شكّل الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران، ومقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، ضربة مباشرة للنفوذ الصيني في الشرق الأوسط. وتجد بكين نفسها اليوم مع أدوات محدودة للغاية للرد على الولايات المتحدة، ناهيك عن حماية ما تبقّى من النظام الإيراني.
وقد كشف هذا الهجوم، الذي جاء عقب سقوط حليف آخر للصين هو نيكولاس مادورو في فنزويلا في يناير/كانون الثاني، حدود ما يُسمّى «محور المقاومة». وحتى الآن، لم يلجأ قائد هذا التجمع من الدول السلطوية إلا إلى ردود فعل خطابية خلال عطلة نهاية الأسبوع. ففي أقسى لغة استخدمتها الصين حتى الآن، وصف وزير الخارجية وانغ يي، يوم الأحد، حملة القصف بأنها «غير مقبولة»، وأدان ما سماه «القتل السافر لزعيم ذي سيادة»، داعيًا إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات.
في المرحلة المقبلة، تواجه الصين معادلة دبلوماسية واقتصادية دقيقة. وإلى جانب الضربة التي تلقّتها صورة القوة الصينية على الساحة العالمية، ينطوي الصراع في الشرق الأوسط على مخاطر اقتصادية ملموسة. إذ تمثّل إيران ما بين 10 و15 في المئة من واردات الصين النفطية المنقولة بحرًا. وأي تعطّل لحركة النفط عبر مضيق هرمز سيشكّل ضغطًا إضافيًا على بكين، في ظل اعتمادها الواسع على طاقة المنطقة ككل.
وعلى الرغم من احتجاج الصين على استهداف إيران التي يحكمها رجال دين، فإن لها علاقات أخرى مهمة في المنطقة، يغلب عليها الطابع الاقتصادي، وتسعى إلى الحفاظ عليها وربما توظيفها. ووفقًا لـ«مرصد النفوذ الصيني» التابع لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)، وهو أداة بيانات جديدة ترسم خريطة التمدد الصيني المتزايد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن الولايات المتحدة تمتلك بفارق كبير أعمق العلاقات العسكرية في أنحاء المنطقة. في المقابل، تُعدّ الصين الشريك التجاري الأكبر للمنطقة وأكبر مشترٍ للطاقة فيها. كما أن استثماراتها الإقليمية تتركز بدرجة كبيرة في السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهما شريكان وثيقان لواشنطن.
وقد تتعرّض علاقات بكين مع دول المنطقة، التي تهدف من خلالها إلى تعزيز مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية، لاضطراب شديد إذا استمر عدم الاستقرار، لا سيما إذا واصلت إيران ردودها الانتقامية ضد جيرانها في الخليج الذين يستضيفون قواعد أميركية.
مع ذلك، قد تتوافر مساحة أمام الصين لممارسة دبلوماسية مبتكرة، شريطة أن تستند إلى مصالح تجارية مشتركة، مثل ضمان استمرار تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز. فالصينيون عملوا عن كثب مع دول المنطقة ضمن أطر ومنظمات واجتماعات متعددة الأطراف، وبنوا رصيدًا من النفوذ السياسي الناعم والجاذبية التجارية — التي تملك الصين منها الكثير — على حساب القوة الصلبة، التي تبدو حدودها واضحة، بحسب «مرصد النفوذ الصيني» التابع لـ MBN.
أما على صعيد الشأن الداخلي الإيراني، فمن المرجح أن تلتزم بكين الحذر والبراغماتية. فهي لا ترغب في الظهور بمظهر الداعم للنظام القائم على حساب الشعب الإيراني، وهو ما يتجلى في تصريحاتها حتى الآن التي تركز على «الإجراءات» — مثل الحوار، والمفاوضات، وإنهاء العمل العسكري، ومعارضة الأحادية — بدل التركيز على «النتائج». وفي المحصلة، سيكون اهتمامها أقل بمن ينتصر داخل إيران، وأكثر بحماية مصالحها التجارية، ومنع الصدمات التي قد تطال تدفقات الطاقة، والحيلولة دون تعاظم النفوذ الأميركي في أي تسوية مقبلة.
إن قيام حكومة جديدة في طهران تميل إلى الغرب، وتولي اهتمامًا متزايدًا — على سبيل المثال — بقضية الإيغور في شينجيانغ، سيكون كابوسًا لبكين. وفي المقابل، فإن إيران غارقة في الفوضى ستتعارض أيضًا مع مصلحة الصين في بيئة سياسية واقتصادية وأمنية مستقرة وقابلة للتنبؤ في المنطقة.
ومن منظور استراتيجي، وكما أوضح الوزير وانغ خلال عطلة نهاية الأسبوع، ستسعى الصين على الأرجح إلى استثمار الفرصة لتأكيد سرديتها الراسخة التي تصوّر الولايات المتحدة بوصفها دولة «مارقة» تشكّل تهديدًا للاستقرار والنظام والقانون الدولي. وتقويض شرعية واشنطن، مقابل تعزيز صورتها الذاتية، يظل هدفًا استراتيجيًا صينيًا طويل الأمد.
وسيكون لدى الرئيس الصيني شي جين بينغ فرصة لبحث الملف الإيراني مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد نحو شهر، عندما يستضيف بكين قمة طال انتظارها بين 31 مارس/آذار و2 أبريل/نيسان. جدول الأعمال سيكون مزدحمًا: التجارة، وتايوان، والتكنولوجيا، والفنتانيل، وغيرها. وقد يتشارك الطرفان العديد من المصالح في الشرق الأوسط، مثل الحفاظ على التجارة الحرة، وحرية الملاحة، وتدفق الموارد دون عوائق، والاستقرار. لكن، استنادًا إلى المعطيات الحالية، سيبقى دور بكين تفاعليًا في الأساس، يركّز على التحوّط وحماية المصالح، ومحدودًا في قدرته على رسم ملامح المرحلة المقبلة في إيران أو احتواء التداعيات الإقليمية الواسعة.
هذه المقالة منقولة عن الإنجليزية.
مين ميتشل
مين ميتشل شغلت سابقاً منصب رئيسة ومديرة تنفيذية لـ Frontline Media Fund وكانت أيضاً المديرة التنفيذية للتحرير في راديو آسيا الحرّة (Radio Free Asia).


