الإيرانيون ينتظرون سقوط النظام
كثير من الإيرانيين يعبّرون عن ارتياحهم للقصف طالما أنه يقود إلى تغيير النظام.

أفاتار مهتاب غولي زاده

على خلاف التوقعات السابقة، تمكن هيكل السلطة العسكرية والسياسية في الجمهورية الإسلامية من الحفاظ على تماسكه بعد أسبوعين من الحرب. فقد نجح النظام في مواصلة قمعه للسكان رغم تعرضه لقصف متواصل.

وعلى الرغم من أن الجمهورية الإسلامية فقدت مرشدها الأعلى في اليوم الأول من الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنها تمكنت من التأثير في أسعار النفط العالمية عبر إغلاق مضيق هرمز. كما اختارت قائداً جديداً، وأطلقت صواريخ وطائرات مسيّرة على إسرائيل ودول في الخليج، وحافظت على سلاسل الإمداد المحلية للوقود والسلع الأساسية. وتمكنت أيضاً من منع اندلاع مظاهرات عامة واسعة النطاق.

وقد سارعت قوات الحرس الثوري الإسلامي وميليشيات الباسيج إلى إقامة نقاط تفتيش واسعة ودوريات مستمرة. ويحرص أفرادها على إظهار أسلحتهم بشكل لافت. وعلى دراجات نارية ثقيلة يصدرون ضجيجاً مرتفعاً يهدف إلى ترهيب الناس. كما يظهر مسؤولون وقادة في الحرس الثوري على شاشات التلفزيون الرسمي ويهددون المواطنين صراحة، محذرين من أنهم سيواجهون عواقب قاسية إذا خرجوا إلى الشوارع.

وفي الساعات الأولى من بدء الهجمات، دفعت السلطات الإنترنت إلى حافة الإغلاق الكامل. ووفقاً لمنظمة NetBlocks، فإن نحو واحد في المئة فقط من سكان إيران لديهم حالياً إمكانية الوصول إلى الإنترنت. وقد طبّق المسؤولون الحكوميون عملياً شكلاً من أشكال “احتجاز الرهائن داخلياً”، عبر قطع صلات الناس بالعالم الخارجي – وببعضهم البعض.

غير أن رد فعل شريحة كبيرة من الناس داخل إيران كان أكثر إثارة للدهشة من قدرة النظام على الصمود. فكثير من الإيرانيين يعبّرون عن رضاهم – بل وحتى ارتياحهم – حيال القصف. وعلى الرغم من مشاكل الاتصال، تمكنت هذه الصحفية من التواصل مع ما لا يقل عن ستين مواطناً مختلفاً، وجميعهم – سواء من يخشون القصف أو من لا يخشونه – قالوا إنهم يرون التدخل العسكري السبيل الوحيد لتخليص البلاد من الجمهورية الإسلامية.

 

MBN Alhurra
أجندة MBN

نشرة أسبوعية تقدّم رؤى وتحليلات من داخل دوائر واشنطن حول قضايا الشرق الأوسط.

 

وتشير روايات مستقلة عديدة من طهران إلى أن عدداً أكبر من السكان قرروا البقاء في منازلهم بدلاً من الفرار إلى أماكن يُعتقد أنها أكثر أماناً، كما فعل كثيرون خلال حرب الأيام الاثني عشر العام الماضي. ومن خلال التجربة، تعلّم الإيرانيون أن المواقع العسكرية، وليس المباني المدنية، هي الأهداف الرئيسية للضربات. وكثير من الذين بقوا في منازلهم أخبروني أنهم ينتظرون دعوة علنية من رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، للنزول إلى الشوارع في جولة أخيرة من الاحتجاجات تهدف إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية.

وقال محمد حسين، وهو مهندس كمبيوتر يبلغ من العمر خمسين عاماً ويعيش في غرب طهران، في رسالة صوتية:
“بقينا في طهران ونادراً ما نغادر المنزل إلا لشراء الضروريات. الشيء الوحيد الذي ننتظره هو اللحظة التي يدعو فيها ولي العهد [بهلوي] الناس إلى الاحتجاج حتى نخرج إلى الشوارع”.

وأضاف أن الناس يخشون تهديدات الحكومة ضد السكان. وقال:
“قد لا تصدق هذا، لكن صوت القنابل لا يخيفنا. رؤية قوات الجمهورية الإسلامية في الشوارع كل يوم أكثر إخافة بكثير من القنابل”.

الشعب يريد أن يستسلم النظام

تهمينة شابة في العشرين من عمرها. وفي رسالة صوتية تقول:
“أعتقد أن هذه الحرب أخلاقية بالكامل. نحن ندفع ثمن الحرية. لا توجد دولة في العالم حصلت على الحرية بثمن رخيص. سندفع هذا الثمن أيضاً، وبعد ذلك سنبني بلداً أفضل مما لدينا الآن، لأننا نعرف أن الحرية تمنحنا فرصة للنمو”.

وتقارن بين الضحايا في النزاع الحالي وعدد المحتجين الذين قتلتهم الحكومة خلال مظاهرات يناير الجماهيرية. وتقول:
“حتى الآن قُتل أكثر بقليل من ألف شخص، معظمهم من العسكريين، أي من ممثلي جهاز القمع. في المقابل، قُتل ما لا يقل عن 32 ألف مواطن خلال الاحتجاجات. لم يكن لديهم سلاح. لم يكن هناك عنف. لقد خرجوا فقط إلى الشوارع ليهتفوا بالشعارات”.

