“الحرة” تكشف خيوط شبكة عراقية واسعة موّلت طهران خلال الحرب
أموال نقدية عبر الحدود، وعقود حكومية بواجهات محلية، ومصادر عراقية تتحدث عن سياسيين ورجال أعمال شيعة وسنة.

تُظهر لقطة جوية بطائرة مسيّرة معبر الشلامجة الحدودي بين العراق وإيران، في البصرة، العراق، في 24 مارس 2026. رويترز/عصام السوداني.

تقول مصادر عراقية سياسية واقتصادية لـ”الحرة” إن سياسيين ورجال أعمال عراقيين قدموا أموالا نقدية لإيران خلال الحرب الأخيرة. ولم يقتصر الدعم على تبرعات نقدية، بل امتد إلى عقود حكومية كبيرة حصلت عليها واجهات عراقية تقول المصادر إنها عملت لمصلحة شركات إيرانية أو شبكات مرتبطة بها.

وتكشف المعلومات، التي حصلت عليها “الحرة” من مصادر رسمية وغير رسمية، عن مسارين متوازيين للدعم: أموال نقدية عابرة للحدود، وعقود حكومية بمليارات الدولارات تقول المصادر إن واجهات عراقية حصلت عليها لمصلحة شركات إيرانية أو شبكات مرتبطة بها.

ولطالما وُصف العراق، في الأوساط السياسية والاقتصادية، بأنه منفذ حيوي لإيران في مواجهة العقوبات. لكن ما تقوله المصادر عن الأشهر الأخيرة يشير إلى مستوى أكثر مباشرة من الإسناد، عبر تحويلات نقدية بالدولار، وعقود في قطاعات الكهرباء والبناء والمصارف، استخدمت فيها، بحسب هذه المصادر، أسماء عراقية لتغطية المستفيدين الحقيقيين.

وقال مصدر عراقي غير رسمي، على صلة بدوائر داخل الإطار التنسيقي الحاكم والمقرب من إيران، إن رجل أعمال عراقياً تبرع بنحو 200 مليون دولار خلال حرب الاثني عشر يوماً. وأضاف المصدر أن الرجل أصبح لاحقاً مسؤولاً في الدولة العراقية.

وبحسب المصدر نفسه، يمتلك هذا الرجل عقوداً كبيرة مع الدولة العراقية، وحصل في السنوات الماضية على مشاريع ضخمة بمساندة قوى عراقية موالية لإيران أو قريبة منها.

وتقول المصادر إن جزءاً من الأموال نُقل نقداً عبر الحدود البرية، في مناطق تتمتع فيها فصائل مسلحة بنفوذ واسع، بينما نُقلت مبالغ أخرى، بحسب هذه الرواية، عبر قيادات في الحرس الثوري الإيراني.

ولم تتمكن “الحرة” من التحقق بشكل مستقل من مسار الأموال أو حجمها الكامل. كما تتحفظ “الحرة” عن نشر أسماء بعض الشخصيات التي وردت في المعلومات، لأسباب قانونية وتحريرية، في غياب ردود مباشرة منها على الاتهامات.

وتشير مواصفات المتبرعين، التي اطلعت “الحرة” على أجزاء منها، إلى أن شبكة الدعم لم تقتصر على شخصيات شيعية مقربة من إيران. وبحسب مسؤول عراقي مطلع على الملف، تضم القائمة أيضاً رجال أعمال وشخصيات سياسية سنية، من بينهم شخصية تجارية بارزة تمتلك أحد أشهر الفنادق في بغداد، ورجل أعمال يستحوذ على عقود حكومية بمئات الملايين من الدولارات.

وقال مصدر داخل الإطار التنسيقي إن التبرعات لم تكن منظمة عبر قناة واحدة، بل جرت بصورة فردية، ومن دون أن يعلم بعض المتبرعين ببعضهم. وأضاف أن دولة غربية أبلغت قيادياً شيعياً عراقياً بقائمة أسماء متبرعين، نقلها سفير أوروبي إلى ذلك القيادي.

وبحسب المعلومات، شملت التبرعات أيضاً جهات وشخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة موالية لإيران، بينها “كتائب الإمام علي” بزعامة شبل الزيدي، و”حركة النجباء” بزعامة أكرم الكعبي.

وترى مصادر سياسية عراقية أن دخول شخصيات سنية على خط التمويل لم يكن بدافع أيديولوجي بالضرورة، بل جاء، في بعض الحالات، سعياً إلى بناء نفوذ داخل دوائر القرار الشيعي الحاكم في بغداد، عبر طهران أو القوى العراقية القريبة منها.

عقود الكهرباء

وتقول مصادر سياسية واقتصادية إن الدعم لم يقتصر على الأموال النقدية. فقبيل الانتخابات التشريعية الأخيرة في نوفمبر 2025، التي أسفرت عن فوز ائتلاف “الإعمار والتنمية” بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، مُنح عقدان كبيران في قطاع الكهرباء.

ظاهرياً، ذهبت العقود إلى قيادي بارز في الحشد الشعبي ورجل أعمال عراقي معروف بمشاريعه في قطاع الكهرباء. لكن المصادر قالت لـ”الحرة” إن الشركات التي حصلت على العقدين كانت “واجهات محلية” لشركات إيرانية تخضع لعقوبات دولية.

ورداً على سؤال من “الحرة”، قال عضو في مكتب رئيس الحكومة السابق إن “العقود تُمنح لشركات واضحة وصريحة ومسجلة بشكل قانوني، أما المستفيد الأخير، فالجهات الرقابية هي المسؤولة عن التحقق منه”.

ويعكس هذا الرد إحدى الثغرات الأساسية في نظام التعاقد العراقي، وفق مسؤولين ومتابعين تحدثوا إلى “الحرة”: فالشركة التي تفوز بالعقد قد تكون مسجلة قانونياً داخل العراق، لكن ملكيتها الفعلية أو علاقتها بشركات أجنبية أو جهات خاضعة للعقوبات قد تبقى خارج التدقيق العام.

وتقول المصادر إن النفوذ الإيراني في العراق لم يعد محصوراً في الغاز والكهرباء، بل امتد إلى قطاعات مصرفية ومشاريع بناء ومقاولات حكومية. وبحسب مسؤول عراقي مطلع، ساعدت بعض هذه الشبكات طهران على تحريك أموال وتدوير أرباح بعيداً عن الرقابة الأميركية.

وتتحفظ “الحرة” على نشر تفاصيل إضافية بشأن هذه الشبكات، في انتظار ردود من الجهات المعنية.

نموذج “مبنا”

ويمثل ملف مجموعة “مبنا” الإيرانية، بحسب مصادر عراقية، نموذجاً لطريقة دخول الشركات الإيرانية إلى السوق العراقية عبر قطاعات تبدو في ظاهرها تنموية، لكنها تمنح طهران نفوذاً طويل الأمد داخل البنية التحتية العراقية.

وتأسست “مبنا” عام 1993، وهي من أبرز شركات الطاقة الإيرانية. وأُدرجت على قائمة العقوبات الأميركية في مارس 2018 على خلفية اتهامات تتصل بأنشطة إلكترونية لصالح الحرس الثوري الإيراني.

وقال عضو سابق في البرلمان العراقي لـ”الحرة” إن الشركة وسعت حضورها في العراق بعد عام 2014، حين اجتاح تنظيم “داعش” مساحات واسعة من البلاد، وتردد كثير من المستثمرين الغربيين في دخول السوق العراقية.

وبحسب البرلماني السابق، قدمت “مبنا” نفسها آنذاك كبديل قادر على تنفيذ مشاريع سريعة في قطاع الطاقة، مستفيدة من حاجة العراق إلى الكهرباء ومن المناخ السياسي الذي رافق بدء مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني.

وأضاف أن شركة مسجلة في الأردن، وتعود ملكيتها إلى شخصيات عراقية، عملت واجهة لشركات إيرانية حصلت على مشاريع لبناء مبان حكومية في العراق.

ولا تقول المصادر إن كل العقود المرتبطة بشركات إيرانية داخل العراق غير قانونية. لكن الخطر، وفق مسؤول عراقي مطلع على هذا الملف، يكمن في أن بعض العقود قد تُستخدم لتمكين شركات خاضعة للعقوبات من العمل عبر أسماء محلية، أو لإعادة تدوير أرباح داخل النظام المالي العراقي.

وبذلك، لا يظهر العراق في هذه الرواية مجرد سوق مجاور لإيران، بل مساحة مالية وسياسية تتحرك فيها شبكات رجال أعمال وفصائل وأحزاب بين بغداد وطهران. وفي وقت كانت فيه الضربات العسكرية تضغط على إيران من الخارج، تقول المصادر إن جزءاً من الإسناد جاء من داخل العراق، نقداً وبالعقود وبواجهات يصعب تتبعها.

مصطفى سعدون
مصطفى سعدون صحافي عراقي عمل في مؤسسات إعلامية دولية وعربية عديدة. يُركز في كتاباته على السياسة وحقوق الإنسان.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading