أعادت الضربة الجوية التي استهدفت منزلا في بغداد، وأدت إلى مقتل “مستشارين إيرانيين” تسليط الضوء على استراتيجية المستشارين العابرة للحدود التي تتبعها طهران لإدارة ما يُسمى بـ”محور المقاومة” في الشرق الأوسط.
وبينما تتركز الأنظار عادة على الفصائل المسلحة المحلية في العراق أو لبنان أو اليمن، يبقى دور هؤلاء المستشارين أقل علانية، رغم أنهم يشكلون في كثير من الأحيان العمود الفقري للتنسيق والتخطيط والربط بين ساحات متعددة تمتد من طهران إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر.
ويشير الاستهداف في الذي وقع الثلاثاء الماضي في العاصمة العراقية إلى أن المواجهة بين واشنطن وطهران بدأت تمتد إلى الشبكات التي يديرها الحرس الثوري خلف الكواليس وليس فقط إلى القيادات الميدانية للفصائل، بالتزامن مع تصاعد حدة الصراع في الشرق الأوسط جراء الحرب.
يصف السفير الأميركي السابق جيمس جيفري الدور الذي يلعبه هؤلاء المستشارون الإيرانيون بأنه “بالغ الأهمية من حيث نقل التعليمات الإيرانية لأذرع طهران، فضلا عن تقديم المشورة والتمويل والأسلحة”.
ويقول الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط ريناد منصور إن “قادة الحرس الثوري الإيراني ينشطون في مختلف هذه المناطق الجغرافية، بل في الواقع، إنهم يتعرضون للاستهداف أيضا في هذه المناطق، بما في ذلك ما حدث مؤخرا في بغداد على يد القوات الأميركية، وذلك في إطار مجريات هذه الحرب”.
واستهدفت ضربة الثلاثاء الماضي منزلا مستأجرا من قبل السفارة الإيرانية في بغداد، واسفرت عن مقتل خمسة إيرانيين بينهم مستشار يعمل مع الفصائل الشيعية المسلحة، يُدعى “أنصاري”، وهو أحد الخبراء في الحرس الثوري الإيراني، بحسب معلومات أدلى بها مصدر في وزارة الداخلية العراقية لـ”الحرة”.
منذ سنوات، تعتمد طهران على نموذج قائم على إرسال خبراء عسكريين وأمنيين إلى دول تشهد نزاعات أو تعاني من هشاشة في مؤسساتها الأمنية، كالعراق واليمن ولبنان، وسوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد، حيث يُقدَّم هؤلاء رسميا كمستشارين يوفرون الدعم للحكومات أو للفصائل المسلحة، لكن دورهم يتجاوز في كثير من الأحيان هذه الحدود.
في العراق، وجدت طهران، منذ عام 2003، فرصة لتعزيز نفوذها عبر دعم فصائل مسلحة شيعية، كثير منها أصبح لاحقا جزءا من “الحشد الشعبي”، وهو تحالف أُسّس في العام 2014 لمحاربة تنظيم داعش، قبل أن ينضوي رسميا ضمن المؤسسة العسكرية العراقية ويصبح تابعا للقوات المسلحة.
ويضم الحشد الشعبي في صفوفه ألوية تابعة لفصائل مقاتلة موالية لإيران تتحرك بشكل مستقل وتنضوي أيضا في ما يعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق” التي تتبنى هجمات ضد مصالح أميركية في البلاد منذ شن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران في 28 فبراير.
لعب المستشارون الإيرانيون دورا مهما في إعادة تشكيل هذه الفصائل، سواء من حيث التنظيم أو التسليح أو العقيدة القتالية، وساهموا أيضا في تنسيق العمليات ضد تنظيم “داعش” خلال سنوات الحرب ضد التنظيم في 2014، وهو ما منحهم شرعية إضافية داخل بعض الأوساط العراقية.
وامتد دور المستشارين إلى إدارة العلاقة بين الفصائل نفسها، وضبط إيقاع التصعيد أو التهدئة، خصوصا في ما يتعلق بالهجمات على المصالح الأميركية.
وعن طبيعة عمل المستشارين الإيرانيين في العراق، يقول مسؤول حكومي عراقي سابق لـ”الحرة” إنه “عالم سري لا نعرف عنه الكثير، سوى أنهم كانوا موجودين، في السابق، وقبل الحرب أٌرسل آخرون للعمل في العراق”.
يوضح المسؤول السابق، الذي طلب عن الكشف عن هويته لحساسية الموضوع، أن “المستشارين موجودون، لكن لا يقر بهم رسميا، ويعملون برعاية الحشد الشعبي وتحت مظلته وليس داخل باقي المؤسسات العسكرية النظامية”.
ويشير إلى أن “هناك معلومات مؤكدة عن قيام إيران وضمن استعدادتها للحرب الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بإرسال ضباط في الحرس الثوري، من غير المستشارين الذين كانوا موجودين أصلا”.
الحشد الشعبي هو من يوفر احتياجاتهم، يكشف المسؤول السابق، بينما يتولون هم مسؤولية إصدار الأوامر والحشد الذي “ينفذها على الأرض”.
ويتابع “هناك مجموعة من المحركين الأساسيين في الحشد، ولا أتحدث هنا عن الأفراد العاديين بل الأشخاص الذين يمتلكون سلطة اتخاذ القرار، وهؤلاء إما إيرانيون ويعملون بصفة مستشارين، أو عراقيون يمتلكون الجنسية الإيرانية أو ممن عاشوا في إيران لفترات طويلة أو أشخاص يحملون جنسية إيرانية ويعيشون في العراق.. خليط من كلّ هؤلاء”.
