ماذا لو أغلق الحوثيون مضيق باب المندب؟

رغم أن الحوثيين لم يعلنوا انخراطا شاملا في الحرب الحالية على إيران، فإن هجماتهم على السفن باتت أداة ضغط محسوبة، تعكس قدرة على التأثير دون الحاجة إلى إغلاق فعلي للمضيق.

وتدرك إيران قيمة هذا السلاح جيدا.

 “القدرة لم تعد موضع شك، فقد شكّل عام 2023 اختبارا ناجحا للحوثيين” تقول ياسمين الإرياني الباحثة في مركز صنعاء للدراسات لـ”الحرة”،  كما أن العمليات باتت اليوم “تتم بشكل منسق مع إيران وأطراف أخرى” وأن هذه الخطوة قد تدفع إلى ردود عسكرية أوسع، إذ “سيُفهم إغلاق المضيق كتصعيد مباشر، وقد يستدعي ضربات من الولايات المتحدة وإسرائيل، وربما يدفع أطرافا إقليمية إلى الرد”.


إغلاق أم تعطيل؟ 

توحي المعطيات حتى الآن بأن الحوثيين يملكون قدرة حقيقية على التعطيل، لكنهم ما زالوا دون مستوى التحكم الكامل والمستدام بالمضيق. 

وتشير تحليلات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن التعطيل والسيطرة يمثلان مستويين مختلفين من العمل العسكري، بينما يصف تقرير صادر عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ما يقوم به الحوثيون بأنه “تعطيل متصاعد” يرقى إلى “حرمان انتقائي”، دون أن يصل إلى مستوى السيطرة الكاملة.

ويقول سلفاتوري ميركوغليانو، الأستاذ المساعد في الأكاديمية الأميركية للبحرية التجارية في حديث مع “الحرة” إن المشكلة الحقيقية ليست فقط قدرة الحوثيين على الهجوم، بل كيف ستتفاعل شركات الشحن والتأمين” مع أي هجوم.

وتظهر الأرقام مخاوفه بوضوح. فبعد أيام من الحرب على إيران، ومع اتساع الهجمات إلى دول الخليج، تحدثت رويترز عن قفزات بأكثر من 1000% في بعض تغطيات التأمين في المنطقة.

السفينة MV Magic Seas التي ترفع علم ليبيريا وتُدار من اليونان، بعد تفجيرها من قبل الحوثيين (8 يوليو 2025)

ما هي أدوات الحوثيين؟

تطورت أدوات الحوثيين كثيرا منذ بداية الحرب اليمنية في 2015. 

بدا الخطر مبكرا في 2016، مع الهجوم الصاروخي قرب باب المندب الذي دفع المدمرة الأميركية “يو إس إس ميسون” إلى إطلاق صواريخ دفاعية، وصفها القائد البحري المتقاعد برايان كلارك آنذاك بأنه “حدث ضخم جدا”. 

ومنذ ذلك الحين، تشير تقارير عدة، بينها دراسات صادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إلى أن الحوثيين طوّروا ترسانة “هجينة” تشمل صواريخ باليستية ومجنحة مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة انتحارية، وزوارق “غير مأهولة متفجرة”، مع اعتماد واضح على نماذج إيرانية أُعيد تكييفها محليا. وما نراه اليوم في هرمز لا يختلف كثيرا عمّا قد نراه في باب المندب. 

صاروخيا، تكمن القوة الحوثية في القدرة على التهديد من الساحل وعلى مسافات متفاوتة، لا في دقة إصابة مضمونة، في ظل تحديات الاستهداف والمتابعة في بيئة بحرية مفتوحة. أما المسيّرات، فقد منحتهم أداة أرخص وأكثر مرونة، تُستخدم إما للاستطلاع وتحديد الأهداف أو للهجوم المباشر، بما يربك الدفاعات ويضغط على أنظمة الحماية البحرية.

