الحرب تختبر مخزون الغذاء في الخليج

في اليوم الأول لاندلاع الحرب، سادت حالة من الترقب والقلق في عدد من دول الخليج. وكما يحدث عادة في لحظات عدم اليقين الجيوسياسي، اتجه بعض المواطنين إلى شراء السلع الغذائية الأساسية وتخزينها كإجراء احترازي، تحسباً لأي اضطراب محتمل في سلاسل الإمداد.

وخلال الساعات الأولى من التصعيد، سجلت بعض المتاجر زيادة ملحوظة في الطلب على المواد الغذائية الأساسية والمعلبات، في مشهد يُعد استثنائياً نسبياً بالنسبة لمنطقة لم تعتد أن تنعكس التوترات العسكرية المباشرة على تفاصيل الحياة اليومية بهذا الشكل.

لكن هذا الاندفاع الاستهلاكي لم يستمر طويلاً؛ فمع اتضاح استقرار الأسواق واستمرار تدفق السلع، تراجعت المخاوف المرتبطة بتوفر الغذاء. تقول إيمان المحمد، من البحرين، إن القلق من نقص السلع تلاشى تدريجياً، لكن التوتر لم يختفِ تماماً، بل تحوّل إلى مخاوف أمنية مرتبطة بأصوات صافرات الإنذار واحتمال سقوط الصواريخ الإيرانية.

في المقابل، ترى هند راشد من الكويت أن ردود الفعل الأولى للمواطنين كانت مبالغاً فيها، مشيرة إلى أن الأسواق ما زالت مستقرة والسلع متوفرة حتى الآن. لكنها تؤكد في الوقت ذاته ضرورة ترشيد الاستهلاك الغذائي في ظل الغموض الذي يحيط بمدة استمرار الحرب.

وعلى مستوى السياسات الحكومية، تحركت دول الخليج بسرعة لاحتواء أي تداعيات محتملة على الأمن الغذائي واستقرار الأسواق. فقد أعلنت الكويت، مساء الأربعاء، حظر تصدير جميع السلع الغذائية عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية، في خطوة احترازية تهدف إلى حماية السوق المحلي وضمان استقرار الإمدادات.

وأوضح مركز التواصل الحكومي الكويتي عبر حسابه على منصة “إكس” أن التعليمات الجمركية العاجلة تمنع تصدير أي نوع من المواد الغذائية من البلاد،

في المقابل، أكدت وزارة الاقتصاد الإماراتية أن الأسواق المحلية مستقرة، وأن المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية كافٍ لتغطية احتياجات السكان، مشيرة إلى أن سلاسل الإمداد تعمل بصورة طبيعية. كما دعت الوزارة المستهلكين إلى الالتزام بالشراء وفق الحاجة الفعلية وتجنب التخزين المفرط الذي قد يخلق ضغطاً غير مبرر على الأسواق.

أما في السعودية، فقد كثفت وزارة التجارة عمليات الرقابة على الأسواق لضمان استقرارها وتوفر السلع. كما واصلت المملكة تعزيز احتياطياتها الاستراتيجية من الحبوب؛ إذ أعلنت الهيئة العامة للأمن الغذائي ترسية نحو 794 ألف طن من القمح في مناقصة دولية خلال مارس، وذلك بعد شراء نحو 907 آلاف طن في مناقصة سابقة خلال يناير.

وتأتي هذه الخطوات ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز الأمن الغذائي، حيث تمكنت المملكة من تحقيق نسب اكتفاء ذاتي تتجاوز 60 بالمئة في عدد من السلع الغذائية الأساسية واللحوم حتى نهاية العام الماضي.

وفي قطر، أعلنت وزارة التجارة والصناعة رفع عدد منافذ البيع العاملة على مدار 24 ساعة إلى 33 فرعاً، في خطوة تهدف إلى تعزيز استقرار الأسواق وضمان انسيابية سلاسل الإمداد وتلبية احتياجات المستهلكين دون انقطاع.

وفي تقييمه للوضع الغذائي في المنطقة، يقول الدكتور فوزي بهزاد الخبير المالي والاقتصادي البحريني: “جميع دول مجلس التعاون لديها مخزون استراتيجي للمواد الغذائية لعدة أشهر. وهذا الشيء ليس صنيع اللحظة بل من سنين طويلة. فالموضوع والتخوف ليس فقط أثناء الحروب وإنما أثناء جميع أنواع الأزمات والكوارث حتى الطبيعية منها”.

