إسرائيل وإيران ونهاية الغموض النووي 

أفاتار ليلى بزي

لأكثر من نصف قرن، اعتمد العالم على آلية مركزية وحيدة لمنع انتشار الأسلحة النووية: معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. اليوم، يتعرض هذا النظام لضغط استثنائي.

لم تعد هناك قيود ملزمة على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم. القوى الكبرى تعمل على تحديث قدراتها بدلًا من نزع السلاح. كما أن التوترات المحيطة بالبرنامج النووي الإيراني لا تزال تتصاعد.

كل ذلك يأتي بينما يجتمع دبلوماسيون في نيويورك لعقد مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار من 27 أبريل إلى 22 مايو 2026. السؤال الآن لم يعد ما إذا كان النظام يتعرض للاختبار — بل ما إذا كان لا يزال قادرًا على الصمود.

هنري سوكولسكي، المدير التنفيذي لمركز تعليم سياسات عدم الانتشار والمسؤول السابق عن سياسات عدم الانتشار في وزارة الدفاع الأمريكية، انضم إلى رئيسة تحرير MBN ليلى بزي للإجابة عن هذا السؤال.

MBN: هل لا تزال معاهدة عدم الانتشار تعمل، أم أن المجتمع الدولي يكتفي بتكرار الإجراءات دون جدوى؟ لقد رأينا بالفعل كيف حدث ذلك مع كوريا الشمالية. انسحبت من المعاهدة، وتحررت من التفتيش، وبنت أسلحة نووية. والآن إيران تفكر علنًا في مسار مماثل.

سوكولسكي: أعتقد أن هذا طرح عام إلى حد ما. معظم الدول لا تزال ضمن المعاهدة — تقريبًا كلها. المشكلة الحقيقية هي أن الاستثناءات القليلة هي التي تصنع الفارق. كما أن المعاهدة تعتمد على أمر أساسي: أن تقلل الدول النووية من اعتمادها على هذه الأسلحة. وهذا لا يحدث حاليًا.

الصين توسّع ترسانتها. ودول أخرى تقوم بالتحديث. لذا نعم، هناك أزمة مصداقية. لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المعاهدة قد انهارت، بل: هل نريد تعزيزها؟ لأننا إن أردنا ذلك، فعلينا إعادة التفكير في كيفية تطبيقها — خصوصًا عندما يمكن للدول الاقتراب كثيرًا من امتلاك سلاح نووي دون أن تواجه عواقب.

MBN: تنص المادة الرابعة من معاهدة عدم الانتشار على حق الدول في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية. إذًا أين يبدأ هذا الحق فعليًا — وأين يبدأ الانتشار النووي؟

سوكولسكي: هذا هو السؤال الأساسي — ولعقود، تجنبنا الإجابة عنه بوضوح. النهج السائد كان بسيطًا: إذا كان البرنامج مُعلنًا كسلمي، وله هدف مدني، وتحت نوع من التفتيش — فهو مقبول.

لكننا نعلم الآن أن ذلك غير كافٍ. لم يكن كافيًا في العراق. لم يكن كافيًا في إيران. ولم يكن كافيًا في كوريا الشمالية. جميع هذه الدول كانت أعضاء في المعاهدة. وجميعها كانت لديها منشآت خاضعة لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومع ذلك، اقتربت جميعها كثيرًا — أو تجاوزت الخط — نحو القدرة على تصنيع سلاح نووي.

إذًا القضية الحقيقية هي: كيف نعرّف “السلمي”؟ وفق التفسير الحالي، يمكن للدول أن تجادل بأن تخصيب اليورانيوم — أو حتى إعادة معالجة البلوتونيوم — هو جزء من حقوقها. لكن إذا عدنا إلى تاريخ المفاوضات، فهذا ليس ما كان مقصودًا. كانت هناك مقترحات للسماح بالوصول الكامل إلى دورة الوقود النووي — وقد تم رفضها.

لماذا؟ لأن الدولة، بمجرد أن تتمكن من إنتاج الوقود النووي، تكون بالفعل قريبة جدًا من إنتاج سلاح.

MBN: دعنا نربط هذا بإيران. نحن نعلم الآن أن إيران خصبت اليورانيوم إلى 60% أو أكثر. فهل وصلنا بالفعل إلى مرحلة يمكن أن تكون فيها إيران قد امتلكت القدرة على إنتاج سلاح؟

سوكولسكي: لا نعلم. وهذه ليست مجرد فجوة استخباراتية، بل جزء من المشكلة نفسها. عندما تنتج دولة وقودًا نوويًا وتُجري تجارب على العمليات الأساسية، يصبح من الصعب جدًا تتبع أين قد تتم الخطوات المتبقية. بعض هذه الأنشطة لا تتطلب منشآت كبيرة، بل يمكن أن تحدث في مواقع صغيرة وموزعة.

إذًا أين كل شيء؟ وفي أي مرحلة هم؟ لا توجد إجابة واضحة. البعض يقول إنهم بعيدون سنوات. وآخرون يقولون إنهم قد يكونون على بعد أسابيع. والحقيقة هي أن هذا الغموض جزء من النظام نفسه.

MBN: دعني أسألك بشكل مباشر: هل أدت الهجمات على المنشآت الإيرانية العام الماضي وهذا العام إلى وقف البرنامج فعليًا؟ أم أننا فقط أبطأناه، بينما سمحنا له بالاستمرار بشكل أقل وضوحًا وربما أكثر تقدمًا؟

سوكولسكي: أعتقد أننا بحاجة إلى الصراحة بشأن ما نفعله. هناك فكرة يُطلق عليها البعض “جزّ العشب” — أي الحاجة إلى ضربات متكررة لإرجاع البرنامج إلى الوراء. لكنك لا تدمر عشبًا. أنت تحاول تدمير معرفة. وهنا تكمن المشكلة.

بمجرد أن تصبح المعرفة موجودة — بمجرد فهم التصاميم — لا تحتاج بالضرورة إلى نفس مستوى الخبرة للمضي قدمًا.

لذا نعم، هناك الكثير من الغموض. وهذا الغموض لا يختفي بمجرد قصف المنشآت.

MBN: إذًا نحن لا نقضي على البرنامج، بل نحاول ضبطه؟

سوكولسكي: في أفضل الأحوال، نحن نؤخره. لكن التأخير دون وضوح يخلق مخاطر. لا بد من الإصرار على مجموعة واضحة من المطالب التي تقلل فعليًا من هذا الغموض. وهذا يتطلب شيئًا لم نره فعليًا — وهو تطبيق أكثر صرامة واتساقًا.

MBN: دعني أذهب أبعد من ذلك. يُعتقد على نطاق واسع أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، رغم بقائها خارج معاهدة عدم الانتشار، ضمن سياسة الغموض التي تنتهجها. إذا نظرنا للصورة الأوسع — هل يشير ذلك إلى أن نظام عدم الانتشار العالمي يتعلق بالقواعد… أم بكيفية تطبيقها؟

سوكولسكي: هذا سؤال عادل جدًا. لنكن واضحين: إسرائيل تمتلك أسلحة نووية. وكذلك الهند وباكستان وكوريا الشمالية. القضية ليست فقط من يمتلكها — بل ما إذا كان هناك مسار يتيح للدول الابتعاد عن الاعتماد عليها. لأن المعاهدة في النهاية لا تعمل إلا إذا قللت الدول — بما في ذلك القوى الكبرى — من اعتمادها على الأسلحة النووية.

MBN: إذًا في النهاية، المسألة لا تتعلق فقط بإيران، بل بما إذا كان النظام نفسه لا يزال قادرًا على تشكيل سلوك الدول.

سوكولسكي: بالضبط. المعاهدة لا تتعلق فقط بمنع الانتشار، بل أيضًا بخلق ظروف تجعل الدول لا تشعر بالحاجة إلى هذه الأسلحة. وإذا لم يتحقق هذا الجزء، يصبح الحفاظ على بقية النظام أكثر صعوبة.

MBN: منذ ضربات 2025، تم تقييد الوصول إلى بعض المنشآت النووية الإيرانية، وفي بعض الحالات فقد المفتشون القدرة على مراقبة مكونات أساسية. فهل نحن فعليًا “عميان” اليوم عندما يتعلق الأمر بأنشطة إيران النووية؟ وماذا يعني ذلك عمليًا بالنسبة لمدى اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي؟

سوكولسكي: المسألة الأساسية تتعلق بكيفية التعامل مع المواد النووية. عندما نتحدث عن منشآت التعامل بكميات كبيرة، فأنت لا تتعامل مع أجسام صلبة، بل مع غازات وسوائل ومساحيق. وهذا مهم، لأنه من الأسهل بكثير تتبع وتجميع الوقود النووي الصلب مقارنة بمواد يمكن نقلها أو تخفيفها أو تحويلها بكميات صغيرة.

السؤال إذًا هو: هل يمكن فعليًا إخضاع ذلك للرقابة الكاملة؟ كثير من الخبراء جادلوا لعقود بأنه لا يمكن ضمان ذلك بالكامل. المشكلة ليست تقنية فقط — بل سياسية أيضًا. للحفاظ على التوافق، افترض النظام غالبًا مستوى من السيطرة قد لا يكون موجودًا فعليًا. ورأينا ما يحدث عندما يُمنع المفتشون أو يُقيد وصولهم: تصبح معلوماتك ناقصة وغير متسقة. وفي المجال النووي، هذا أمر بالغ الأهمية.

لأنه بمجرد الوصول إلى اليورانيوم عالي التخصيب أو البلوتونيوم المفصول، يكون الأوان قد فات عمليًا. في تلك المرحلة، تصبح المادة نفسها مرتبطة مباشرة بإنتاج السلاح. وبالتالي، المشكلة الحقيقية هي أن بعض أجزاء دورة الوقود يصعب — إن لم يكن يستحيل — إخضاعها للرقابة الكاملة في الوقت الفعلي.

MBN: ما الذي تتوقعه واقعيًا من هذا المؤتمر؟ وكيف يمكن أن تقرأ الدول الناشئة أو المترددة هذه اللحظة؟ هل لا تزال ترى قيمة في الانضمام إلى النظام، أم بدأت تشكك فيه؟

سوكولسكي: هناك بعض الأمور التي يمكن توقعها بسهولة. كل مؤتمر مراجعة يعيد طرح فكرة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط — وهو ما يعيد حتمًا طرح وضع إسرائيل.

من المرجح أن تركز الولايات المتحدة على رفض الصين الدخول في مفاوضات جدية للحد من التسلح. بينما سترد روسيا والصين بطرح مخاوف بشأن الانتشار العسكري الأمريكي والتحالفات. لذا، في كثير من النواحي، ستبقى الانقسامات المعروفة.

لكن القضايا الأكثر أهمية غالبًا ما تكون تلك التي لا تحظى بالاهتمام الكافي. مثلًا: ما الذي يجب أن يُعتبر فعليًا نشاطًا نوويًا “سلميًا”؟ هل ينبغي السماح للدول بالانسحاب من المعاهدة وهي في حالة انتهاك دون أن تواجه عواقب تلقائية؟ هذا ما حدث مع كوريا الشمالية.

وربما حان الوقت للنظر في آليات مثل فرض عقوبات تلقائية على الدول التي تنسحب وهي غير ممتثلة. هناك أيضًا فجوات في التنفيذ. على سبيل المثال، تحظر المعاهدة مساعدة الدول على تطوير أسلحة نووية، بما في ذلك المكونات الأساسية. لكن لا توجد آلية دولية واضحة لتطبيق ذلك. وهذه فجوة خطيرة.

هل سيكون هناك اتفاق حول هذه القضايا؟ على الأرجح لا. لكن هذا لا يعني أن النقاش غير مهم. لأن هذه المؤتمرات هي التي تحدد مسار النقاش وتضع الاتجاه. وعندما تُطرح هذه القضايا بوضوح، يمكن نقلها إلى منتديات أخرى. وهكذا يتحقق التقدم.

هذا المقال منقول عن الإنجليزية.

ليلى بزي

ليلى بزي هي رئيسة التحرير في شبكة MBN–الحرة، وصحفية حائزة على جوائز دولية مرموقة تشمل  مهرجانات نيويورك وتيلي وكان للإعلام المؤسسي. تقود جهود تطوير العمل التحريري عبر السرد الرقمي أولاً وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading