ليس ابتزازا ماليا فقط، بل مشروع هيمنة، وخروج “واضح” على القانون.
هكذا ترى دوائر صنع القرار في دول الخليج العربية مطلب إيران فرض رسوم على عبور مضيق هرمز.
لكن، إيران قد تنتهي إلى أن تكون أكبر الخاسرين من هذا الطرح. والسبب: أوراق القوة التي تملكها سلطنة عمان.
قيود ورسوم
وبعد أيام من إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، ما زال مضيق هرمز “غير مفتوح” وفق ما ترى دول الخليج.
فالوصول صار “مقيدا ومشروطا وخاضعا للرقابة”، وفق سلطان الجابر، الرئيس التنفيذي لشركة بترول أبوظبي الوطنية أدنوك.
يحذر الجابر من أن “أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي” يرتبطان بفتح مضيق هرمز “بشكل كامل وغير مشروط ودون قيود”. ويشعل الجابر أيضا منصب وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في الإمارات. وجاء تصريحه في في منشور الخميس على لينكدإن.
ويؤكد خبراء ألا بديل حقيقيا لنفط الخليج عن مضيق هرمز حيث تمر 12 مليون برميل يوميا من النفط الخام، فالأنابيب البديلة لا تستوعب هذه الكميات، وتطوير مسارات جديدة يتطلب سنوات من الاستثمار.
وكانت إيران قدمت مقترحا من عشرة بنود لإنهاء الحرب، يمنح أحدها إيران وعمان دورا في تنظيم حركة السفن العابرة لمضيق هرمز بما في ذلك “اتخاذ إجراءات” بحقها.
لكن عمان لا تريد فرض رسوم.
وقال وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات العماني سعيد المعولي إن فرض أي رسوم على عبور السفن يتعارض مع الاتفاقيات الدولية التي تلتزم بها السلطنة.
وتسعى مسقط لضمان حرية الملاحة “وتعزيز الوضوح القانوني”، وفق الوزير العماني، فالمشهد القانوني معقد بسبب “غياب بعض الدول” عن الاتفاقيات. يذكر أن إيران لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
مشروع هيمنة
هي “أدوات تفاوض”، هكذا يصف الأكاديمي الدكتور عبدالله باعبود، تعطيل المضيق أو محاولة فرض الرسوم على عبوره.
وإيران قادرة على ذلك مؤقتا، وفق باعبود، لكن هذا خيار “هش قانونا وصعب الاستدامة عمليا”.
يفسر: إيران “قد تمتلك القدرة الجغرافية” على “فرض أمر واقع جزئي” في المضيق، لكنها ستواجه تحديات كبيرة، من بينها صعوبة إلزام جميع السفن بالامتثال، واحتمال التصعيد العسكري أو البحري، إضافة إلى الرفض الدولي.
يرى النائب الكويتي السابق علي الدقباسي في المطلب الإيراني محاولة لفرض النفوذ.
يقول إن مضيق هرمز لم تحفره إيران، و”لم ينشأ نتيجة استثمارات أو مشاريع هندسية” كما هو الحال في قناتي السويس وبنما.
لذلك، فالمطلب الإيراني يتجاوز “المنطق التقليدي لإدارة الممرات المائية”، وقد يقود إلى “تصعيد أوسع لا يقتصر على دول الخليج”.
ويحذر: نهج الهيمنة الإيراني قد يشكل سابقة تتكرر في باب المندب، والحل هو “موقف دولي” يعيد الأمور إلى إطارها الطبيعي.
ونهج إيران، وفق باعبود، يفتقر إلى أساس قانوني، إذ يتعارض مع مبدأ حرية الملاحة.
الملا: وضوح لا يقبل التأويل
يقول القانوني الإماراتي البارز د. حبيب الملا إن “أي رسم يفرض بسبب المرور هو انتهاك مباشر للقانون الدولي”، سواء طبقنا اتفاقية الأمم المتحدة للبحار أو القانون العرفي.
ويحشد الملا عددا من الدلائل القانونية التي تؤكد موقفه.
يقول إن المضيق يخضع لنظام المرور العابر (Transit Passage) بموجب القسم الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة للبحار، وتحديدا المواد 37 الى 44. والمادة 44 صريحة لا تقبل التأويل، يقول الملا، فالدول المطلة على المضايق لا تعيق المرور العابر ولا تفرض عليه أي شرط.
ويوضح أن الاستثناء الوحيد المسموح به في المادة 26(2) هو رسوم مقابل خدمة فعلية ومحددة كالإرشاد البحري أو الإطفاء في حالات طارئة، وليس رسم عبور عام.
ويلفت إلى أنه “حتى لو تم افتراض تطبيق نظام المرور البريء، فإن المادة 26 تحظر الرسوم على هذا النوع من المرور أيضا بنفس المنطق”.
ويشير الملا إلى أن هذا المبدأ لا يقتصر على نصوص المعاهدات، بل يستند أيضا إلى قاعدة عرفية دولية أرساها حكم محكمة العدل الدولية في قضية قناة كورفو عام 1949، حين أقرت المحكمة بحق السفن في المرور غير القابل للتقييد في المضايق الدولية بصرف النظر عن علاقة الدولة المطلة عليها مع دولة العلم.
ويضيف: “إيران وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة للبحار لكنها لم تصادق عليها، ومع ذلك فهي تخضع لأحكام القانون الدولي، فالحكم الصادر في قضية كورفو صار جزءا من القانون الدولي العام قبل اتفاقية الأمم المتحدة للبحار بعقود، وهو ملزم حتى لمن لم يصادق على الاتفاقية”.
الموقف العماني “معضلة” لإيران
متاعب إيران القانونية لا تتوقف هنا. فالجغرافيا لها حكمها.
يبلغ عرض مضيق هرمز في أضيق نقطة نحو 21 ميلا بحريا، وتسلك السفن في الذهاب قناة تمتد عبر المياه الإيرانية (غالبا) وتسلك في قناة الإياب عبر المياه العمانية قرب جزيرة مسندم (غالبا).
لذلك، يقول الملا إن السفن التجارية لا تعبر مضيق هرمز أمام إيران فقط، بل أمام عمان أيضا، وفصل الممرين عبر ممر تأمين تشرف عليه المنظمة البحرية الدولية IMO يجعل من عمان شريكا فعليا في إدارة المضيق، لا مجرد دولة مجاورة.
وعمان صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة للبحار عام 1989 وهي ملتزمة بنظام المرور العابر، كما تملك حق الإشراف المشترك على ممر الإياب.
“يمكن أن ترفض عمان أي رسوم تفرضها إيران ضمن نطاقها، بل ويمكنها الإعلان عن فتح مياهها الإقليمية للمرور العابر مجانا، ما يفرغ القرار الإيراني من مضمونه العملي لجزء كبير من حركة المرور”، يقول الملا.
يلفت إلى أن موقع عمان بين إيران والغرب منحها دور “الوسيط الصامت” تاريخيا، لكنه “لا يعني غياب رد الفعل إذا تعرضت مصالحها الاقتصادية المباشرة للضرر”.
ويؤكد أن مصلحة عمان في إبقاء المضيق مفتوحا تمثل مسألة وجودية ترتبط باقتصادها وأمنها وعلاقاتها الدولية.
وفي حال فرض رسوم، يقول الملا، قد تتحرك مسقط سياسيا وقانونيا وتطرح ممرا آمنا بديلا، مع بقاء تأثيرها مرتبطا بحجم الدعم الدولي.
وحتى لو فرضت إيران إجراءات ميدانية مثل نقاط تفتيش أو إجبار السفن على الرسو والمطالبة برسوم، يقول المولا، فإن ذلك سيقابله رفض واسع من شركات الشحن والدول الكبرى، وقد يقود إلى تصعيد عسكري أو بحري، إلى جانب تعميق العزلة الاقتصادية التي تعاني منها إيران.
سكينة المشيخص
كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


