لم ينتظر داعش طويلا.
أسبوعا واحدا فقط بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران، خصص افتتاحية مجلته “النبأ” لهذا الحدث.
كتبت المجلة تحت صورة خامنئي ونتانياهو عنوانا عريضا: “دولة فارس ودولة اليهود“.
لم يخف التنظيم طموحه: “يجب استغلال الفوضى الناجمة عن الحرب“.
“داعش فاعل محوري وسط الفوضى“، يقول لوكاس ويبر، الخبير في تهديدات الإرهاب لدى مبادرة Tech Against Terrorism” التي تدعمها الأمم المتحدة.
ويبر يرى أن التنظيم، حتى بعد نهاية الحرب، سيستغل عداوته للطرفين ليقدم نفسه “كمدافع عن الإسلام السني” في وجه خصمين متحاربين.
ويضيف للحرة: “يصوّر تنظيم داعش دائما إسرائيل كجزء من حرب كبرى ضد الإسلام“. وفي المقابل، “يشيطن إيران باستمرار، ويصوّرها كجزء رئيسي من تحالف شيعي” يعادي السنة.
لكن، هل ينجح داعش في استثمار حرب الخصمين؟
على المستوى العميق، ربما لا. فالراديكالية السنية هي رد فعل، في بعض أوجهها، على مشروع التشيع الراديكالي الذي انطلق عام 1979، وفق ما يقول الصحافي البريطاني توم غروس. والنتيجة أن إضعاف إيران لا يضعف بيئة التشيع الراديكالي فقط، بل يضعف جذور التطرف السني أيضا.
الجذور العميقة للحالة الجهادية تضعف بضعف إيران، يقول إيال هولاتا، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق.
يرى هولاتا أن تراجع “القوتين المتطرفتين” في المنطقة – الإسلام السياسي الشيعي المدعوم من إيران، والإسلام السياسي السني المدفوع بالإخوان المسلمين – سيؤدي إلى “إضعاف جذور التطرف بشكل عام“.
والنتيجة هي أن “تصبح المنطقة أكثر أمانًا“، يقول هولاتا.
لكن، هل يحدث العكس، هل تتحالف إيران ووكلاؤها الجهاديون مع خصوم أيديولوجيين مثل القاعدة وطالبان؟
التنظيمات الجهادية الشيعية
يمكن تقسيم الحركات الجهادية إلى شيعية وسنية، تتلاقى أحيانا وتتصادم أحيانا أخرى.
على الجانب الشيعي، تلقى “محور المقاومة” ضربات موجعة خلال الفترة الماضية.
“تم تدميرهم بالكامل“، يقول مايك ماكوفسكي، الخبير في العلاقات الأميركية الإسرائيلية في العاصمة واشنطن.
حزب الله، أقوى وكلاء إيران في المنطقة، تعرض لضربة عسكرية قوية على يد إسرائيل. قتل أمينه العام حسن نصر الله، وكبار قادته العسكريين، وفقد المئات من جنوده، كما دمرت بنيته التحتية، وبدا ضعيفا أمام الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي.
“عندما بدأت إسرائيل حملتها ضد المنشآت النووية الإيرانية والصواريخ الباليستية، لم يفعل حزب الله شيئًا“، يضيف ماكوفسكي.
ضعف الحزب “منح الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني بدورهما القدرة على القول لحزب الله: انظر، لا يمكنك التورط في هذا، لأنك بذلك ستجلب الحرب إلينا، ونحن لا نريد ذلك”، يقول المحلل الأميركي.
لكنه مع ذلك، يعتقد أن الإيرانيين سيحاولون إعادة بناء وكلائهم من جديد.
“الإيرانيون شديدو الإصرار“، يقول.
مع ذلك، لن تكون مهمة أيران في مساعدة حلفائها مستقبلا سهلة، خاصة مع الخسائر العسكرية والمالية الضخمة التي تلقتها هي نفسها، ومع العقوبات الأميركية المتزايدة.
حزب الله نفسه سيحتاج إلى مرحلة للتعافي، وإعادة بناء مصادره المالية، وتجنيد أفراد جدد، وتنظيم المؤسسات من جديد.
واقع المليشيات في العراق لا يختلف كثيرا. ظلت هي الأخرى بعيدة عن الحرب الأخيرة.
“حتى الميليشيات الشيعية في العراق، ربما وقع حادث واحد، لكن في الواقع لم يفعلوا شيئًا يُذكر. فعندما جدّ الجد، لم تُقدم وكلاء إيران أي مساعدة تُذكر لها“.
رغم ذلك، يقول ماكوفسكي، إن عداء إيران وحلفائها لإسرائيل سيبقى ثابتا.
“لقد أنفقوا مليارات الدولارات في بناء هذه الجماعات. أعتقد أن الإيرانيين سيحاولون إعادة بناء برنامجهم النووي، وسيحاولون أيضًا إعادة بناء ترسانتهم من الصواريخ الباليستية، وقدراتهم الدفاعية، ووكلائهم في المنطقة“.
من بين جميع حلفاء إيران، كان موقف جماعة الحوثي فريدا. شاركت في استهداف إسرائيل بالتزامن مع المواجهة العسكرية بين طهران وإسرائيل.
