يقف الشرق الأوسط اليوم على فوهة تحولات كبرى، تحالفات قديمة تتداعى، ومراكز قوى جديدة تبرز، من العلاقات التركية الجديدة مع جيرانها إلى المحادثات رفيعة المستوى في سوريا.
في هذا اللقاء، تستضيف الحرة المحلل المخضرم توم غروس، المعروف بقدرته على كشف ما وراء العناوين وسد الفجوات في السردية الإعلامية، لنستشرف مستقبل المنطقة: هل نتجه نحو مزيد من الحروب أم نحو خريطة جديدة للقوة؟
إيران والسعودية والتطبيع
تتجه أنظار العالم بأسره صوب إيران، التوترات في ذروتها. هل ترى ضربة مباشرة تلوح في الأفق أم أن الطرفين سيتراجعان؟
توم غروس: هذا سؤال بالغ الأهمية لكنه في غاية الصعوبة. لا أعتقد أن أحداً يعرف الإجابة باستثناء الرئيس دونالد ترامب، وحتى أنا لست متأكدا أن الرئيس ترامب نفسه يعرفها. المؤكد أن الجيش الأميركي أعدّ خططاً لتنفيذ ضربة إذا أصدر ترامب الأمر بذلك، لكن ترامب بطبيعته يحب الانتصار السريع، وهو ليس رئيساً ميّالاً للحروب الطويلة؛ لا يريد إرسال قوات برية ولا يرغب في الانخراط في نزاع طويل الأمد. إذا نظرنا لعملياته السابقة في فنزويلا أو نيجيريا، سنجد أنها استغرقت ساعات فقط. حتى في يونيو الماضي، عندما انضمت أميركا للقتال في نهاية حرب إسرائيل التي استمرت 12 يوماً ضد البرنامج النووي الإيراني، كانت الضربات محدودة. المشكلة أن ترامب لا يريد ترك فوضى خلفه كما حدث في ليبيا عام 2011، لذا هو يفضل “صفقة” مع النظام، رغم أنني لست واثقاً من استعداد النظام لذلك. كما أنه يخشى فقدان هيبته ولا يريد تكرار تجربة أوباما و”الخط الأحمر” في سوريا.
نسمع تقارير عن انقسامات داخل القيادة الإيرانية. هل بدأ النظام يتصدّع أم أنه أقوى مما يبدو؟
ليس لدي أدنى شك في أن النظام الإيراني لن يستمر طويلاً. إحدى نقاط التحول كانت “حرب الأيام الـ12” في يونيو الماضي، حين أظهرت إسرائيل ضعف القيادة الإيرانية أمام شعبها؛ فإذا كان النظام عاجزاً عن حماية قادته النوويين وقائد الحرس الثوري وقائد الجيش الذين اغتالتهم إسرائيل بدقة متناهية، فكيف سيحمي شعبه؟ هذا شكّل إذلالاً كبيراً.
لكن السؤال: من البديل؟ في جنوب أفريقيا كان هناك مانديلا، وفي تشيكوسلوفاكيا كان هناك هافيل. في إيران، المعارضة منقسمة بشدة حول ولي العهد رضا بهلوي، وقد رأينا عراكاً بالأيدي بين صحفيين معارضين قبل أيام. السيناريو الأقرب لتغيير النظام، للأسف، قد يكون انقلاباً من داخل الحرس الثوري، لشخصية قد تتحول لـ “أتاتورك” جديد يفتح البلاد، أو ربما ديكتاتور قاسٍ آخر.
هل يمكن للشعب الإيراني أن يقبل بحكومة يقودها الحرس الثوري؟
قطعاً لا! المحتجون لن يقبلوا بنظام للحرس الثوري لا يختلف جوهرياً عمن سبقه. لكن المشكلة أن هذه الأنظمة تملك المال والسلاح والبطش، ومن الصعب إسقاطها من الجو وحده. ترامب لن يرسل قوات برية، وتزويد المعارضة بأسلحة خفيفة قد لا يكفي، تماماً كما يحدث في كوريا الشمالية حيث النظام مكروه لكنه باقٍ بقوة الميليشيات. المنطقة والعالم، بما في ذلك دول الخليج وتركيا، لا يريدون بقاء النظام، لكنهم يخشون “الفوضى الشاملة” وضياع اليورانيوم المخصب وتحوله لقنابل قذرة.
