انتخب البرلمان العراقي نزار آميدي رئيسا لجمهورية العراق في 11 أبريل، لينهي بذلك الخطوة الأكثر تعقيدا في مارثون تشكيل الحكومة الجديدة، ولتبدأ مرحلة أخرى لا تقل تعقيدا لاختيار رئيس وزراء جديد لولاية تستمر أربع سنوات.
تمثل عملية انتخاب رئيس الجمهورية في العراق المرحلة الأصعب لأنها تحتاج حضور ثلثي أعضاء البرلمان البالغ عددهم 329 نائبا، وهي خطوة صعبة جدا في حال لم يتوفر توافق بين القوى السياسية الممثلة داخل البرلمان.
ووفق الدستور العراقي، يتوجب على رئيس الجمهوية الجديد الطلب من الكتلة البرلمانية الأكبر (الإطار التنسيقي الشيعي) ترشيح شخصية لرئاسة الوزراء خلال فترة لا تتجاوز 15 يوما من تاريخ انتخاب الرئيس.
يقول عضو في الإطار التنسيقي لـ”الحرة” إن حظوظ المرشح الحالي، رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، شبه معدومة بعد فيتو الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتراجع الدعم للمالكي داخل الإطار التنسيقي.
“أكثر من ثلثي أعضاء الإطار يتحفظون على ترشيح المالكي، ولا توجد لديه أية حظوظ للاستمرار في الترشح،” يضيف العضو الذي يتحدث عن تزايد حظوظ رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني لشغل ولاية ثانية، رغم تحفظ أطراف في الإطار التنسيقي بشأنه، وبينهم المالكي نفسه.
ويشير العضو، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إلى أن الاجتماعات داخل الإطار التنسيقي ستستمر حتى انتهاء المهلة الدستورية من أجل الوصول لتوافق داخل الإطار لاختيار مرشح جديد.
وتعقدت جهود ترشيح المالكي لولاية ثالثة بعد أن حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في فبراير من أن واشنطن لن تقدم أي مساعدة للعراق إذا عاد المالكي إلى السلطة. كما أرسلت واشنطن رسائل عدة لمسؤولين وقادة سياسيين عراقيين هددت فيها بفرض عقوبات على بغداد في حال المضي قدما بترشيح المالكي.
وتسببت أزمة ترشيح المالكي في انسداد سياسي في العراق مع تأخر عقد جلسة البرلمان المقررة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية والتي كانت مقررة نهاية يناير، على اعتبار أن العادة جرت في العراق أن تتم عملية انتخاب الرئيس الجديد وترشيح مرشح الكتلة الأكبر لرئاسة الوزراء في صفقة واحدة.
لم تخلُ عملية انتخاب آميدي كرئيس جديد للبلاد من الخلافات.
آميدي هو مرشح الاتحاد الوطني الكوردستاني الذي يستحوذ على منصب رئيس الجمهورية منذ عام 2005، ويتزعمه بافل طالباني، نجل الرئيس العراقي الأسبق والزعيم الكوردي جلال طالباني.
ويعد منصب رئيس الجمهورية أحد أسباب الخلاف بين الاتحاد الوطني وغريمه التقليدي الحزب الديموقراطي الكوردستاني بزعامة مسعود بارزاني، الذي يُقدم مرشحه في كل مرة، لكنه يفشل في الحصول على الأصوات اللازمة في البرلمان.
مباشرة بعد انتخاب آميدي، أصدر الحزب الديمقراطي الكوردستاني بيانا قال فيه: “لن نتعامل مع الشخص الذي تم اختياره رئيسا للجمهورية”.
يقول القيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني شوان محمد طه لـ”الحرة”: “مشكلتنا ليست مع شخص آميدي. مشكلتنا مع طريقة تعامل الاتحاد الوطني الكوردستاني التي شقت البيت الكوردي”.
يضيف طه: “أردنا أن نتفق في أربيل ونذهب موحدين إلى بغداد، لكن الاتحاد الوطني لم يرغب بذلك. كان بإمكانه الحصول على المنصب من خلال موافقة جميع الكورد، لكنه لايريد (الاتحاد) البيت الكوردي موحداً”.
لكن ريزان الشيخ دلير، النائبة السابقة عن الاتحاد الوطني الكوردستاني تقول لـ”الحرة”: “الخلافات في الإقليم هي التي أثرت على المشهد الكوردي في بغداد، وليس العكس”.
“الحزب الديموقراطي الكوردستاني تفاخر بأعداد مقاعده مقارنة بالاتحاد الوطني وأراد الاستحواذ على كل شيء، ويتصرفون كملوك الإقليم ولا يحترمون أي حزب آخر، لذلك بحث الاتحاد عن حلفاء في بغداد،” تقول دلير.
جاء انتخاب آميدي في سياق تعقيد غير مسبوق داخل البيت الكوردي، حيث لم يعد هناك زعيم مهيمن أو مرجعية واحدة، بل أحزاب متقاربة في الوزن. الحزب الديمقراطي الكوردستاني يمتلك نحو 30 مقعدا في البرلمان الاتحادي، مقابل 17 إلى 18 مقعدا للاتحاد، إلا أن الأخير نجح في تعويض هذا الفارق عبر بناء تحالفات فعالة داخل بغداد، بعضها مع قِوى موالية لإيران.
الاتحاد أيضا الذي تُعتبر مدينة السُليمانية في إقليم كوردستان العراق معقله الأساسي، يُتهم بأنه ذراع إيران في الإقليم. وترتبط السُليمانية بحدود برية مع إيران.
وقد تأجلت جلسات انتخاب الرئيس مرتين بسبب الخلافات الكوردية – الكوردية بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكردستاني، إضافة إلى الخلافات داخل البيت الشيعي بشأن مرشح رئاسة الوزراء.
عُقدت جلسة انتخاب آميدي بحضور 252 نائبا من أصل 329، وشهدت تنافسا رئيسيا بينه وبين فؤاد حسين مرشح الحزب الديمقراطي الكوردستاني، والمرشح مثنى أمين عن الاتحاد الإسلامي الكوردستاني.
في الجولة الأولى، حصل آميدي على 208 أصوات، دون بلوغ نصاب الثلثين، ليتجه البرلمان إلى جولة ثانية فاز فيها بـ227 صوتا من أصل 249، محققا أغلبية ساحقة. وأدى بعدها اليمين الدستورية ليبدأ ولايته رسميا.
حظي آميدي بدعم واسع من مختلف القِوى السياسية، باستثناء نواب الحزب الديمقراطي الكوردستاني وائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي الذين قاطعوا الجلسة.
ويعود سبب عدم دخول ائتلاف دولة القانون إلى جلسة مجلس النواب والامتناع عن التصويت لصالح آميدي، إلى اتفاق بين بارزاني والمالكي للتصويت إلى مرشح الحزب الديمقراطي الكوردستاني فؤاد حسين.
وسيكون التحدي الأكبر أمام الرئيس الجديد، تكليف مرشح الكتلة الأكبر خلال 15 يوماً. وينتظر آميدي تبلور موقف قوى الإطار التنسيقي، التي تضم 12 طرفاً رئيسياً.
من هو آميدي؟
ولد نزار آميدي في 6 شباط 1968 في قضاء العمادية في محافظة دهوك. سُميّ “آميدي” نسبة إلى قضاء العمّادية. تُعرف المحافظة بأنها إحدى معاقل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، إلا أن مسيرته السياسية اتخذت منحى مختلفاً بانضمامه المبكر إلى الاتحاد الوطني الكردستاني.
تلقى تعليمه في إقليم كوردستان قبل أن ينتقل إلى الموصل، حيث حصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة الموصل عام 1993. بعد تخرجه، عمل مدرساً لمادة الفيزياء بين عامي 1993 و1994، في مرحلة كانت تشهد تحولات كبيرة في إقليم كوردستان بعد انتفاضة عام 1991 ضد نظام صدام حسين في جنوب العراق.
بدأ آميدي نشاطه السياسي في أوائل التسعينيات داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، حيث عمل في مكتب الأمين العام جلال طالباني بين عامي 1993 و2003.
لاحقاً، شغل مناصب تنظيمية متقدمة، بينها عضوية المكتب السياسي منذ عام 2023، وتولى إدارة مكتب الحزب في بغداد، ليصبح حلقة وصل رئيسية بين السليمانية والقوى السياسية في العاصمة.
خبرة القصر الجمهوري: عقدان في قلب القرار
أمضى آميدي نحو 20 عاماً داخل ديوان رئاسة الجمهورية في مواقع استشارية متقدمة، شملت العمل إلى جانب أربعة رؤساء.
بدأ مسيرته في القصر الجمهوري مع جلال طالباني بين 2003 و2005، ثم تولى إدارة مكتب الرئيس خلال فترة رئاسته 2005–2014، واستمر لاحقاً كمستشار أول مع الرئيسين الأسبقين فؤاد معصوم وبرهم صالح، وصولاً إلى بداية عهد سلفه عبد اللطيف رشيد.
وبحسب موظف رفيع في رئاسة الجمهورية تحدث لـ”الحرة”، يدخل آميدي القصر هذه المرة بعقلية مختلفة، تقوم على تفعيل دور الرئاسة. ويقول الموظف وهو أحد أعضاء فريقه الأساسي: “يعتزم الرئيس العراقي الجديد، تشكيل فرق متخصصة لمتابعة ملفات الحكومة والتشريعات، لتجنب التوترات التي طبعت العلاقة بين الرئاسة والحكومة في المرحلة السابقة”.
تقول آلا طالباني وهي نائبة في البرلمان العراقي بين عامي 2006 – 2021 ومن عائلة الرئيس الأسبق جلال طالباني: “آميدي عاشر طالباني لسنوات كثيرة. هو تلميذ مخلص لمدرسة طالباني، ويعرف الكثير من الخفايا والكواليس والأحداث المهمة”.
لكنها تضيف لـ”الحرة”: “وصوله إلى قصر السلام، سيعمق الفجوة بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم” في إشارة إلى الاتحاد الوطني والدميقراطي الكوردستانيين.
في يناير 2022، تولى آميدي منصب وزير البيئة في حكومة السوداني، قبل أن يستقيل من منصبه في أكتوبر 2024 للتفرغ للعمل السياسي في بغداد، في خطوة مهدت لترشيحه للرئاسة.
سيُركز آميدي أيضاً وفقاً لعضو فريقه الذي تحدث لـ”الحرة” على ملفي الطاقة والبيئة. يقول أيضاً: “مهتم بإيقاف احتراق الغاز العراقي دون فائدة”.
ويُعتبر العراق من أكثر الدولي حرقاً للغاز الطبيعي وفقاً لتقديرات البنك الدولي.
يتمتع رئيس جمهورية العراق بمكانة اعتبارية وسيادية “كبرى” وفقاً لدستور عام 2005. تتلخص مهامه السيادية في تمثيل الدولة في المحافل الدولية، واعتماد السفراء، بالإضافة إلى دوره الجوهري في استكمال البناء المؤسسي للسلطة التنفيذية عبر تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال التوقيتات الدستورية المحددة.
من الناحية القانونية والإجرائية، فيتولى الرئيس المصادقة على القوانين التي يسنها البرلمان وإصدار المراسيم الجمهورية المنظمة لشؤون الدولة، كما يمارس صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة للأغراض التشريفية والقيادية العليا. ويمتلك أيضاً سلطة منح الأوسمة والأنواط والمصادقة على أحكام الإعدام الصادرة عن المحاكم المختصة، فضلاً عن حقه في إصدار العفو الخاص بناءً على توصية من رئيس مجلس الوزراء.



