“السني” و”الشيعي”.. لبنان بين سلاحيْن

لم تكن عملية خطف الجيش الإسرائيلي للمسؤول في الجماعة الإسلامية في لبنان عطوي عطوي من بلدة الهبارية جنوب لبنان، فجر الاثنين، حدثاً أمنياً عابراً في سياق التوتر الحدودي. ففي توقيتها ورسائلها، بدت العملية أقرب إلى إشارة ميدانية تتجاوز شخص المستهدف لتلامس المشهد اللبناني برمّته، في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.

الجيش الإسرائيلي أعلن في بيان أنه عثر على وسائل قتالية داخل المبنى أثناء اعتقال عطوي، متهماً الجماعة بتنفيذ أنشطة معادية على الجبهة الشمالية. في المقابل، اعتبرت الجماعة أن ما جرى يشكّل “تطوراً خطيراً” في الأسلوب والمضمون، ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة المرحلة المقبلة في جنوب لبنان.

تأتي العملية في وقت يواجه فيه حزب الله تداعيات حرب مُني فيها بخسائر كبيرة، فيما تتحرك الدولة اللبنانية، تحت ضغط داخلي وخارجي، لترسيخ مبدأ حصرية السلاح بيدها. غير أن هذا المسار ما يزال محفوفاً بالتعقيدات، في ظل رفض الحزب حصر سلاحه شمال الليطاني واستمرار تمركز الجيش الإسرائيلي في عدد من النقاط جنوب البلاد.

في هذا السياق، يبرز سؤال: إذا تراجع حزب الله (الشيعي) عن الدور العسكري الذي أناط نفسه به طوال سنوات تحت عنوان “المقاومة”، فهل تسعى قوى سنّية إلى ملء هذا الفراغ تحت شعار “تحرير الأرض”؟

يكتسب هذا التساؤل زخماً إضافياً بعد مواقف صدرت عن جهات سنّية، من بينها حركة التوحيد الإسلامي التي شددت في بيان على أن “المقاومة فعل إنساني وحركة طبيعية للدفاع عن النفس”، في ظل ما تصفه بعجز الدولة عن إلزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار.

ذاكرة السلاح السنّي

العمل المسلّح ذو الطابع السنّي ليس ظاهرة مستجدّة في لبنان، بل يشكّل أحد فصول التاريخ السياسي والعسكري المعقّد للبلاد. فقبل صعود حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي، ضمّت الساحة اللبنانية عدداً من التنظيمات السنّية التي حملت السلاح وانخرطت في مسارات الحرب الأهلية وتشابكاتها الإقليمية وكذلك في المواجهة مع إسرائيل.

من أبرز هذه التنظيمات حركة الناصريين المستقلين – المرابطون التي تأسست على يد إبراهيم قليلات. شاركت الحركة في الحرب الأهلية اللبنانية، وخاضت مواجهات ضد إسرائيل خلال اجتياح بيروت عام 1982.

بدورها، شكّلت الجماعة الإسلامية جناحاً عسكرياً عُرف باسم “قوات الفجر”، برز خلال اجتياح 1982. وعاد اسم هذا الجناح إلى الواجهة خلال حرب يوليو 2006، ثم مجدداً في سياق الحرب في غزة عام 2023، مع إعلان مشاركته في عمليات انطلاقاً من جنوب لبنان.

في صيدا، برز التنظيم الشعبي الناصري الذي تأسس بقيادة معروف سعد، وخاض مواجهات ضد إسرائيل خلال الثمانينيات، ولا يزال حاضراً في الحياة السياسية اللبنانية.

أما في طرابلس، فتأسست حركة التوحيد الإسلامي عام 1982 إثر انشقاق عن الجماعة الإسلامية، قبل أن ينتهي حضورها العسكري بعد مواجهات مع القوات السورية  في ثمانينيات القرن الماضي.

ويمتدّ مشهد السلاح السنّي ليشمل مجموعات ذات طابع إسلامي متشدّد ظهرت في مراحل لاحقة، من بينها المجموعة التي خاضت مواجهات مع الجيش اللبناني في أحداث جرود الضنية عام 2000.

المحصّلة أن السلاح السنّي كان حاضراً في محطات مفصلية، لكنه لم يتحوّل في أيّ مرحلة إلى قوة عسكرية موازية أو مهيمنة على مستوى الدولة، كما بات عليه سلاح حزب الله في مرحلة لاحقة.

إنذار مبكر؟

يشير مستشار مركز البحوث حول الإرهاب في باريس بديع قرحاني إلى أن تاريخ المواجهة المسلحة مع إسرائيل انطلاقاً من لبنان ارتبط أساساً بمنظمة التحرير الفلسطينية، لافتاً في حديث لموقع “الحرة” إلى أن الساحة اللبنانية لم تشهد بروز أيّ حزب سنّي لبناني كقوة عسكرية منظّمة لعبت دوراً أساسياً في هذا المسار باستثناء “قوات الفجر”، التي “تحركت في منطقة صيدا، وكان نشاطها محدوداً ومحصوراً جغرافياً وزمنياً”.

بدوره، يرى المحلل السياسي جورج العاقوري، في حديث لموقع “الحرة”، أن “القوى السنية بمعظمها كانت في مراحل سابقة جزءاً من المقاومة الفلسطينية أو متناغمة معها، حتى إن أحد المسؤولين في دار الفتوى اعتبر يوماً أن الفلسطينيين هم جيش السنة في لبنان”.