وجّهت حرب الأيام الـ12 في الصيف الماضي ضربة قاسية لإيران. إلى أي مدى أضعفتها؟ وما هي خطة إسرائيل الآن؟
يبدو أن إسرائيل بعثت برسائل عبر بوتين تفيد بأنها لا ترغب في مواجهة كبرى. مصلحة إسرائيل العليا هي منع امتلاك إيران لسلاح نووي لأنه “تهديد وجودي”. المصلحة الثانية هي قيام حكومة ديمقراطية تعيد العلاقات الودية التي كانت قبل 1979. إسرائيل لا تسعى لحرب شاملة لأن مجتمعها أُنهك بعد عامين ونصف من الحروب المتواصلة مع حماس وحزب الله والحوثيين. هي ستكتفي بتقديم مساعدة استخباراتية لهدم النظام من الداخل أو تأخير برنامجه النووي.
وماذا عن الوكلاء؟ هل لا يزال بإمكانهم القتال معاً دعماً لإيران؟
حزب الله تضرر بشدة بعد هجمات الـ “بيجر” واغتيال نصر الله، وأصبح ظلاً لما كان عليه، خاصة مع فقدان داعمه، نظام الأسد في سوريا. الحكومة السورية الحالية لا تكنّ وداً لحزب الله، واللبنانيون يريدون دمج الحزب في الدولة كحزب سياسي. أما الحوثيون فهم الوحيدون الذين يملكون قدرة فعلية على التحرك حالياً، لكن استهدافهم صعب جغرافياً واستخباراتياً. نعم، الأذرع مثل حماس، حزب الله، الحوثيون، يرغبون في دعم إيران، لكن قدراتهم تراجعت كثيراً.
يزور الرئيس أردوغان السعودية ومصر حالياً. ما الهدف بعيد المدى لتركيا في المنطقة؟
أردوغان طموح جداً. بعدما أوصد الاتحاد الأوروبي أبوابه أمام تركيا، عادت أنقرة للشرق الأوسط لاستعادة مكانتها كقوة إقليمية، على غرار الدولة العثمانية. أردوغان يوازن بين الناتو وروسيا وأوكرانيا، ويحتفظ بعلاقات مع إسرائيل رغم الخطاب المعادي. هو يريد موطئ قدم في غزة، ويحسن علاقاته مع مصر والسعودية للتنسيق بشأن إعادة إعمار سوريا وبشأن الملف الإيراني. تركيا تفضل إيران ضعيفة ليعظم نفوذها هي، لكنها لا تريد الفوضى.
كيف أثّرت حرب غزة على اتفاقيات أبراهام؟ هل أطاحت بالسلام أم صمدت؟
لا أعتقد أن حرب غزة قوّضت اتفاقيات أبراهام. المعارضون لترامب ولإسرائيل تمنوا ذلك، لكن الواقع مختلف. لقد سافرتُ قبل أسبوع من دبي إلى تل أبيب، ورأيت المسلمين واليهود الحريديم في صالة السفر معاً. “الاتحاد للطيران” تسيّر 6 رحلات يومياً لمرتين أسبوعياً، 42 رحلة أسبوعياً، إلى تل أبيب، وهذا رقم ضخم. العلاقات التجارية والسياحية والتقنية، خاصة في تحلية المياه، بين المغرب والإمارات وإسرائيل مستمرة. أما عن سبب عدم انضمام السعودية أو الكويت مؤخراً، فلا أعتقد أنه بسبب حرب غزة، بل لأن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كان يعمل عن كثب مع دونالد ترامب ومستشاريه، مثل جاريد كوشنر وآخرين. عندما فاز الرئيس السابق جو بايدن بانتخابات عام 2020، وتولى الرئاسة في يناير 2021، لم يكن هناك أي حماس من جانبه لمواصلة مسار اتفاقيات أبراهام. وقد صرح بايدن صراحةً بأنه لا يستسيغ محمد بن سلمان بسبب قضية كاتب واشنطن بوست (جمال خاشقجي)، حيث حملته الإدارة مسؤولية اغتياله. هذا الموقف جعل الإدارة الجديدة غير متحمسة للعمل مع السعوديين، بالإضافة إلى عوائق جائحة كوفيد التي جعلت السفر صعباً لسنوات.
ما الذي يمنع السعودية من الانضمام للاتفاقيات حالياً؟
هم ينتظرون التوقيت المناسب. هناك تأخير ناتج عن التنافس بين السعودية والإمارات حول الملف اليمني، ما جعل السعودية تبتعد قليلاً عن إسرائيل، وليس بسبب دعم فجائي للقضية الفلسطينية في غزة، بل لأسباب تتعلق بصراعات النفوذ الإقليمي.
هل من الممكن أن تنضم سوريا لمسار السلام؟
من الممكن جداً أن تنضم سوريا إلى اتفاقيات أبراهام بشكل أو بآخر، وهو أمر كان يُعد غير قابل للتصور قبل وصول الحكومة الجديدة. مجرد طرح هذا الأمر للنقاش يحمل دلالة كبيرة بحد ذاته.
واقع العلاقات العربية الإسرائيلية الراهنة
هل تأثرت علاقات الحكومات العربية بـإسرائيل بسبب الحرب في غزة؟
لا يوجد تغير يُذكر في طبيعة العلاقات بين الحكومات العربية وإسرائيل، فلم تقطع أي حكومة علاقاتها، حتى مصر والأردن. أما قطر، فعلى الرغم من عدم وجود علاقات رسمية، يجري التواصل مع إسرائيل على أعلى المستويات، وبشكل شبه دائم من خلال قمم واتصالات مكثفة. إسرائيل تتمتع حالياً بعلاقات جيدة مع الغالبية العظمى من الدول العربية.
ما حقيقة التواصل بين إسرائيل والسعودية خلف الكواليس؟
الاتصالات الهادئة لم تتوقف أبداً، وهي تعود تاريخياً إلى الخمسينيات والستينيات من خلال تعاون استخباري. هناك معلومات من مصادر موثوقة تشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان التقيا مباشرة في مناسبتين على الأقل في مكانين مختلفين. لذا، التنسيق غير المعلن موجود وقائم.
كيف تقيم العلاقات مع البحرين مقارنة بالإمارات والمغرب؟
علاقة البحرين أقل دفئاً من الإمارات بسبب قلقهم من النفوذ الإيراني، كون غالبية السكان من الشيعة، ما يفرض حذراً حكومياً. ومع ذلك، فالأوضاع طبيعية، حيث توجد رحلات مباشرة بين المنام وتل أبيب، وهناك كنيس قائم في البحرين. العلاقات البحرينية بإسرائيل تُعتبر أفضل مما هي عليه في مصر.
الرأي العام ودور الإعلام في الصراع
هل توجد فجوة بين قرارات الحكومات العربية ورأي شعوبها؟
لا أرى أن الرأي العام هو العائق الأساسي، فالحكومات قادرة على التلاعب بالرأي العام أو استخدامه كذريعة عند الحاجة. في المغرب والخليج، لا يتمتع “الإخوان المسلمون”، الذين تعتبر حماس فرعاً لهم، بشعبية كبيرة، والتعاطف هناك ليس بذات القدر الموجود في مصر والأردن. الاتفاقيات تتم بناءً على تسهيلات وامتيازات سياسية وأمنية.
كيف تعامل الإعلام الغربي مع أحداث غزة؟
هناك فجوة سردية كبيرة؛ فحماس استخدمت الإعلام كلاح بسبب ضعفها العسكري، وعملت على التلاعب بالرأي العام من خلال المبالغة في أرقام الضحايا أو فبركة قصص المجاعة باستخدام أطفال يعانون من أمراض جينية وتصويرهم كضحايا جوع. للأسف، انصاع بعض الصحافيين الغربيّين لهذه الروايات بسبب تحيزاتهم المسبقة ورغبتهم في وسم إسرائيل بالسوء، مما أفقد الإعلام السائد مصداقيته.
مستقبل (غزة) والحلول السياسية
هل يمتلك نتنياهو خطة لليوم التالي في غزة؟
رغم الانتقادات الداخلية في إسرائيل والمطالبة بتقاعده، نتنياهو ليس غبياً وهو قائد استراتيجي. يُعتقد أنه قد يتجه لعقد اتفاق مع الإمارات لجعل غزة إمارة تابعة أو موقعاً استيطانياً مزدهراً يشبه نموذج أبوظبي، وربما يديرها شخص مثل محمد دحلان.
هل يمكن لغزة أن تصبح مثل دبي أو سنغافورة؟
نظرياً، نعم، فغزة تمتلك غازاً طبيعياً، وشعباً مثقفاً وبارعاً في البناء والمهن. إذا وُجدت حكومة لا تتبنى فكر “الجهاد” ضد إسرائيل، فلا مانع من ازدهارها. الخيار الأمثل هو إقامة نسخة مصغرة من دبي في غزة حيث يُحظر فكر الإخوان المسلمين وتزدهر المنطقة اقتصادياً.
ما هو “الخط الأحمر” الأهم بالنسبة لإسرائيل؟
الهدف الاستراتيجي الأول والخط الأحمر الأهم لإسرائيل هو الأمن. إنها تريد ضمان عدم سقوط صواريخ عشوائية على شعبها من أي جبهة، ومنع إعادة تسليح حزب الله أو حماس أو الحوثيين. بقاء إسرائيل ونجاتها أهم عندها من سمعتها الدبلوماسية. على عكس ما يظنه الناس، إسرائيل ليست معزولة دبلوماسياً. فإذا نظرنا إلى الهند، وهي الدولة الأكثر سكاناً في العالم، نجد أن علاقتها بإسرائيل وثيقة جداً؛ لدرجة أن السلطات الهندية رحلت سائحين بريطانيين لمجرد كتابتهما “فلسطين حرة” على أحد الجدران. كما أن هناك علاقات جيدة ومتنامية وغير معلنة مع دول كبرى مثل إندونيسيا، أكبر بلد إسلامي، بالإضافة إلى الأرجنتين، ودول عديدة في أفريقيا جنوب الصحراء، وزيارات رسمية حديثة كزيارة وزير الخارجية الياباني.
الدور الإيراني ومستقبل التنظيمات المسلحة
كيف يمكن منع غزة من البقاء كقاعدة عمليات متقدمة لإيران؟
الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بقطع طرق تهريب السلاح والتمويل. النظام الإيراني هو الوحيد المهتم بجعل غزة قاعدة له، لكنه حالياً في موقف ضعيف جداً واقتصاده متداعٍ، ولا أظنه قادراً على فعل شيء سوى محاولة الصمود. هناك معارضة قوية داخل الشعب الإيراني لسياسات النظام؛ فالهتافات في احتجاجات إيران تقول صراحة: “لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران”. الشعب يطالب حكومته بالكف عن دفع المليارات لدعم مجموعات “عميلة” في حرب عقيمة ضد إسرائيل لن يكسبوها، ويدعونها للاهتمام بشؤونهم الداخلية بدلاً من تبديد الثروات بالخارج.
في الختام، ما هو الأهم لإسرائيل في صراعها الحالي؟
رغم أن إسرائيل تهتم بسمعتها وعلاقاتها الدبلوماسية كحال أي دولة، إلا أن “نجاتها” هي الأهم. لذا، فإن منع إعادة تسليح حزب الله أو الحوثيين أو حماس بالصواريخ يمثل أولوية قصوى تتجاوز في أهميتها أي مضايقات رمزية، مثل رفض اللعب معها في كرة القدم أو مقاطعة مطاعم يملكها إسرائيليون في نيويورك.

رندة جباعي
رندا جباعي صحافية استقصائية تتمتع بخبرة مهنية تزيد على عشرين عامًا في العمل الإعلامي. انضمت عام 2020 إلى فريق التحقيقات في قناة الحرة كمراسلةاستقصائية، حيث نال عملها في شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN) جوائز عدة في مسابقات دولية مرموقة، من بينها AIB وNew York Festivals TV & Film Awards وTelly Awards. شغلت سابقًا مناصب متعددة، منها منتجة في تلفزيون المستقبل، ومراسلة في صحيفة السفير، ورئيسة تحرير لعدة مواقع إلكترونية ومجلات ومقدمة برامج في إذاعة صوت لبنان. تحمل درجتي ماجستير في الحقوق من الجامعة اللبنانية وفي الصحافة من جامعة باريس 2 بانتيون–أساس.

