شرعت السلطات العراقية في وضع آليات تنفيذية لدمج عناصر الفصائل المسلحة التي أعلنت موافقتها على تسليم سلاحها والانخراط في مؤسسات الدولة، وفق معلومات حصلت عليها “الحرة” من مصادر أمنية تعمل في مؤسسة معنية بهذا الملف.
وتأتي هذه الإجراءات بعد إعلان “سرايا السلام” و”عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي” المضي في خطوات الاندماج ونزع السلاح، في تطور يضع الحكومة الجديدة أمام واحد من أعقد الملفات في العراق، وهو تفكيك القوة العسكرية للفصائل من دون نقل ثقلها التنظيمي إلى داخل مؤسسات الدولة.
وبحسب ضابط رفيع في الجيش العراقي تحدث لـ”الحرة”، فإن عملية الدمج ستجري عبر توزيع عناصر هذه الفصائل على مختلف صنوف القوات الأمنية “كأفراد لا كمجموعات”، بهدف منع تشكل أي كتلة تنظيمية لها داخل الجيش أو الأجهزة الأمنية، وضمان خضوعها المباشر لسلطة القائد العام للقوات المسلحة.
وقال المصدر إن “الغرض من ذلك هو ألا يكون لهم أي ثقل واضح داخل المؤسسات الأمنية، وأن يتم التعامل معهم كباقي أفراد المؤسسة الأمنية، وأن تكون الأوامر التي يتلقونها صادرة فقط من القائد العام للقوات المسلحة”.
أما في ما يتعلق بسلاح الفصائل الثلاث، فأكد المصدر أن لجانا شُكلت خلال اليومين الماضيين تضم ممثلين عن وزارتي الدفاع والداخلية وهيئة الحشد الشعبي، إضافة إلى ممثلين عن الفصائل، وبدأت بالفعل عمليات جرد الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، تمهيداً لتسليمها للسلطات.
ومنذ تسلم رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي مهامه الشهر الماضي، تصدرت قضايا دمج التشكيلات شبه العسكرية ونزع سلاح الفصائل جدول الأعمال الحكومي. لكن المبادرة التي أطلقها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الأسبوع الماضي، بحل الجناح المسلح لتياره، “سرايا السلام”، ودمجه بالكامل في أجهزة الدولة، كان لها أثر كبير في المشهد الأمني والسياسي.
فبعد إعلان الصدر، أعلنت “عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي” بدء إجراءات فك ارتباط ألويتها العسكرية بهيئة الحشد الشعبي، تمهيدا لجرد ترساناتها وتسليمها لإمرة القائد العام للقوات المسلحة.
ويستعرض هذا التقرير، استنادا إلى مصادر مفتوحة ومصادر مطلعة على الملف، آلية الدمج المرتقبة، والبنية التنظيمية لهذه الفصائل، وأعداد مقاتليها، وقدراتها التسليحية، ومناطق انتشارها داخل العراق.
“عصائب أهل الحق”
تأسست “عصائب أهل الحق” بعد انشقاق زعيمها، قيس الخزعلي، عن “جيش المهدي” التابع لمقتدى الصدر، بين عامي 2005 و2006. وبدعم وتمويل وتدريب من “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، تحولت الحركة من مجموعة مسلحة ناشطة في قتال قوات التحالف الدولي إلى واحدة من كبرى الفصائل شبه العسكرية وأكثرها تنظيما في العراق.
وفي عام 2018، دُمجت التشكيلات المسلحة التابعة للحركة رسميا في هيئة الحشد الشعبي، ما أتاح لها تلقي رواتب منتسبيها ومخصصاتها اللوجستية من موازنة الدولة العراقية.
وتدير “عصائب أهل الحق” ثلاثة ألوية عسكرية أساسية داخل الحشد الشعبي، هي الألوية 41 و42 و43. وعلى الرغم من ارتباط الهيئة قانونيا بمكتب رئيس الوزراء العراقي، تقول مصادر أمنية إن هذه الألوية ظلت، في إدارتها الفعلية وتوجهاتها الميدانية، قريبة من قيادة الحركة السياسية والأمنية.
وتنتشر الألوية التابعة للعصائب بشكل رئيسي في حزام بغداد ومحافظة صلاح الدين، خصوصا بلد والدجيل، إضافة إلى أجزاء من ديالى وبابل. كما تنشط بكثافة في شرق بغداد وجنوبها، وتتخذ من مدينة الصدر مركزا مهما لإدارتها وحشدها البشري والتنظيمي.
ويحتفظ الفصيل بحضور واسع في محافظات البصرة وميسان وذي قار، وهي مناطق شهدت احتكاكات عنيفة بين مسلحي الفصيل ومتظاهرين محليين خلال احتجاجات عام 2019.
وخارج العراق، شارك مسلحو العصائب منذ عام 2012 في العمليات العسكرية الداعمة للنظام السوري، قبل سقوطه في عام 2024، ولا سيما في محيط المراقد الدينية الشيعية في دمشق ومناطق البادية السورية.
ويقود الفصيل قيس الخزعلي، ويعاونه شقيقه ليث الخزعلي، وكلاهما مصنفان إرهابيين عالميين من طرف وزارة الخارجية الأميركية منذ عام 2020. ومن بين الأسماء البارزة داخل الدوائر القيادية للحركة جواد الطليباوي، الذي يشغل منصب رئيس أمن الحركة، ويُعد من المسؤولين عن صياغة ردودها الميدانية.
وتشير تقديرات أمنية إلى أن القوة البشرية لـ”عصائب أهل الحق” تبلغ نحو 10 آلاف مقاتل، يتمتع كثير منهم بخبرات قتالية اكتسبوها خلال المعارك ضد تنظيم داعش بعد عام 2014، وفي حرب المدن داخل سوريا.
أما ترسانة الفصيل، فتشمل، بحسب تقديرات أمنية، طائرات مسيرة هجومية واستطلاعية من منشأ إيراني، استُخدمت في هجمات على مقرات عسكرية وقواعد تابعة للتحالف الدولي في العراق، إضافة إلى منظومات صاروخية وراجمات قصيرة ومتوسطة المدى.
“كتائب الإمام علي”
تأسست كتائب الإمام علي في حزيران 2014 بعد سيطرة داعش على أجزاء واسعة من العراق وسوريا. ومنذ لحظة ظهورها الأولى، تميزت بعلاقة شديدة الخصوصية مع الحرس الثوري الإيراني.
ومع مرور الوقت، اتخت الميليشيا مسارا يختلف بعض الشيء عن الفصائل العقائدية الأخرى، حيث ركز أمينها العام شبل الزيدي بشكل كبير على بناء شبكة استثمارية وإمبراطورية تجارية ضخمة تعنى بالعقارات والمقاولات والزراعة والاتصالات.
والزيدي، هو عضو سابق في جيش المهدي وخاضع لعقوبات وزارة الخزانة الأميركية منذ عام 2020 لعمله كمنسق مالي واستخباراتي لـفيلق القدس وتسهيل الاستثمارات العراقية وتهريب النفط لصالح إيران.
تنضوي كتائب الإمام علي تحت هيكلية الحشد الشعبي عبر لواء رسمي واحد هو اللواء 40، إلى جانب تشكيلات فرعية مستحدثة من أبرزها فصيل “روح الله عيسى بن مريم” الذي يضم متطوعين من الطائفة المسيحة وينتشر بشكل أساسي في سهل نينوى. وتشير التقديرات إلى أن كتائب الإمام تمتلك ما يقارب من 8 آلاف عنصر يتوزعون على 40 مجموعة قتالية.
تسيطر الميليشيا بشكل كامل على “معسكر سبايكر” الاستراتيجي غربي مدينة تكريت لمحافظة صلاح الدين، كما تمتلك موقعا عسكريا ضخما في قضاء الصويرة بمحافظة واسط.
وتنتشر تشكيلات اللواء 40 أيضا في بغداد ونينوى وشرق الأنبار، بالإضافة إلى تموضع مشترك مع فصائل أخرى في كركوك وطوزخورماتو وتلعفر وسنجار وديالى، ولديها أيضا مكاتب في منطقتي الكرادة والجادرية وسط العاصمة بغداد.
وخلال الحرب الأهلية السورية، نشطت كتائب الإمام علي منذ عام 2015 في ريف دمشق (محيط مقام السيدة زينب)، وتدمر وحلب والبادية الحدودية كما تمركزت بشكل أساسي في مدينة البوكمال الاستراتيجية.
في ما يتعلق بالتسليح، تمتلك الميليشيا منظومات صاروخية متوسطة المدى وأسلحة لمتوسطة ومدافع الهاون ورشاشات ثقيلة بالإضافة لعربات عسكرية رباعية الدفع مجهزة بأسلحة رشاشة.
“سرايا السلام”
تأسست “سرايا السلام” في يونيو 2014 بقرار من رجل الدين والزعيم الشيعي مقتدى الصدر، بوصفها إعادة تنظيم لـ”جيش المهدي”، الجناح المسلح السابق للتيار الصدري، الذي جُمّد نشاطه بين عامي 2007 و2008.
وعلى خلاف الفصائل العراقية الأقرب إلى إيران، تقدم “سرايا السلام” نفسها بوصفها قوة ذات مرجعية صدرية عراقية، تعارض الوجود الأميركي والتدخل الإيراني في الوقت نفسه.
وتندرج السرايا ضمن الهيكل القانوني لهيئة الحشد الشعبي من خلال ثلاثة ألوية عسكرية هي 313 و314 و315. ويُعد اللواء 313 التشكيل الأبرز بينها، إذ يتولى الأمن الميداني في مدينة سامراء ومحيطها، فيما يعمل اللواءان الآخران كقوتي إسناد وتأمين في قواطع صلاح الدين وجزيرة سامراء.
ويمثل مقتدى الصدر المرجعية السياسية والعقائدية العليا للسرايا، وصاحب القرار في توجهاتها الكبرى. أما القيادة العسكرية اليومية، فتخضع لتحسين الحميداوي، المعروف داخل التيار الصدري باسم “المعاون الجهادي”، والذي يتولى قيادة السرايا منذ يناير 2022.
وتتولى السرايا حماية مرقد الإمامين العسكريين في سامراء ومحيطه الأمني، وتنتشر في جزيرة سامراء، وآمرلي، وناحية الإسحاقي، وبلد، والدجيل، بالتنسيق مع قيادة عمليات سامراء التابعة للجيش العراقي.
وفي بغداد، تحتفظ السرايا بحضور واسع في شرق العاصمة، خصوصا في مدينة الصدر والمناطق المحيطة بها، إلى جانب انتشارها في مدن جنوبية، أبرزها النجف وكربلاء.
وتشير التقديرات إلى أن عدد عناصر “سرايا السلام” المنضوين في الحشد الشعبي يبلغ نحو 13 ألف عنصر. لكن وزنها الفعلي يتجاوز هذا الرقم، بفعل قدرة الصدر على التعبئة السريعة في أوقات الطوارئ، بما قد يرفع عدد المقاتلين الجاهزين إلى ما بين 50 ألفا و70 ألف عنصر.
أما ترسانة السرايا، فتبدو أقل تطورا من ترسانات الفصائل العراقية المرتبطة بطهران. فهي تعتمد أساسا على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بينها البنادق الآلية، والرشاشات المتوسطة والثقيلة، وقاذفات مضادة للدروع.
كما تمتلك السرايا مدافع هاون عيار 120 ملم، وصواريخ كاتيوشا قصيرة المدى غير موجهة، إضافة إلى عربات دفع رباعي مسلحة.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن ترسانة “سرايا السلام” لا تضم طائرات مسيرة أو صواريخ باليستية متوسطة وطويلة المدى، بخلاف بعض الفصائل العراقية الحليفة لإيران.

غسان تقي
صحفي متخصص في الشؤون العراقية، يعمل في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال MBN منذ عام 2015. عمل سنوات مع إذاعة "أوروبا الحرة" ومؤسسات إعلامية عراقية وعربية.