وتضيف تهمينة:
“الشعب يريد من الجمهورية الإسلامية أن تستسلم”.

الخوف من انتهاء الحرب من دون تغيير النظام

“بالنسبة لنا، صوت الطائرات المقاتلة مخيف، لكن عندما يصمت السماء يصبح الأمر أكثر رعباً”.

هذا ما قالته ساره، وهي طبيبة متخصصة. ووفقاً لها:

“إذا أنهت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه الحرب من دون تغيير النظام فسيكون ذلك هزيمة كاملة بالنسبة لنا. لقد خسرنا ماضينا بالفعل. شبابنا ضاع في الحروب والاحتجاجات. وإذا بقي الملالي، فإن الفقر والقمع سيكونان مستقبلنا”.

وقد كرر مواطنون آخرون الفكرة نفسها: فهم لا يريدون أن تغادر الولايات المتحدة إيران من دون تغيير النظام.

ومع كل يوم يمر من الحرب، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً بين المواطنين. فقد علمت حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل الإيرانيين أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تستهدفان المدنيين عمداً. لكنها علمتهم شيئاً آخر أيضاً: أن هاتين الدولتين قد تغادران إيران فجأة وتتركانهم لمصيرهم.

وخلال حرب الأيام الاثني عشر السابقة، عندما كان الإيرانيون يأملون أن يكون الهدف التالي لإسرائيل هو علي خامنئي، ديكتاتور إيران، أُعلن فجأة عن وقف لإطلاق النار. وقد تحول ذلك الحدث الآن إلى هاجس لدى كثير من الإيرانيين: ماذا لو تخلوا عنا مرة أخرى؟

 

MBN Alhurra
إحاطة إيران من MBN

متابعة أسبوعية وتحليلات يقدّمها أندريس إلفِس حول ما يجري في إيران وانعكاساته الإقليمية والدولية.

 

الإنترنت في إيران: سلعة فاخرة

في هذه الأيام، أصبح الوصول المفتوح إلى الإنترنت والاتصال غير المقيّد بالشبكة العالمية بمثابة سلعة فاخرة في إيران. فقد ظهرت أشكال جديدة من الأعمال، وبدأت العديد من قنوات تلغرام وواتساب في بيع إعدادات الاتصال (configs) وشبكات VPN والبروكسيات. ويكون الناس مستعدين لدفع مبالغ باهظة مقابل بضع ساعات فقط من الاتصال بالإنترنت كي يتمكنوا من قراءة الأخبار. لكن كثيراً من هذه العروض قد يكون احتيالياً. وقد أخبرني عدد من المواطنين أنهم دفعوا مبالغ كبيرة مقابل خدمات VPN قبل أن يكتشفوا أنهم تعرضوا لعملية نصب.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار أدوات تجاوز الحجب بشكل حاد. كما ظهر نوع جديد من الخدمات يُعرف باسم “Starlink VPN”. وتمكنت من التواصل مع أحد البائعين الذين يعرضون هذا المنتج. وقد ادعى أن شركته تمتلك طبق ستارلينك خاصاً بها يمكنه توفير خدمات VPN مرتبطة به. لكن اختصاصياً آخر في تكنولوجيا المعلومات في طهران قال إن هذا غير صحيح. فمع أن العملاء يدفعون مبالغ ضخمة للوصول إلى الإنترنت العالمي – أحياناً ما يصل إلى ثلث الحد الأدنى لأجر العامل – فإنهم في الواقع يُوجَّهون ببساطة إلى مراكز بيانات محلية لديها بدورها اتصالاتها الخاصة بالعالم الخارجي.

الأب والابن الغائبان

في المعتقد الشيعي، يختفي الإمام الثاني عشر عن الأنظار وسيعود في آخر الزمان مع أتباعه. وهذا اعتقاد ديني راسخ لدى الشيعة المحافظين. والآن يبدو أن الجمهورية الإسلامية قد أدخلت شخصية غائبة أخرى بوصفها المرشد الأعلى الثالث.

مجتبى خامنئي، وهو شخصية نادراً ما تُرى في العلن، يُعتقد على نطاق واسع أنه كان مع والده علي خامنئي خلال الضربة الأولى. ووفقاً لبعض الشائعات، فإنه يُحتفظ به الآن في غيبوبة داخل أحد مستشفيات طهران. وقد ادعى التلفزيون الرسمي الإيراني أنه أُصيب خلال الهجوم. كما امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي الفارسية بالنكات حول غياب مجتبى خامنئي. ويتكهن آخرون بأن جهاز الدعاية في الجمهورية الإسلامية يتعمد إبقاءه بعيداً عن الأنظار لكي يظهر لاحقاً بشكل مفاجئ ويُقدَّم بوصفه قائداً كاريزمياً.

وحتى الآن لم يظهر مجتبى خامنئي علناً، كما لم يُدفن والده علي خامنئي بعد. فكلاهما ما زال غائباً عن الأنظار.

هذا المقال منقول عن الإنجليزية.


 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

مهتاب غولي زاده

مهتاب غولي زاده صحفية إيرانية في المنفى، تعمل مع «إيران إنترناشيونال» ووسائل إعلام غربية مختلفة، واعتُقلت في إيران عام 2021.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading