بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أعلن زعيم جماعة أنصار الله الحوثيين، عبد الملك الحوثي، وقوف جماعته إلى جانب طهران، وقال في خطاب متلفز إن “الأيدي على الزناد وجاهزة للتحرك في أي لحظة تفرضها المعادلات العسكرية”.
لكن السؤال هو: ما هي الأدوات التي يستطيع الحوثيون استخدامها في هذه المواجهة دعما لإيران؟
الأربعاء، حذر مسؤول عسكري إيراني في مقابلة مع “قناة الجزيرة” القطرية، أشار فيه إلى أن بلاده قد تتجه إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية لتشمل مضيقا آخر إذا أقدمت واشنطن على ما وصفه بـ”الخطأ الاستراتيجي”.
لم يسم المسؤول الإيراني المضيق صراحة، لكن ترجيحات المراقبين تشير إلى أن المقصود هو مضيق باب المندب، الممر البحري الذي يمثل نقطة عبور شديدة الحساسية بين السواحل اليمنية والجيبوتية، ويعد المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وأحد أهم العقد البحرية في حركة الملاحة الدولية.
يقول الكاتب والمحلل السياسي، فيصل الشمري، إنه في حال قررت إيران استخدام الحوثيين ورقة ضغط، فإن باب المندب قد يتحول إلى أداة استراتيجية مؤثرة، وإن كانت لا تشكل بديلا مكافئا لمضيق هرمز، الذي يقع تحت تهديد مباشر من إيران، بينما يعتمد باب المندب على نفوذ غير مباشر عبر حلفاء”.
تعبر مضيق باب المندب أكثر من 20 ألف سفينة شحن، تنقل ما يقارب 1.6 مليار طن من السلع والبضائع المختلفة. ووفق البيانات المسجلة في أعوام سابقة، مر عبر هذا الممر نحو 6.2 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات البترولية المكررة، وهو ما يعادل قرابة 9% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحرا على مستوى العالم.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن ما بين 12% و 15% من حركة التجارة العالمية تمر عبر باب المندب. وفي حال تعطلت الملاحة فيه، ستضطر السفن التجارية إلى تغيير مساراتها والإبحار حول القارة الإفريقية عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما يضيف إلى زمن الرحلة ما بين عشرة أيام وأسبوعين.
ولا يقتصر الأمر على عامل الزمن فحسب، بل يمتد إلى ارتفاع كبير في تكاليف التشغيل واستهلاك الوقود، حيث قد تصل الزيادة في النفقات إلى ما بين 10 و14 مليون دولار في بعض الحالات.
وإذا أقدم الحوثيون على تعطيل الملاحة في هذا المضيق، فإن التداعيات لن تقتصر على التجارة العالمية فحسب، بل قد تمتد أيضا إلى قطاع الطاقة في الخليج، فالسعودية مثلا، تعتمد على شبكة من خطوط الأنابيب التي تنقل النفط من شرق المملكة إلى موانئها المطلة على البحر الأحمر، ومنها إلى الأسواق الآسيوية، وبالتالي فإن إغلاق هذا الممر سيضرب أحد أهم المسارات الحيوية لصادرات النفط، وقد يؤدي إلى تعطل جزء كبير من شحنات الطاقة الخارجة من المنطقة خلال أسابيع قليلة.
وهكذا، بين مضيق هرمز الذي تمسك إيران بمفاتيحه في الخليج، وباب المندب حيث يملك الحوثيون القدرة على التأثير في الملاحة عبره، تتشكل معادلة ضغط بحري تطال اثنين من أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة في العالم.
خليجيا، تعد السعودية الدولة الوحيدة التي تمتلك موانئ رئيسية على البحر الأحمر، وتكتسب هذه الموانئ أهمية مضاعفة في ظل الضغوط التي تمارسها إيران في مضيق هرمز، إذ تمثل المتنفس البحري البديل للمملكة، كما تشكل أيضا منفذا حيويا لبعض دول الخليج التي لا تمتلك في الأساس ممرا بحريا آخر إلى الأسواق العالمية سوى عبر مضيق هرمز.
وفي قراءة لهذه المعادلة، يرى الخبير الاستراتيجي، خالد إبراهيم الصلال، أن قدرة إيران على تحويل باب المندب إلى أداة ردع كاملة تبقى محدودة لعدم سيطرتها الجغرافية على المضيق ووجود قوات دولية كثيفة في البحر الأحمر، لذلك يرجح أن يبقى المضيق ضمن نطاق التهديد المتقطع كأداة ضغط غير مباشرة تكمل نفوذ طهران في هرمز.
ومن زاوية أخرى، يشير الشمري إلى أن السعودية تمتلك هامش حركة عبر خط أنابيب الشرق – الغرب إلى ينبع إضافة إلى موانئها على البحر الأحمر، ما يعني أن السيناريو لن يصل إلى حصار كامل، لكنه قد يفرض ضغوطا كبيرة على صادرات النفط وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، وهو ما يجعل أي تصعيد في هذا المسار مكلفا على أطراف عدة.
ومع اتساع المواجهة في منطقة الخليج، بدأت الأسواق العالمية إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، ما انعكس في ارتفاع أسعار النفط والغاز، وتراجع أسواق الأسهم، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين البحري، كما يضع هذا التطور الاقتصاد العالمي أمام احتمال صدمة اقتصادية جديدة قد تكون الأشد منذ أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022.
يرى الصلال أن تأثير تعطل مضيق هرمز بالتزامن مع تهديد باب المندب لن يكون متساويا بين دول الخليج؛ فالكويت وقطر والعراق ستكون الأكثر انكشافا لاعتماد صادراتها بشكل شبه كامل على مضيق هرمز، بينما تمتلك السعودية والإمارات بعض البدائل مثل موانئ البحر الأحمر أو منفذ الفجيرة خارج هرمز.
لكن تعطيل باب المندب قد يقلص فاعلية هذه البدائل لأنه يعرقل الوصول إلى أوروبا عبر قناة السويس، في حين تبقى سلطنة عمان الأقل تأثرا نسبيا لوقوعها مباشرة على بحر العرب خارج هرمز. ويرى الصلال أن السيناريو الأقرب يتمثل في اختناق بحري مؤقت يضغط على سلاسل الإمداد ويرفع تكاليف الشحن والطاقة.
وأفادت تقارير نقلا عن محللين في أسواق الطاقة بأن إغلاق مضيق هرمز تسبب في اضطراب كبير في إمدادات النفط العالمية، مع تراجع حاد في حركة ناقلات النفط عبر أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. وبحسب التقارير، فإن نحو 15 مليون برميل يوميا من النفط الخام أصبحت عالقة داخل الخليج، إضافة إلى نحو 4.5 ملايين برميل يوميا من المنتجات النفطية المكررة، في وقت يمر عبر المضيق في الظروف الطبيعية ما يقرب من خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا.
سكينة المشيخص
كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