ولم يرد متحدثان باسم الحكومة العراقية على طلب للتعليق أرسلته “الحرة” بشأن الموضوع.
ومنذ بدء الحرب، استُهدفت مقارّ للحشد الشعبي وأخرى تابعة لفصائل عراقية موالية لإيران تصنّف واشنطن عددا منها “إرهابية”. ولم تؤكد الولايات المتحدة أو إسرائيل شنّ هذه الضربات.
يقول جيفري لـ”الحرة” إن “قوات الحشد الشعبي تمتلك خبرات وقدرات عسكرية واسعة؛ غير أنها لا تزال تعتمد على طهران في الحصول على أنظمة معينة تتسم بدقة فائقة وقوة تدميرية هائلة”.
تنظر واشنطن إلى تعاون إيران مع قوات الحشد الشعبي باعتبارها القضية الأبرز والأكثر أهمية في العلاقات الأميركية-العراقية، وفقا لجيفري.
“نظراً لما يتمتع به العراق من مساحة جغرافية شاسعة وثروات هيدروكربونية هائلة، يُنظر إلى هذا التعاون أيضا باعتباره تهديدا محتملا للأمن الإقليمي، لا سيما إذا نجحت إيران، عبر أداتها المتمثلة في الحشد الشعبي، في خلق لبنان ثانٍ في المنطقة”، يضيف جيفري في إشارة إلى حزب الله في لبنان.
قبل العراق، كانت سوريا الساحة الأبرز التي اختبرت فيها إيران نموذج “المستشارين”. فمع اندلاع الحرب السورية عام 2011، سارعت طهران إلى إرسال مستشارين عسكريين لدعم نظام الرئيس السابق بشار الأسد.
في البداية، اقتصر الدور على تقديم المشورة، لكنه سرعان ما تطور ليشمل الإشراف المباشر على العمليات العسكرية، وتنظيم ميليشيات محلية وأجنبية، بما في ذلك مقاتلون من لبنان والعراق وأفغانستان، وأيضا لعب هؤلاء المستشارون دورا في إعادة هيكلة القوات الموالية للنظام، وتحويلها إلى قوة أكثر فعالية على الأرض.
وشكلت سوريا، تحت حكم الأسد، نقطة التقاء لمختلف مكونات “محور المقاومة”، حيث جرى تنسيق العمليات بين فصائل متعددة تحت إشراف إيراني مباشر.
وفي لبنان، تعود علاقة إيران مع “حزب الله” إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما لعب المستشارون الإيرانيون دورا أساسيا في تأسيس الحزب وتدريبه وتسليحه.
يتميز النموذج اللبناني بقدر أكبر من الاستقلالية المحلية مقارنة بساحات أخرى، لكن ذلك لا يلغي دور المستشارين في مجالات مثل تطوير القدرات الصاروخية، والتخطيط الاستراتيجي، والتنسيق الإقليمي، فضلاً عن وجود قنوات تنسيق على مستويات مختلفة.
أما في اليمن، فالوضع يختلف قليلا نتيجة البعد الجغرافي. ومع ذلك، تتحدث تقارير صحفية عن وجود مستشارين إيرانيين يقدمون الدعم لجماعة الحوثي، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات غير رسمية. ويتمحور هذا الدعم حول نقل التكنولوجيا العسكرية، خصوصا في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ، إضافة إلى تقديم المشورة في إدارة العمليات.
في خضم هذه المعطيات، يؤكد خبراء أن استراتيجية طهران لإدارة ملف الجماعات المسلحة في المنطقة تغير منذ عام 2020، بعد مقتل قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني في ضربة أميركية ببغداد.
“الطريقة التي صُمم بها هذا النموذج قد وضع أسسها سليماني، وكانت تقوم إلى حد كبير على نمط من القيادة المركزية؛ حيث كانت تربط سليماني علاقة غير رسمية للغاية بالعديد من هذه الجماعات”، يقول منصور في رد على سؤال لـ”الحرة” أثناء حلقة نقاشية أعدها المجلس الأطلسي، الثلاثاء.
“كان سليماني هو صاحب الكلمة الفصل والقائد الفعلي لهذه المنظومة، لكن مع مقتله وصعود إسماعيل قاآني لتولي قيادة فيلق القدس طرأ تغيير على هذا النموذج، وإن كان ذلك بدرجة معينة،” يضيف.
في ظل النموذج الجديد لفيلق القدس تحت قيادة قآني وآخرين، أصبح الهيكل أكثر لامركزية بكثير، وفقا لمنصور.
وتحدثت تقارير عدة في السنوات الماضية عن قدوم مسؤولين من “حزب الله” إلى بغداد واليمن لتقديم تدريبات أمنية لمختلف الفصائل الموالية لطهران في العراق وللحوثيين.
“المستشارون متواجدون؛ ورغم أن الهيكل أصبح أكثر لامركزية، إلا أنه ينظر لدورهم بالتأكيد على أنه دور داعم بكل السبل الممكنة، وكل ما احتاجت إيران منهم اتخاذ إجراء ما، فإنهم بالتأكيد سيبادرون للتنفيذ”، يقول منصور. ويضيف “ما زالوا متواجدين على الساحة، ويجري استهدافهم في جميع هذه البلدان”.

غسان تقي
صحفي متخصص في الشؤون العراقية، يعمل في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال MBN منذ عام 2015. عمل سنوات مع إذاعة "أوروبا الحرة" ومؤسسات إعلامية عراقية وعربية.