ويضيف بهزاد، وهو مؤسس والمدير العام الأول لبورصة البحرين: “ليس هناك أي تأثير يُذكر من جراء هذه الحرب الحالية في المنطقة، كما يمكن ملاحظة ذلك من خلال زيارة الأسواق بأنواعها في دولنا الخليجية، من الأسواق المركزية للمواد الغذائية أو السوبر ماركيت الحديثة”.

تحديات الأمن الغذائي الخليجي

رغم التصنيف المتقدم لدول الخليج في مؤشرات الأمن الغذائي العالمية، فإن اعتمادها الكبير على الاستيراد يضع هذا الملف دائماً في دائرة الاختبار، خصوصاً مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة.

فبحسب تقرير نشره المنتدى الاقتصادي العالمي، تُعد دول الخليج من بين أكثر مناطق العالم أماناً غذائياً، رغم أن دول مجلس التعاون تستورد ما يصل إلى 85٪ من احتياجاتها الغذائية.

ويصنف مؤشر الأمن الغذائي العالمي لعام 2022 الدول الخليجية الست — البحرين والكويت وعمان وقطر والسعودية والإمارات — ضمن أفضل 50 دولة في العالم في مجال الأمن الغذائي.

ومع ذلك، يظل هذا التصنيف محكوماً بمعادلة معقدة، إذ تعتمد أسواق الخليج بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية، بما في ذلك سلع أساسية مثل الأرز والحبوب، إضافة إلى نسبة من اللحوم والخضروات، ما يجعل استقرار الإمدادات مرتبطاً بشكل مباشر بحركة التجارة الدولية والممرات البحرية الحيوية.

في هذا الإطار يشير الاقتصادي العماني، خلفان الطوقي، إلى أن أي اضطراب في مضيق هرمز أو طرق الملاحة البحرية سيترك انعكاسات واضحة على اقتصادات المنطقة، باعتبار المضيق أحد أهم شرايين التجارة العالمية.

لكن الطوقي يلفت في المقابل إلى أن سلطنة عمان تمتلك هامشاً أكبر للتعامل مع مثل هذه الأزمات، نظراً لامتلاكها موانئ رئيسية تقع خارج نطاق مضيق هرمز، مثل ميناء الدقم وميناء صلالة وميناء صحار وميناء السلطان قابوس.

وترتبط هذه الموانئ بشبكات التجارة مع الأسواق الآسيوية والأفريقية، ما يوفر مسارات بديلة لحركة السلع والبضائع، بما في ذلك المواد الغذائية، ويحد من احتمالات حدوث اختلال كبير في الإمدادات.

ويرى الطوقي أن الأمن الغذائي في عمان سيبقى ضمن السيطرة، رغم احتمال ظهور بعض الاختناقات المؤقتة في سلاسل الإمداد أو ارتفاع الأسعار نتيجة طول مسارات الشحن مقارنة بالمرور المباشر عبر مضيق هرمز.

ويطرح الاقتصادي العماني كذلك إمكانية أن تلعب السلطنة دوراً أوسع كمركز لوجستي للتخزين وإعادة التوزيع في حال تصاعدت الأزمة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها المينائية المتطورة.

وفي ظل هذه التطورات، بدأت بعض الحكومات الخليجية تشديد إجراءاتها لضبط الأسواق ومنع أي استغلال للأزمة. ففي قطر أعلنت وزارة التجارة والصناعة عبر حسابها الرسمي على منصة “إكس” إغلاق إحدى الشركات إغلاقاً إدارياً لمدة شهر وفرض غرامة مالية قدرها مليون ريال قطري بعد مخالفتها قانون حماية المستهلك.

وأوضحت الوزارة أن القرار جاء نتيجة قيام الشركة برفع الأسعار دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة، وعدم الالتزام بالضوابط المنظمة لزيادة الأسعار.

وعن قدرة الاقتصادات الخليجية على احتواء تداعيات الأزمة، خصوصاً فيما يتعلق بتوفر السلع واستقرار الأسعار، يقول الدكتور “فوزي بهزاد: “لدى دول مجلس التعاون خبرات متراكمة على مدار عقود من الزمن وتجارب في التعامل أثناء الأزمات الطبيعية والحروب، حيث مرت المنطقة بالكثير من هذه وتلك في آخر خمسين سنة الماضية. الشيء الآخر: هناك العديد من السلع الغذائية تُنتج محلياً في دول مجلس التعاون كمنظومة، وهي ذات جودة عالية جداً”.

اضطراب سلاسل الإمداد وتوفر السلع

أظهرت جولة ميدانية أجرتها مراسلة قناة الحرة في عدد من مراكز بيع المواد الغذائية الكبرى في دبي أن الأسواق تعمل بصورة طبيعية، من دون مؤشرات على نقص في السلع أو اضطراب في الإمدادات.

فقد بدت الأرفف ممتلئة بالمنتجات الغذائية كما كانت قبل اندلاع الحرب، فيما حافظت الأسعار على مستوياتها المعتادة وسط حركة تسوق اعتيادية.

يأتي هذا الاستقرار مع تحركات حكومية خليجية لاحتواء أي تداعيات محتملة للتوترات الإقليمية على الأسواق. ففي الإمارات شددت السلطات الرقابة مؤكدة أن منظومة الأمن الغذائي تمثل “خطاً أحمر”.

وقال وزير الاقتصاد والسياحة، عبد الله بن طوق، إن استيراد السلع يسير وفق الوتيرة المطلوبة من دون مؤشرات على اضطرابات، فيما تتابع الوزارة الأسعار والمخزون عبر منصة رقمية مرتبطة بأكثر من 627 منفذ بيع رئيسي، مع دعوة المستهلكين إلى الشراء وفق الحاجة.

وفي قطر، أقرت وزارة التجارة والصناعة بحدوث اندفاع استهلاكي محدود في الأيام الأولى للتصعيد أدى إلى ضغط مؤقت على بعض المتاجر، قبل أن تعود الأوضاع إلى طبيعتها بعد إعادة تزويد الأرفف بالسلع. كما رفعت السلطات عدد منافذ البيع العاملة على مدار الساعة.

وفي الوقت نفسه، عززت الكويت والسعودية الرقابة على الأسواق. وأعلنت وزارة التجارة السعودية تنفيذ أكثر من 10 آلاف زيارة تفتيشية خلال أسبوع لضمان وفرة السلع والتزام المتاجر بعرض الأسعار.

ويرى الطوقي أن دول الخليج تمتلك هامشاً من الاستقرار بفضل الاحتياطيات الاستراتيجية، مشيراً إلى أن معظم دول المجلس تحتفظ بمخزونات غذائية قد تصل إلى ستة أشهر، وأن الأزمات المماثلة غالباً لا تمتد لأكثر من ثلاثة أشهر.

ومع ذلك، تبقى الممرات البحرية عاملاً حاسماً في الأمن الغذائي، إذ تمر أكثر من 70 بالمئة من واردات الغذاء لدول مجلس التعاون عبر مضيق هرمز.

وتمتلك بعض الدول منافذ بديلة خارج المضيق، مثل ميناء الفجيرة في الإمارات. لكن تقريراً لوكالة “رويترز” يشير إلى أن الطاقة الاستيعابية للموانئ الإماراتية خارج المضيق تبقى محدودة مقارنة بموانئ كبرى مثل جبل علي أو ميناء خليفة.

أما السعودية فتمتلك موانئ رئيسية على البحر الأحمر مثل ميناء جدة الإسلامي، إلى جانب موانئ ينبع ورابغ وضباء وجازان، ما يوفر مساراً بديلاً للتجارة.

في المقابل تبدو البحرين والكويت وقطر أكثر عرضة لتداعيات أي اضطراب في مضيق هرمز، لاعتمادها بدرجة كبيرة على هذا الممر في استيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها الغذائية.

وفي هذا السياق، يشير الطوقي إلى أن سلطنة عمان قد تلعب دوراً لوجستياً مهماً خلال الأزمات، إذ يمكن أن تتحول موانئها المطلة على بحر العرب إلى مراكز للتخزين وإعادة التوزيع للسلع، بما في ذلك المواد الغذائية، وهو ما قد يخفف الضغط على دول الخليج في حال تعطل الملاحة عبر المضيق.

 


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading