإيران بين 2013 و2025 كانت منتظمة، لكن حصة إيران لا تتجاوز 0.1% عالميا، ما يؤكد أن السوق الإيرانية غير مجدية تجاريا. لذا، يرجَّح أن استمرار التوريد يعود إلى اعتبارات استراتيجية وأمنية بالدرجة الأولى.

الأدلة الرقمية تكشف أيضا عن مؤشرات نوعية لافتة. ففي بعض السنوات، قفز متوسط قيمة الوحدة الواحدة للمعدات الموردة إلى إيران إلى مستويات خارجة عن النطاق المعتاد (10–25 دولارا للوحدة عالميا).

 ففي عام 2023، سجلت شحنة واحدة متوسط سعر يقارب 100 ألف دولار للوحدة، وهو رقم لا يمكن أن يطابق كاميرا مراقبة استهلاكية، بل يوحي بتوريد أنظمة متكاملة مخصصة للاستخدام الحكومي عالي الحساسية.

 ويُرجّح أن هذه الشحنات شملت حلولا شاملة مثل منصات تحكم مركزية أو خوادم تخزين بيانات أو برمجيات تحليل وجوه، وربما حتى خدمات ما بعد البيع والتدريب.

هذا النمط من الشحنات لا يعكس مجرد تجارة، بل عقودا رقمية ذات طابع سيادي.  وفي هذا السياق، تتحول الرقابة الرقمية إلى أداة وسلعة تُصدّر ضمن “حزمة شراكة أمنية” تتجاوز المعدات لتشمل المفاهيم والخبرات. 

ومن خلال هذا التداخل الثلاثي بين التدريب، و”النموذج” والتكنولوجيا تقدم الصين لإيران نموذجا مكتمل الأركان في السيطرة الرقمية.

عزت وجدي

عزت وجدي صحفي ومنتج أفلام وثائقية يمني يقيم في العاصمة الأميركية واشنطن، يحمل درجة الماجستير في الدراسات الإعلامية

 


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading