سقط المرشد.. فهل تخرج السياسة من عباءة الدين؟

لنصف قرن تقريبا، شكل النظام الإيراني محورا أيديولوجيا تجاوز الجغرافيا إلى فضاء عقائدي امتد على رقعة العالم الإسلامي.

والآن، وبعد سقوط المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من المواجهة، يبرز سؤال مركزي: هل نحن أمام انهيار كامل للمنظومة الإيرانية وتأثيرها في السياسة المسلحة والفكر المدجج بالعنف؟

مع فجر الثورة الإيرانية التي أطاحت بنظام الشاه محمد رضا بهلوي في 1979، كان الطموح المعلن إقامة نظام سياسي يعكس إرادة الشعب.

لكن الحلم انكسر سريعا.

أعلنت الجمهورية الإسلامية وأعلن لها مرشد بسلطات شبه مطلقة: آية الله الخميني.

ترسخ نظام ولاية الفقيه، وصارت المرجعية الدينية الشيعية أساسا للسلطة.

تمددت الأيديولوجيا الإيرانية إلى خارج الحدود، بما عرف لاحقًا بـ«تصدير الثورة».

يرى محمد صادق إسماعيل، مدير المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، أن الثورة الإيرانية شكلت نقطة تحوّل مفصلية على صعيد الفكر والسياسة في المنطقة.

ويضيف “ما عُرف بـ (تصدير الثورة) لم يكن شعارا سياسيا فقط، بل إطارا فكريا تبنّته جماعات وفاعلون من غير الدول، من بينهم حزب الله في لبنان، إضافة إلى قوى مسلحة وتنظيمات في العراق واليمن.

ويشير إسماعيل إلى دور مدينة قم كحاضنة للمرجعيات الدينية ومصدر للإرشاد العقائدي، ما جعل إيران مركزا مرجعيا للفكر الشيعي، وقدّم للمنطقة نموذجا للربط بين الدين والسياسة.

لكن نظام الثورة ذاته الآن في مهب الريح، فهل انتهى مشروع تصديرها؟

سقط المرشد، فمن يملأ الفراغ في العالم العربي؟

يقول الكاتب ثروت الخرباوي لـ”الحرة ” إن سقوط أو ضعف النظام الإيراني سيكون له أثر مزدوج على الفكر والثقافة العربية.

وأضاف الخرباوي، وهو عضو في مجلس الشيوخ المصري، أن انحسار الأيديولوجيا العابرة للحدود قد يدفع النخب الإسلامية نحو الدولانية، أي التركيز على الدولة الوطنية بدل المشاريع الأممية، فيما سيعطي تصدع النموذج الإيراني دفعة للتيارات العلمانية والليبرالية في العالم العربي، باعتبار أن خلط الدين بالسياسة يؤدي إلى صراعات مدمرة.

لكن الخرباوي يحذر من مخاطر محتملة يولدها فراغ السلطة.

يقول إن تيارات سنية متشددة قد تحاول ملء الفراغ في العراق وسوريا ولبنان، معتبراً أن هذا التحدي يمثل المعضلة الكبرى أمام المنطقة، خصوصًا في ظل مشاريع تحديثية ضخمة للدول العربية مثل مصر ودول الخليج، التي ستسعى لتعزيز الاعتدال كخيار وحيد للاستقرار وجذب الاستثمارات.

يلفت الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية ماهر فرغلي إلى سيناريو شبيه.

يقول إن أي تحولات كبرى في إيران، بما في ذلك احتمال سقوط النظام، قد تؤثر في توازنات المنطقة. يربط بين تداعيات ثورة الخميني عام 1979 وحركة جهيمان في العام ذاته، حين اقتحمت مجموعة جهادية سنية الحرم المكي.

يضيف أن المناخ الإقليمي آنذاك أسهم في بروز التيارات السلفية الجهادية في مصر، التي سعت إلى استنساخ نماذج التغيير الراديكالي داخل السياق المحلي، ما ترك أثرا اجتماعيا وفكريا ما زالت تداعياته حاضرة.

رغم ذلك، يؤكد فرغلي أن التشدد السني ظاهرة ممتدة تاريخيا، وأن البنية الفكرية المتشددة تظل كامنة وقابلة للاستدعاء عند توفر الظروف الاجتماعية والسياسية الملائمة.

وسواء أكان التشدد شيعيا أو سنيا، يقول مدير المركز العربي للدراسات الاستراتيجية محمد صادق إسماعيل إن تغيير الأفكار المتجذّرة يحتاج إلى زمن طويل يتجاوز أثر الحروب، مستشهدا بتجربة طالبان في أفغانستان، التي عادت إلى السلطة بعد عقدين، بما يعكس أن التحولات الفكرية أعمق وأطول مدى من تقلبات السياسة.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading