على جدار في طهران، كتب أحدهم: “شكراً لك يا إسرائيل. اضربي النظام بقوة – واتركي الباقي لنا“.
صورة رآها توم غروس، الصحفي والمعلق المخضرم في شؤون الشرق الأوسط، متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي التابعة للمعارضة الإيرانية.
لكن ما رآه فيها هو إحباط الإيرانيين تجاه حكامهم. يقول غروس إن الضربات قد تسرع من سقوط نظام لا يحظى بالشعبية.
وهدف الحرب وإن كان إحباط برنامج إيران النووي، فإن النتيجة قد تكون تحولاً عميقا – بل وفرصة لصفقات سلام جديدة.
“للتاريخ“
يقارن غروس الحملة الإسرائيلية بالضربات الجوية الإسرائيلية المفاجئة في حرب عام 1967 “عندما شلت إسرائيل“ ثلاث دول عربية جويا “في غضون ساعات“.
والهجوم الجوي الإسرائيلي على إيران “إنجاز استخباراتي ولوجستي لا يصدق. منشأة نطنز، أحد مواقع التخصيب الرئيسية في إيران، دمرت جزئيا. لكن منشأة أخرى، فوردو، المدفونة تحت جبل، لم تمس حتى الآن. كذلك، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل شخصيات بارزة في القيادة العسكرية والنووية الإيرانية.
هذا الهجوم هو لحظة لكتب التاريخ، على حد تعبير غروس.
لكن الضربة كانت ضرورية، يقول، فقد أشارت معلومات استخباراتية إلى أن إيران كانت على بعد “أيام، أو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع على الأكثر”، من امتلاك ما يكفي من اليورانيوم المخصب لإنتاج ما يصل إلى 15 قنبلة نووية. يقول: “إسرائيل لم يعد بإمكانها الانتظار أكثر من ذلك“.
حتى النجاح الجزئي نصر
قد لا تحتاج إسرائيل إلى تدمير برنامج إيران النووي بأكمله. حتى الضربة الجزئية يمكن أن تعيده لسنوات أو تجبر النظام على التخلي عن خططه. “إذا حاولت إيران مرة أخرى، فإن إسرائيل ستضرب مرة أخرى“، حسب غروس.
في التاريخ دروس:
في عام 1981، قصفت إسرائيل مفاعل تموز العراقي. لم يتم تدمير البرنامج بالكامل لكن صدام حسين لم يعد بناءه أبداً. “لقد تضرر (المفاعل) وهذا خلق ردعا كافيا”، يقول.
في عام 2007، ضربت إسرائيل منشأة نووية سرية في سوريا. لم يحاول بشار الأسد مرة أخرى.
لم تكن هذه مجرد ضربات تقنية، بل رسائل سياسية، فقد دمرت قدرات استراتيجية، وزعزعت أسس أنظمة. يقول غروس: “صحيح أن البرنامج الإيراني أكثر انتشاراً وأكثر رسوخا، لكن الفكرة متشابهة“.
والآن، قد يأتي الضغط من الداخل.
“النظام الإيراني ضعيف بالفعل إلى حد كبير“ بسبب سلسلة من الاحتجاجات المناهضة للثورة. من الحركة الخضراء عام 2009 إلى انتفاضة (المرأة، الحياة، الحرية)، و”قليلون في إسرائيل، أو في العالم العربي، أو حتى في إيران، سيحزنهم انهيار النظام”، يقول.
صفقة؟
هل أنهت الضربة احتمالات تحقيق صفقة؟
ليس بالضرورة. في التاريخ مثال آخر.
“الصفقة الوحيدة التي ستعتبرها إسرائيل مرضية هي صفقة شبيهة بالتي أبرمها العقيد القذافي في ليبيا“.
كيف؟
“التفكيك الكامل، وإزالة كل اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية“.
إلى أين؟
روسيا وجهة محتملة.
“وبدون ذلك، لن يصمد أي اتفاق“.
يحذر غروس من “أنصاف الحلول“.
يقول “أي ألاعيب من النظام – ليشتري الوقت فقط بينما يواصل المضي قدماً، لن تكون مقبولة لإسرائيل“.
لكن كيف يمكن تحقيق صفقة في ظل اختلافات مزعومة بين رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب؟
“بعض ما نسمعه هو تكهنات إعلامية من قبل صحفيين لا يحبون حكومتي ترامب أو نتنياهو“.
عملياً، البلدان متوافقان. يقول غروس: “لا يريد أي من البلدين أن تصبح إيران دولة نووية“.
دعم هادئ من العالم العربي
علناً، أدانت دول عربية أبرزها السعودية الضربات، لكن غروس يرى هذا بمثابة “موقف استعراضي”. يقول: “أنا أقرأ ذلك كنوع من الرسالة إلى إيران: من فضلك لا تضربينا، لا علاقة لنا بذلك“.
ويعتقد أن “قادة الخليج يشعرون سراً بالارتياح“.
حتى في غزة، يلوم بعض السكان إيران على دعم حماس في حرب لا يمكنهم الفوز بها. يقول: “يرون أن حماس قد شنت حرباً لا داعي لها على إسرائيل، مع علمهم بأن المدنيين الفلسطينيين سيتحملون العبء الأكبر“.
في لبنان، حزب الله يراقب. لكن ترسانته قد استنفدت. شحنات الأسلحة الإيرانية أقل فعالية. الدفاعات الجوية الإسرائيلية تسقط ما يصل منها.
في اليمن، يواصل الحوثيون إطلاق الصواريخ. لكن حتى تلك الهجمات أقل ضرراً مما كان متوقعاً. يقول غروس: “إسرائيل طورت دفاعا صاروخيا شاملا يسقط هذه الصواريخ الحوثية”.
في أرجاء المنطقة، محور إيران تحت الضغط. ومن بغداد إلى بيروت، نفوذه يتقلص.
من القصف إلى الدبلوماسية؟
على الجانب الآخر، يعتقد غروس أن المنطقة قد تشهد الآن انفتاحاً سياسياً.
بمجرد أن تتخلى حماس عن السلطة أو تُهزم، يقول: يمكن أن تبدأ مبادرات إقليمية لإعادة بناء غزة، “لقد عرضت إسرائيل المنفى على كبار قادة حماس – إذا نزعوا السلاح وتخلوا عن السلطة“.
هنا بداية شرق أوسط مختلف.
مع تلاشي قوة إيران، يمكن لدول مثل المملكة العربية السعودية، وربما حتى سوريا ولبنان، إبرام اتفاقيات سلام مع إسرائيل. يقول: “نحن على وشك رؤية صفقات“.
يربط غروس أيضاً تغيير النظام في إيران بـ”إعادة ضبط“ أيديولوجية أوسع.
قال: “إذا رحل النظام الإيراني، فإن التشدد الشيعي الراديكالي، سيضعف إلى حد كبير“، “وبالتالي، التشدد السني الراديكالي “لأن جزءاً من التشدد السني الراديكالي هو رد فعل مرآة على التشدد الشيعي الراديكالي (الذي برز بعد) عام 1979“.
قلق من تركيا
لا تزال تركيا ورقة إقليمية مثيرة لقلق إسرائيل، فهي تدعم حماس، وتتواجد قواتها في شمالي سوريا.
يقول غروس إن إسرائيل تراقب، لكنها لا تركز على تركيا في الوقت الحالي، “فإسرائيل مشغولة بأمور أكثر آنية”.
والقلق الأبرز يظل إيران. إيران لديها خيارات. لكن غروس يستدرك: لكنها ليست خيارات كثيرة.
يقول: “لو كنت النظام الإيراني، لقلصت خسائري وأبرمت اتفاقاً نووياً الآن مع الولايات المتحدة“.
قد لا يحدث ذلك.
لكن الجمهور الإيراني يرسل إشارات بالفعل. في الاحتجاجات الأخيرة، كانت الهتافات واضحة في انتقاد الانشغال بغزة ولبنان وإهمال الداخل. “لقد سئموا من الحروب الخارجية، ويريدون الاستثمار في الداخل”، يقول.
الصورة الأكبر
السلام ممكن رغم الحرب، وربما بسببها.
يعقد غروس مقارنة تاريخية.
“في الحرب العالمية الثانية، ارتكبت ألمانيا واليابان جرائم فظيعة، لم يكن أحد يتخيل بعد 80 عاماً أنهما ستتمتعان بسلام راسخ مع جيرانهما“.
“لكن ذلك كان لأن تلك الأنظمة هزمت“.
بالنسبة له، هذا ما يجب أن يحدث في إيران.
يقول: “أحياناً تحتاج إلى الحرب لتحقيق نتيجة أفضل“.



One comment
Tarek Fouda
2025-06-14 at 15:32
تحليل عميق أتفق تماما مع ما جاء فيه