مع إقرار اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، نُصّ على حلّ الميليشيات ونزع سلاحها، غير أن سلاح حزب الله استُثني تحت عنوان استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، ما كرّس واقعاً أمنياً خاصاً تحت عنوان “المقاومة”. إلا أنّ هذا الاستثناء تحوّل إلى مدخل لزجّ لبنان في صراعات إقليمية وفرض معادلات داخلية، قبل أن يتبدّل هذا الواقع مع الهزيمة الأخيرة التي مني بها حزب الله، ويبدأ الجيش اللبناني تنفيذ خطة حكومية لحصر السلاح بيد الدولة.

في المقابل، أثارت دعوة حركة حماس في ديسمبر 2023 أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان إلى الانضمام إلى “طلائع طوفان الأقصى” مخاوف لبنانية، رغم تأكيد الحركة بعد ذلك احترام سيادة الدولة اللبنانية.

وفي هذا السياق، يستبعد مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية، الباحث الفلسطيني هشام دبسي أن تتمكن حماس من أداء دور عسكري بديل عن حزب الله، مشيراً في حديث لموقع “الحرة” إلى أنها “منخرطة في تفاهمات سياسية إقليمية، لا سيما في علاقتها مع قطر وتركيا، إضافة إلى الترتيبات الجارية بشأن قطاع غزة، بما في ذلك قضايا تتصل بمصير السلاح أو تحييده”.

يذكر أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، شدد خلال زيارته الأخيرة لبيروت، على اقفال ملف السلاح الفلسطيني خارج وداخل المخيمات، غير أن مسار نزع هذا السلاح، وإن بدأ من قبل الجيش اللبناني، إلا أنه لا يزال يواجه تعقيدات سياسية وأمنية.

غياب الغطاء الشعبي

يرى مراقبون أن انتقال السنّة في لبنان من العمل السياسي إلى العمل المسلّح يحتاج إلى غطاء شعبي واسع وبيئة إقليمية داعمة وفراغ أمني فعلي، وهي شروط غير متوافرة حالياً.

فالمزاج السياسي داخل الشارع السنّي شهد في السنوات الأخيرة تحوّلاً لافتاً، كما يقول العاقوري “مع تغليب أولوية الاستقرار الداخلي والتأكيد على الولاء للدولة اللبنانية وسيادتها، ورفع شعار لبنان أولاً، الذي أطلقه رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري”.

ويستدل على هذا التحوّل بغياب “أيّ حراك شعبي طالب بفتح جبهة عسكرية من لبنان دعماً لغزة أو غيرها، على غرار التظاهرات في زمن جمال عبد الناصر”، إضافة إلى أنه “لا توجد جهة تمتلك عديداً بشرياً أو تجهيزات أو تمويلاً يوازي ما كان لدى حزب الله”.

حتى الجماعة الإسلامية، المصنّفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة بسبب جناحها العسكري، تُقدَّر قدراتها وفق قرحاني بأنها “محدودة جداً واقتصرت على دعم معنوي، لا سيما لحركة حماس، بدافع التقاطع الفكري والايديولوجي”، لافتاً إلى أن القيادي في حماس صالح العاروري “كان من أبرز الداعمين لتعزيز هذا الجناح قبل اغتياله”.

ويضيف قرحاني إن معظم الشبكات التي نسّقت مع حماس “كُشفت وضُربت” من قبل إسرائيل، مرجحاً أن يندرج اختطاف عطوي في هذا السياق.

كذلك يستبعد دبسي “إمكانية أيّ طرف، فلسطيني أو لبناني، لأن يلعب الدور الذي اضطلع به حزب الله في السابق، سواء من حيث الإمكانات أو من حيث الظروف السياسية والإقليمية المحيطة”.

بين الرسائل والوقائع

في مشهد تتداخل فيه الحسابات الإقليمية بالوقائع الميدانية، تبدو الساحة الجنوبية تحت مجهر الرسائل الأمنية، حيث حملت عملية خطف عطوي “رسالة واضحة إلى أيّ طرف قد يفكر في استئناف أيّ عمل عسكري من جنوب لبنان”، وفق دبسي.

من جهته، يشدد قرحاني على أن أيّ عمل عسكري انطلاقاً من الجنوب “لا يمكن أن يتمّ من دون موافقة حزب الله”، لافتاً إلى أن الحزب سيعمل على إحباط أيّ تحرك، تفادياً لرد إسرائيلي سيستهدفه مباشرة”. ويؤكد، في المقابل، قدرة الجيش اللبناني على ضبط الوضع كما يفعل في معظم المناطق، مستثنياً ملف سلاح حزب الله الذي يرى أنه “يحتاج إلى وقت وإلى تفاهم سياسي داخلي، فضلاً عن ضغط على إيران لوقف أيّ دعم عسكري أو مالي للحزب بهدف الإبقاء على سلاحه”، معتبراً أن “الموضوع يبدأ في طهران وينتهي في بيروت”.

وأياً تكن التعقيدات السياسية والأمنية، فإن حصرية السلاح بيد الدولة “ليست خياراً سياسياً خاضعاً للأخذ والرد”، بل، كما يقول العاقوري، “التزام دستوري يقع في صلب مفهوم الدولة ودور الجيش اللبناني ووظيفته في حماية السيادة وبسط سلطة القانون على كامل الأراضي اللبنانية”.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading