مع إسدال الستار على الخطة الخمسية العاشرة في نهاية عام 2025، بدت سلطنة عُمان وكأنها تطوي مرحلة انتقالية أكثر من كونها تنهي دورة تخطيطية اعتيادية. فالخطة، التي انطلقت عام 2021 كأول أداة تنفيذية لرؤية عُمان 2040، صُممت لترجمة الأهداف الاستراتيجية إلى مشاريع قابلة للقياس، في سياق إقليمي يشهد تحولات اقتصادية متسارعة وضغوطا مالية متباينة.
بدأت الخطة بموازنة قدرها 6.4 مليارات ريال عُماني (نحو 16.64 مليار دولار)، قبل أن ترتفع تدريجيا إلى نحو 9.7 مليارات ريال (نحو 25.22 مليار دولار)، بزيادة تتجاوز 51 في المئة، وفق بيانات رسمية. وتقول الحكومة إن هذا التوسع عكس قدرة على إعادة توجيه الموارد استجابة للمتغيرات الاقتصادية، من دون تعديل الاتجاه العام للرؤية.
وخلال خمس سنوات، نُفذ 388 مشروعا من أصل 416 مشروعا مدرجا، توزعت بين محاور الإنسان والمجتمع، وتنمية الاقتصاد، والحوكمة، والاستدامة البيئية. كما تراجع الدين العام إلى نحو 34 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب الأرقام الرسمية، بينما أشار التقرير الدوري الرابع لرؤية 2040 إلى تحقيق نحو 74 في المئة من المستهدفات المرحلية.
في الوقت ذاته، بلغ حجم الاستثمار التراكمي في المناطق الاقتصادية والحرة والصناعية نحو 20.9 مليار ريال (نحو 54.34 مليار دولار)، مع توسع مشاريع الهيدروجين الأخضر إلى ثمانية مشاريع، وإنشاء مركز عُمان المالي العالمي بإطار تشريعي مستقل، إضافة إلى تفعيل محكمة الاستثمار والتجارة وبرامج دعم الشركات الناشئة والمتوسطة.
ومؤخرا، سجلت بورصة مسقط أفضل أداء أسبوعي لها منذ عام 2014، مدفوعة بتوقعات ترقية السوق إلى فئة “الأسواق الناشئة” على مؤشر MSCI. ويتوقع محللون أن تجلب الترقية تدفقات فورية بنحو 350 مليون دولار، إضافة إلى تدفقات تدريجية قد تصل إلى 970 مليون دولار، في حال إتمامها، وهو ما يُنظر إليه كمؤشر على تحسن ثقة المستثمرين.
“عُمان أحرزت تقدمًا ملحوظًا في تنويع اقتصادها وتحسين وضعها المالي خلال العامين الماضيين” يقول الباحث في مركز أبحاث سياسة الطاقة العالمي روبن ميلز لـ”الحرة”.
مقارنة خليجية
يأتي المسار العُماني في وقت أعادت فيه دول خليجية أخرى تقييم بعض مشاريعها الكبرى. ففي السعودية، جرى تقليص نطاق مشروع البحر الأحمر السياحي ضمن مراجعة أولويات الإنفاق، وتوقف العمل في مشروع “المكعب”، كما انسحبت “نيوم” من استضافة دورة الألعاب الشتوية الآسيوية 2029 بسبب تأخر مشروع “تروجينا”. وتقول الرياض إن هذه الخطوات تعكس مراجعة فنية ومالية لضبط وتيرة التنفيذ.
وفي تقييمه للقدرة المالية لدول الخليج في حال استقرار أسعار النفط عند نحو 60 دولارا للبرميل. يقول إيكارت فورتس، مدير معهد “جيغا” لدراسات الشرق الأوسط في هامبورغ، إن “قطر والإمارات والكويت يمكنها تحقيق التوازن المالي عند هذا المستوى، ولكن بالكاد”. ويضيف أن “السعودية وعُمان، وبالأخص البحرين، ستحتاج إلى الاقتراض أو إعادة توطين أصول خارجية لتمويل إنفاقها”.
الباحثة المقيمة في معهد دول الخليج كريستين سميث ديوان ترى أن “أسعار النفط المنخفضة تؤثر في كامل المنظومة الاقتصادية لدول الخليج، وتشير لـ”الحرة” إلى أن الاقتصادات الأكثر تنوعًا، ولا سيما الإمارات، أكثر قدرة على الصمود في مواجهة هذه التراجعات، “لكن استمرار انخفاض الأسعار سيترك أثره حتمًا”.
في هذا السياق، يبرز سؤال: هل يفسر النهج العُماني القائم على التدرج ومراقبة المؤشرات ثبات مسار التنفيذ، مقارنة بتجارب إقليمية عدّلت خططها أكثر من مرة؟
يقول الدكتور أحمد كشوب، رئيس ومؤسس مكتب “المؤشر” للاستشارات الاقتصادية والمالية، إن ما يميز التجربة العُمانية هو “وضوح المسار منذ البداية”، مشيرا إلى أن الرؤية لم تبق إطارا نظريا، بل تُرجمت إلى خطط خمسية متتابعة، كان أحدثها إطلاق الخطة الحادية عشرة (2026–2030). ويرى أن منظومة المتابعة التي تعتمد مؤشرات أداء وطنية وتقارير دورية “خلقت حالة من الانضباط المؤسسي بحيث تصبح الأرقام هي المرجع في التقييم لا الانطباعات”.
ويضيف أن الاستقرار السياسي والإداري أتاح تنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية على مدى زمني ممتد، من دون اضطرابات اجتماعية أو مالية حادة.
ووفقا لصندوق النقد الدولي، تراجع الدين العام إلى ما بين 35 و36 في المئة خلال 2024–2025، بعد أن تجاوز 60 في المئة في عام 2020، فيما سجلت الأنشطة غير النفطية نموا يقارب 3.5 في المئة خلال 2025. كما رفعت وكالتا S&P Global Ratings وFitch Ratings النظرة المستقبلية للسلطنة إلى مستقرة أو إيجابية خلال 2024–2025، في إشارة إلى تحسن الجدارة الائتمانية، وفق بيانات رسمية عمانية.
ويرى كشوب أن التدرج “لم يكن تباطؤا في الإصلاح، بل أسلوبا لإدارة المخاطر وبناء الثقة خطوة بعد أخرى”.
التعافي بعد الصدمة
عندما تولى السلطان هيثم بن طارق الحكم في يناير 2020، كانت البلاد على أعتاب أزمة مزدوجة: جائحة كورونا وتراجع أسعار النفط. انكمش الاقتصاد وارتفعت الضغوط المالية، ما دفع الحكومة إلى تبني إجراءات لضبط الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات.
في هذا السياق، جاءت رؤية 2040 لتشكل الإطار الاستراتيجي للتعافي متوسط وطويل الأجل. ويقول الإعلامي والاقتصادي يوسف الهوتي إن الرؤية يمكن قراءتها “بوصفها مشروع إعادة تشكيل شاملة للدولة والمجتمع، وليس مجرد خطة لتنويع مصادر الدخل”.
ويوضح أن مرتكزاتها الأربع تبدأ بالاستثمار في الإنسان: التعليم، المهارات، ريادة الأعمال، وتمكين الشباب والمرأة، وتمتد إلى بناء اقتصاد متنوع، وترسيخ حوكمة مؤسسية حديثة، وتحقيق تنمية مستدامة متوازنة جغرافياً وبيئياً.
ويرى الهوتي أن هذا التحول يمثل انتقالا تدريجيا من نموذج الدولة الريعية إلى “الدولة الممكنة” التي تهيئ البيئة التنظيمية لقيادة القطاع الخاص والمجتمع للنمو.
مؤشرات التقدم والتحديات
مع ذلك، لا تزال مؤشرات الاعتماد على الطاقة حاضرة. يقول كشوب إن النفط والغاز يسهمان بنحو 30 إلى 35 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تمثل إيراداتهما نحو 65 إلى 70 في المئة من إجمالي الإيرادات الحكومية، أي قرابة 67 في المئة خلال 2024–2025، وفق بيانات وزارة المالية. ويعتبر أن هذا يعكس تقدما نسبيا، لكنه يشير أيضا إلى أن مسار تقليص الاعتماد لم يكتمل.
وفي مقارنة هيكلية لاقتصادات الخليج، يقول فورتس إن “الإمارات تمتلك الاقتصاد الأكثر تنوعاً في المنطقة، بينما تُعرف الكويت بتأخرها الملحوظ، إذ لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط وحدها”.
ويضيف أنه في الأفق الأطول، “قد تبدو الإمارات اليوم في موقع متقدم، لكن نموذج نموها، شأنه شأن بقية دول مجلس التعاون، كثيف الاستخدام للطاقة”. ويرى أن “عُمان قد تمتلك إمكانات معتبرة لبناء اقتصاد أكثر تنوعا خلال العشرين عاماً المقبلة”.
ومن بين التحديات التي يعددها كشوب: حساسية الإيرادات لتقلب أسعار الطاقة، وتسريع نمو القطاع الخاص، ومواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل، ورفع كفاءة الشركات المملوكة للدولة. لكنه يؤكد أن المقاربة العُمانية تقوم على “تثبيت الاتجاه الاستراتيجي مع مرونة أدوات التنفيذ”، أي تعديل السياسات وفق المؤشرات من دون تغيير الأهداف الكبرى.
في السنوات المقبلة، تتطلع السلطنة إلى تعزيز الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة، التي تستهدف نحو 30 في المئة من مزيج الكهرباء بحلول 2030، إضافة إلى السياحة والاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية.
وبينما تواصل دول المنطقة اختبار نماذج تنموية مختلفة، قد تمثل التجربة العُمانية نموذجا لما يسميه بعض الاقتصاديين “التحول الهادئ”، أي الانتقال التدريجي القائم على الضبط المالي والقياس المؤسسي، بعيدا عن الصدمات أو التحولات المفاجئة.
سكينة المشيخص
كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية

رينغو هاريسون
Ringo Harrison is a content coordinator based in Washington DC. He is a recent graduate from Lund University in Asian Studies. He previously worked at American Purpose.