وحتى بعد وقف إطلاق النار، واصل الحوثيون إطلاق الصواريخ تجاه إسرائيل. السبت الماضي أعلنوا أنهم أطلقوا “صاروخاً باليستياً” باتجاه تل أبيب.
إسرائيل بدورها توعدت الجماعة اليمنية برد قوي.
“سيكون مصير اليمن مثل مصير طهران … بعد أن ضربنا رأس الأفعى في طهران، سنستهدف الحوثيين في اليمن أيضا“، قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس.
حماس.. ماذا بعد الهزيمة؟
حماس تنظيم جهادي سني، لكن تدعمه إيران.
بدأت الحرب الإقليمية الواسعة بهجمات حماس في أكتوبر 2023. ومنذئذ، تعرضت الحركة لهزيمة عسكرية.
لكن الملفت أن أعضاء حماس استمروا في فرض الأمن في غزة بعد وقف إطلاق النار في يناير 2025، أي بعد أكثر من عام على بداية الحرب. وكان لافتا الطريقة الاستعراضية التي تمت بها عمليات تسليم الرهائن.
مصادر من داخل الكونغرس نفسه تقول إن حماس جندت ما بين 10 آلاف و15 ألفا منذ بداية حربها مع إسرائيل، أي مثل عدد مقاتليها الذين قتلوا.
تاريخيا، كانت إيران داعما رئيسيا لحماس، بالتسليح والتدريب والتمويل منذ أواخر الثمانينيات وحتى اليوم.
لكن الضربة العسكرية التي تعرضت لها طهران قد تحد من قدرتها على الاستمرار في دعم حماس وباقي الفصائل بنفس القوة.
مع ذلك، تصرّ حماس على مواصلة القتال، ويبدو أن مستقبل الحركة ومصير الحكم في غزة سيتوقفان على الكيفية التي ستنتهي بها الحرب وأي اتفاق سلام قد يتم التوصل إليه.
مؤخرا، تتحدث تقارير عن خطة تقضي بخروج قادة حماس إلى المنفى، وتولّي أربع دول عربية إدارة غزة – ما يشير إلى محاولة إزاحة الحركة عن الحكم.
نموذج الشرع
تلقت الحركات الجهادية السنية في السنوات الماضية ضربات موجعة.
من بين جميع الحركات يبدو ناج وحيد، لحد الآن على الأقل: أحمد الشرع.
الشرع، الذي انشق عن داعش ثم القاعدة، وقاد جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام، أصبح اليوم رئيسا انتقاليا لسوريا، بعد أن قاد تحالفاً أطاح بنظام بشار الأسد.
وتبدو خطواته يوماً بعد يوم أبعد عن ماضيه الجهادي.
في مايو الماضي، التقى بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وزار فرنسا والتقى برئيسها إيمانويل ماكرون.
قبل ذلك، حظي الشرع باحتضان إقليمي عربي. الرئيس الأميركي ترامب نفسه قال إنه التقى الشرع بناء على طلب من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
الدول الغربية أبدت بدورها تقاربا مع الشرع. ومؤخرا وقع الرئيس ترامب أمرًا تنفيذيًا برفع العقوبات المفروضة على سوريا.
وتشير تقارير صحافية إلى سيناريوهات أبعد من ذلك تشمل التطبيع مع إسرائيل.
التنظيمات الجهادية السنية
القاعدة وداعش وطالبان، على اختلافاتها، هي أبرز التنظيمات الجهادية السنية.
وفي المشرق العربي، داعش هي مثار القلق الأكبر.
تظهر سوريا، القريبة من إيران والتي تمتلك حدودا مع إسرائيل هدفا مثاليا داعش. مع ذلك، يعتقد جاكوب زين، من مركز الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون، أن التنظيم قد لا يكون قادرا على “قتال الحكومة السورية الجديدة“.
“أعتقد أن داعش لم يتبن حتى الآن سوى هجوم واحد ضد دمشق، وهو ليس مؤثرا بشكل كبير“، يقول.
لكن، تبقى السجون أحد أبرز مصادر القلق في سوريا.
لطالما سعى داعش إلى مهاجمة السجون التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية لتحرير مقاتليه، وهي استراتيجية استخدمها سابقاً بنجاح، خاصة في ظل الخلافات الآن بين دمشق وقسد.
“عدم اكتمال الاندماج الإداري في الشمال الشرقي يزيد من خطر أن يحاول تنظيم داعش مرة أخرى تحرير 9000 مقاتل مسجون وآلاف آخرين من أفراد أسرهم وأنصارهم المحتجزين في مرافق احتجاز قوات سوريا الديمقراطية، وبعضهم من الرعايا الأجانب“، يقول آرون زيلن في مقال له بمعهد واشنطن.
وفي العراق، يواصل داعش نشاطه في محافظات مثل ديالى وكركوك وصلاح الدين ونينوى، بينما تشير تقديرات إلى وجود أكثر من 3 آلاف مقاتل نشطين في سوريا، هو عدد كافٍ لإشعال تمرد جديد قد ينطلق نحو العراق.