وتبقى الزوارق غير المأهولة أو المتفجرة عنصرا مقلقا، نظرا لانخفاض كلفتها مقارنة بما تفرضه من استجابة دفاعية باهظة.

حتى الألغام البحرية رغم عدم ظهور حملة واسعة النطاق لنشرها حتى الآن تظل سلاحا مرجحا في حال التصعيد، لأن أثرها النفسي والتشغيلي يفوق أحيانا عددها الفعلي، في ظل صعوبة اكتشافها وإزالتها، وهو ما حذّرت منه تقارير وخبراء دوليون بشأن مخاطرها على الشحن التجاري وخطوط الملاحة.

ناقلة النفط كوردليا مون تشتعل بعد إصابتها بصاروخ في البحر الأحمر قبالة ميناء الحديدة في اليمن، وفق مقطع نشرته وسائل إعلام الحوثيين في 1 أكتوبر 2024

ماذا لو أُغلق مضيق باب المندب؟

لم تأتِ الإجابة من البحر الأحمر، بل من ميناء طنجة المغربي، أكبر موانئ الحاويات في أفريقيا. 

هناك، قال المدير العام للميناء إنهم “يتوقعون زيادة محتملة في عدد السفن التي ترسو فيه”، في إشارة مبكرة إلى تحوّل مسارات التجارة العالمية قبل أن تُغلق أي مياه فعليا.

ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واتساع المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدأت شركات الشحن تتصرف وفق أسوأ السيناريوهات، لا أفضلها، فأعادت رسم الخريطة البحرية.

شركات النقل البحري مثل ميرسك وCMA CGM أعلنت بعد أيام من الحرب تحويل مسار السفن إلى رأس الرجاء الصالح بدلا عن باب المندب.

مسار أطول، لكنه في نظر الشركات أقل مخاطرة.

أهمية المضيق

يمثل مضيق باب المندب، الممر المائي الضيق الذي لا يتجاوز عرضه 29 كيلومترا، شريانا حيويا ونقطة التقاء بحرية تربط بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، تمر عبره 12% من التجارة العالمية. ويمكن لأي حادث فيه أن يؤثر على الأسواق العالمية، ويعطل سلاسل التوريد في القطاعات الرئيسية، ويرفع تكاليف الخدمات اللوجستية ويجعل الشركات تلجأ لطرق بديلة عبر رأس الرجاء الصالح. 

هذا التحويل يضيف عادة بين 10 و14 يوما إلى الرحلة، فيما فرضت شركات الشحن رسوما إضافية نتيجة في الأيام الأولى للحرب، تراوحت بين 1,500 و3,300 دولار للحاوية، وبلغت أحيانا 4,000 دولار لبعض الحاويات.

كما أن بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) تُظهر كيف يتفاعل سوق الطاقة سريعا مع المخاطر في باب المندب. فقد ارتفعت تدفقات النفط عبر المضيق من نحو 6.2 مليون برميل يوميا في 2018 إلى قرابة 8.7 مليون برميل يوميا في 2023، قبل أن تهبط إلى حوالي 4 ملايين برميل يوميا في 2024، مع تصاعد الهجمات وتحويل مسارات الشحن بعد اندلاع الحرب في غزة.

“أي هجوم .. قد يكون موجّها فعليا ضد السعودية، باعتبارها المصدر الرئيسي عبر ميناء ينبع،”  يقول ميركوغليانو. 

و”إذا ما أقدم الحوثيون على اتخاذ خطوة في هذا الاتجاه  فإن ذلك قد لا يقتصر أثره على جلب ضربات أميركية وإسرائيلية على اليمن فحسب، بل قد يدفع السعودية أيضا إلى الرد،” تضيف الإرياني.

عزت وجدي

عزت وجدي صحفي ومنتج أفلام وثائقية يمني يقيم في العاصمة الأميركية واشنطن، يحمل درجة الماجستير في الدراسات الإعلامية

 


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading