جاء رد الفعل الصيني على الحرب الأميركية في إيران خافتاً في وسائل الإعلام المملوكة للدولة وكذلك على منصات التواصل الاجتماعي الخاضعة لرقابة مشددة، وفق تحليل أجراه مرصد النفوذ الصيني التابع لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).
نادراً ما تصدرت إيران العناوين الرئيسية. وبدلاً من ذلك، جرى وضع القصة في الأقسام الدولية أو دفنها تحت سيل من الأخبار المحلية. وعلى منصة دوويِن (Douyin)، النسخة الصينية من تطبيق تيك توك، التي تضم أكثر من 600 مليون مستخدم نشط يومياً داخل الصين، جرى ضبط السردية بإحكام وكان الخطاب متحفظا بقدر كبير.
ورغم أن بكين تُعد شريكاً للنظام الإيراني ومنافساً استراتيجياً للولايات المتحدة، فإن رد الفعل الهادئ يعكس أولويات الصين الحالية داخلياً وخارجياً.
فعلى الصعيد الداخلي، تمر القيادة الصينية بإحدى أكثر الفترات حساسية في رزنامتها السياسية: اجتماعات “الدورتين ” السنوية، وهي الاجتماعات السنوية للهيئة التشريعية الصينية وأعلى هيئة استشارية سياسية في البلاد، حيث يطرح القادة خلالها أولويات السياسات الرئيسية والأهداف الاقتصادية والرسائل السياسية للعام المقبل. وقد سعت بكين منذ زمن طويل إلى الحفاظ على أجواء هادئة ومنظمة خلال هذه الفترة، وهو ما يفسر جانباً من هذا التحفظ.
كما يعكس ذلك أيضاً موقع الصين الجيوسياسي الحساس نسبياً. ففي نهاية الشهر، من المقرر عقد قمة بالغة الأهمية في بكين مع الرئيس دونالد ترامب، لمناقشة ملفات معقدة تتعلق بالتجارة وتايوان والتكنولوجيا — وهي قضايا تهم الصين حالياً أكثر من صراع في الشرق الأوسط. كما أن لدى الصين القليل لتقدمه لإيران بما يتجاوز كلمات الدعم.
وقد درس مرصد النفوذ الصيني التابع لـ MBN كيف تجلّى هذا التحفظ على منصة دوويِن، حيث نشر آلاف الإيرانيين المقيمين في الصين، وكذلك مواطنون صينيون في إيران، مقاطع فيديو تقدم مشاهدات مباشرة للحرب من أرض الواقع .
وأظهر تحليل شمل 483 مقطع فيديو على دوويِن باستخدام كلمة البحث “إيران” (伊朗) وجود سردية مضبوطة بإحكام حول الصراع. ففي الفترة بين الأول والرابع من مارس، ارتفع حجم المحتوى بسرعة، لكن النبرة العامة بقيت حذرة أكثر منها أيديولوجية. وبدا أن وسائل الإعلام الرسمية هي التي تحدد إطار النقاش، إذ ركزت في الغالب على الضربات نفسها والتطورات اللاحقة في الشرق الأوسط بلغة محايدة. ومن بين مقاطع الفيديو التي نشرتها وسائل الإعلام الحكومية الصينية، التزم 88 في المئة إما بسرد الوقائع أو بالدعوة إلى السلام، متجنبين اللغة التحريضية.

كما أضفى وجود الإيرانيين المقيمين في الصين على منصة دوويِن بُعداً إنسانياً أكبر على التغطية، وإن كان ذلك غالباً بطرق لا تزال منسجمة مع السرديات الرسمية التي تؤكد على النظام والاستقرار. فقد نشر أحد الطلاب الإيرانيين في الصين مقطع فيديو شكر فيه المتابعين على اهتمامهم ودعا إلى السلام، وحصد المنشور أكثر من مليون إعجاب وآلاف التعليقات.
وبسبب القيود الشديدة المفروضة على الوصول إلى الإنترنت داخل إيران، ظلّت اللقطات المباشرة من الميدان محدودة. ومع ذلك، وثّق عدد قليل من المدوّنين الصينيين على الإنترنت تأثيرات الحرب، غالباً بنبرة هادئة ومتزنة.
لكن هذا التحفظ كان أقل وضوحاً لدى صانعي المحتوى المستقلين. إذ إن نحو ثلث مقاطع الفيديو التي نشرها مدونون غير تابعين للدولة اتخذت نبرة أكثر حدةً. وقد فاق المحتوى المؤيد لإيران، والذي يشيد بالأداء العسكري لطهران، بشكل ملحوظ مقاطع الفيديو المتعاطفة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. ورغم أن هذه المقاطع الحزبية مثلت أقلية من العينة الإجمالية، فإن لغتها المثيرة وإطارها الأيديولوجي جذبا مستويات تفاعل مرتفعة بصورة غير متناسبة.

كما عكست الإعجابات والتعليقات والمشاركات هذا النمط. فقد جذبت مقاطع الفيديو ذات الموقف المؤيد بقوة لإيران أكبر عدد من الإعجابات، في حين حصلت المقاطع المؤيدة للولايات المتحدة أو إسرائيل على أقل عدد منها. وبدا أن المستخدمين أكثر ميلاً لمشاركة المقاطع التي تتبنى نبرة ساخرة أو إطاراً قومياً صينياً أو زاوية إنسانية. أما مقاطع الفيديو المؤيدة لإسرائيل أو الولايات المتحدة، فرغم أنها حصدت أقل قدر من الإعجابات، فقد كانت الأكثر حفظاً من قبل المستخدمين.

ومن المعتاد أن تراقب الحكومة الصينية الرأي العام وتوجّهه خلال الأزمات الدولية الكبرى. ومع ذلك، فإن الرد على الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران جاء هادئاً بشكل لافت مقارنة بموجة الحماسة القومية التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي الصينية عقب الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربعة أعوام.
ويعكس هذا التحفظ أكثر من مجرد انضباط تحريري. فحتى مع انغماس الشرق الأوسط في الصراع، تبقى بكين مركزة على الداخل مع اجتماعات “الدورتين”، حيث تعرض القيادة سياسات رئيسية وأهدافاً اقتصادية في لحظة تواجه فيها البلاد ضغوطاً داخلية. ويظل الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي خلال هذه الفترة أولوية مركزية.
وفي الوقت نفسه، تحاول بكين تجنب الانجرار بعيداً نحو طهران بينما تستعد لمحادثات حساسة مع واشنطن. فالصين لا ترغب في التخلي عن شريك قديم، لكنها في الوقت ذاته غير مستعدة للمخاطرة بمصالحها الاستراتيجية الأوسع مع الولايات المتحدة بسبب حرب تملك فيها نفوذاً محدوداً. ومن خلال الحفاظ على نبرة إعلامية هادئة ومنضبطة، تبعث بكين بإشارة حذر على جبهتين: في الداخل، حيث تسعى إلى الهدوء خلال موسم سياسي حساس، وفي الخارج، حيث لا تبدو لديها رغبة في الانخراط بشكل أعمق في أزمة إيران.
هذه المقالة منقولة عن الإنجليزية.
جو يو
جو يو صحفي وباحث أول يغطي ملفات الصين والشرق الأوسط