وبينما ينشغل الشرق الأوسط بإعادة تشكيل ملامحه، تنمو “الخريطة الجهادية” في مكان آخر.
“أفريقيا حلّت محل الشرق الأوسط كمركز رئيسي للجهادية“، يقول لورينزو فيندينو، مدير مركز دراسات التطرف في جامعة جورج واشنطن في الولايات المتحدة، للحرة.
ويضيف: “أصبح مركز الجهادية يتمركز بشكل كبير في أفريقيا، سواء في منطقة الساحل أو أفريقيا جنوب الصحراء، مع عدة بؤر ساخنة تمتد من موزمبيق إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وصولاً إلى الصومال“.
في مارس الماضي، قال مؤشر الإرهاب العالمي، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، إن6 دول إفريقية، ضمن قائمة البلدان الـ10 الأكثر تأثرا بالإرهاب على الصعيد العالمي.
وتنشط في إفريقيا جماعات مسلحة قوية، مثل داعش وجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” و“حركة الشباب” في الصومال.
أما الدول التي أدرجها تصنيف مؤشر الإرهاب العالمي، فهي بوركينا فاسو ومالي والنيجر ونيجيريا والصومال والكاميرون.
وسجلت أكثر من نصف إجمالي الوفيات عالميا بسبب عمليات إرهابية.
بوركينا فاسو هي الدول الأكثر بالإرهاب في العالم، خلال عام 2024، حيث سجلت أكثر من 1500 حالة وفاة.
رغم صعوبة المهمة، خاصة بعد مغادرة قوات عدد من الدول الغربية، تواصل هذه الدول القتال ضد الجماعات الإرهابية، محققة عددا من النجاحات.
في أبريل الماضي، قال الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لغرب أفريقيا ومنطقة الساحل، ليوناردو سانتوس، إن مالي مثلا سرحت 3000 مقاتل سابق، نجحت في ضم 2000 منهم إلى قواتها المسلحة.
لكنه قال أيضا إن “الإرهاب مازال يهدد غرب أفريقيا والساحل رغم النجاحات الأمنية“.
تحالف جهادي؟
تحاول داعش أن تستغل حرب إسرائيل وإيران لتقديم نفسها كجهة معبرة عن مصالح السنة.
لكن هل هذا هو “الاستثمار الجهادي” الوحيد الممكن للحرب؟
هل يمكن أن تدفع الضربات الأميركية والإسرائيلية إيران إلى التقارب حتى مع خصوم أيديولوجيين مثل القاعدة وطالبان فيما يشبه تحالفا “جهاديا” شيعيا سنيا؟
تاريخيا، تجاوزت إيران كثيرا خصوماتها. وربطتها علاقات، وإن متشنجة أحيانا، مع طالبان وحتى القاعدة.
عقب سيطرة طالبان على أفغانستان مجددًا، عام 2021، اعترفت إيران بسلطة الأمر الواقع لكنها لم تعترف رسميًا بحكومة طالبان.
لكن الأمر اختلف مع بداية هذا العام.
زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الأفغانية كابل، وأعلن أن “فصلا جديدا” في العلاقات مع طالبان قد فُتح.
تنظيم القاعدة، حليف طالبان الأول، ما تزال طهران إلى اليوم تأوي عددا من قادته. على رأسهم سيف العدل الزعيم المفترض للتنظيم.
وحتى قبل سنوات قليلة فقط، قتل عملاء سريون –قالت الصحف إنهم إسرائيليون– الرجل الثاني في التنظيم أبو محمد المصري في قلب العاصمة الإيرانية طهران.
في الواقع، طوال عشرين عاما الماضية أوت طهران – وإن فيما يشبه الإقامة الجبرية أحيانا– عددا من كبار قادة القاعدة، مثل سيف العدل وسليمان أبو غيث وأبو يحيى الليبي وحتى أبو مصعب الزرقاوي زعيم القاعدة في العراق سابقا وناصر الوحيشي زعيمها في اليمن سابقا.
وطوال السنوات الماضية، كانت طهران تتهم دائما بالسماح للقاعدة بالنشاط في أراضيها.
وحتى العام الماضي، قالت الأمم المتحدة إن أعضاء من أصل عربي وصلوا إلى مدينة كنر ونورستان في أفغانستان للتدريب، وتيسير التواصل بين سيف العدل الموجود في إيران و“شخصيات أساسية” في القاعدة وحركة طالبان. وهو ما يؤكد استمرار نشاط القاعدة في إيران، تحت أعين طهران، وقد يفتح احتمالات تعزيز العلاقات بينهما في ظل الوضع الحالي.
لكن خطر القاعدة في المنطقة ليس الوحيد.
تنظيم داعش نفسه ما يزال قويا في أفغانستان. العام الماضي، قدرت الأمم المتحدة أن عدد أفراد التنظيم هناك يتراوح بين 4000 و6000 عضو، بينهم ألفان إلى 3500 من داعش خراسان، العمود الفقري للتنظيم هناك.
وبالنسبة لداعش، فالتناقض مع إيران تناقض رئيسي لا يعلوه صراع.



